الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

في الآونة الأخيرة تمتعت الصكوك الإسلامية باهتمام المتخصصين الماليين والشرعيين وأصبحت محل الحديث في وسائل الإعلام وعلى طاولة رجال الأعمال ولم تغب حتى عن مناقشات الشرعيين في مجامعهم، الجامعات أيضا لم تغفل عن هذا الموضوع فقدمت عديدا من الدراسات والأبحاث لتدرس الصكوك ولتساعد على تطويرها، ناحية أخرى، المعهد العالي للقضاء إحدى أبرز الجهات التي تثري المصرفية الإسلامية بأبحاث متخصصة خاصة في مجال فقه المعاملات، الباحث تركي بن عبد العزيز الهويمل قدم رسالة حول صكوك المرابحة لنيل درجة الماجستير وتوصل إلى نتائج عديدة وتوصيات قيمة.

بينت الرسالة أن صكوك المرابحة عقد شرعي صحيح يستند إلى عقد المرابحة للآمر بالشراء وأنها قد نشأت فكرتها من قبل الدكتور سامي حسن حمّود في ندوة البركة الثانية في تونس عام 1984م وكانت لتمويل بيوع المرابحة.

تأتي أهمية الموضوع حسب الدراسة في عدة نقاط من أبرزها حداثة هذا الموضوع، كما أنه يدخل ضمن الصكوك الإسلامية وهي أداة مالية مرغوبة بكثرة في التعاملات المالية نظراً لموافقتها الشريعة الإسلامية، إضافة إلى أنه موضوع يمكن الاستفادة منه في تنمية الاقتصاد الإسلامي وتوسيعه وتحجيم التعامل بالسندات المحرمة ونحوها ما يكون له أبلغ الأثر في نشر الاقتصاد الإسلامي عامة وعند المسلمين بشكل خاص ثم إن كثرة الكلام حول شرعية صكوك المرابحة وكذا الشبهات الواردة عليها تطلب, بحسب الباحث, تحرير النظر في هذا الموضوع وتمييز حكمه الشرعي الصحيح.

وقد تطرق البحث إلى أصل الصكوك وتعريفها ثم تحدث عن بيع المرابحة وصكوك المرابحة وخصائصها، وختم البحث بعدة توصيات مهمة. وفي الحديث عن صلب الموضوع عرفت الدراسة صكوك المرابحة بأنها وثائق متساوية القيمة عند إصدارها ولا تقبل التجزئة في مواجهة المصدر، يتم إصدارها لتمويل شراء سلعة المرابحة، ومن ثم تصبح سلعة المرابحة مملوكة لحملة الصكوك.

وحول إصدار صكوك المرابحة شددت الدراسة على أنه لا بد من توافر أركان العقد في عقد «صكوك المرابحة» حتى يكون شرعياً صحيحاً، وتكون هذه الأركان مستوفية لشروطها الخاصة, وأنه ينبغي عند إصدار عقد «صكوك المرابحة» أن تتوافر فيه شروط تضمن تحقيق الضوابط الخاصة بتطبيق هذه المعاملة، كما أشارت الدراسة إلى أنه يُمكن لأيّ من طرفي عقد «صكوك المرابحة» أن يشترط لنفسه شروطاً خاصة - لا تعارض شروط إصدار عقد «صكوك المرابحة» - تحقق له مصلحة مّا، ولكن يلزم لقبولها موافقة الطرف الآخر، كما قيدت الدراسة المجالات التي يجوز فيها إصدار مثل هذه الصكوك ورأى الباحث أنه لا يجوز إصدار صكوك المرابحة في عدة مجالات منها إصدارها من أجل إجراء عقد «مرابحة للآمر بالشراء» مؤجلة في الذهب والفضة والعملات، كذلك إصدارها قابلة للتداول بديون المرابحة أو غيرها إذا كان العوض الذي ستُشترى به هذه الصكوك من الأثمان كذلك لا يجوز إصدار «صكوك المرابحة» من أجل تجديد المرابحة على السلعة نفسها.

موضوع تداول الصكوك حظي أيضا باهتمام الدراسة وبينت الدراسة أنه يقصد تداول «صكوك المرابحة» التصرف في الحق الشائع الذي تمثله صكوك المرابحة بالبيع أو الرهن أو الهبة أو غير ذلك من التصرفات الشرعية إلا أن المراد الأساس من (التداول) الذي تترتب عليه غالباً أحكام التداول هو (البيع والشراء)، وبحسب الدراسة فإن تداول «صكوك المرابحة» بعد قفل باب الاكتتاب فيها وتخصيصها وقبل شراء سلعة المرابحة يعد (صرفاً) وتطبق عليه أحكام الصرف أما تداول «صكوك المرابحة» بعد شراء سلعة المرابحة وقبل بيعها للمشتري فإنه وبحسب الدراسة جائز بأي سعر؛ لأن تداولها هنا عبارة عن تداول جزء مشاعٍ من سلعة المرابحة كما رأى الباحث أن تداول «صكوك المرابحة» بعد بيع سلعة المرابحة وتسليمها للمشتري يعد تداول ديون فلا يجوز إلا بضوابط تداول الديون ونبهت الدراسة إلى أن هناك من الفقهاء من يجيز تداول الديون وبالتالي يجيز تداول صكوك المرابحة التي تمثل ديوناً.

وأفردت الدراسة فصلا كاملا حول موضوع التطبيق الواقعي المعاصر لصكوك المرابحة وتوصلت إلى أنه ومن حيث واقع التمويل والاستثمار بـ «صكوك المرابحة» فإنه قليل ونادر في جهات التمويل التي تأخذ برأي القيود في تداولها، وأكثر هذه الجهات في الدول الخليجية والعربية وأن هناك توسعا كبيرا في التمويل والاستثمار بها في جهات التمويل التي تأخذ برأي الجواز المطلق في تداولها دون قيود أو شروط وأكثرها في دولة ماليزيا وأن من الممكن الاستفادة من هذه الصكوك في مجالات عديدة.

كما أفرد الباحث مبحثا كاملا حول: استرداد «صكوك المرابحة» وانتهاؤها وبيّنت الدراسة فيه أن استرداد «صكوك المرابحة» هو في معنى تداولها، فيطبق عليه أحكام التداول وأن الفارق بين الاسترداد والتداول أن (الاسترداد): تداول للصك مع مُصْدِره، أما (التداول) فهو تداول للصك مع غير مُصْدِره، وأشارت الدراسة إلى أنه يقصد بـ «انتهاء صكوك المرابحة» انتهاء صفتها الاستثمارية بتحولها إلى نقودٍ يتسلمها من يملك تلك الصكوك وقت استحقاقها الأخير، وذكرت الدراسة ثلاث طرق لانتهاء «صكوك المرابحة» وهي أن تنتهي «صكوك المرابحة» حالاً عند تسليم سلعة المرابحة للمشتري أو أن تنتهي «صكوك المرابحة» كلياً مرة واحدة ولكن في تاريخ مؤجل أو أن تنتهي «صكوك المرابحة» جزئياً بالتدريج خلال مُدَدٍ محددة.

وخرجت الدراسة بتوصيات عديدة من أهمها الاستفادة من الأفكار الجديدة في التعاملات المالية الإسلامية، وعدم قصر النظر على ما هو موجود من المعاملات المالية الإسلامية، بل كل معاملة وفكرة إسلامية يمكن الاستفادة منها ينبغي العمل بها، حتى تُعطى للمتعاملين خياراتٌ أوسع ومجالاتٌ أرحب يمكنهم من خلالها اختيار ما يلائمهم ويناسب أحوالهم ورأت الدراسة أن «الصكوك الإسلامية» معاملة إسلامية مميزة، وذات فائدة كبيرة، وبها يعتاض عن غيرها من الأوراق المالية المحرمة في بعضها التي تشوبها الشبهات في كثير منها، لكن ينبغي الحرص على تطبيقها عملياً التطبيق السليم حتى تؤدي غرضها المنشود، وبخصوص الموضوع محل البحث «صكوك المرابحة» فقد رأت الدراسة أنها معاملة إسلامية تجارية تمويلية رائدة، ومبعث اطمئنان للمستثمرين فيها، لكن كما سبق ينبغي الحرص على سلامة تطبيقها من الناحية العملية، والتأكد من سيرها على ما رُسِمَ لها من ضوابط، ومراقبة ذلك كله في مراحلها العملية، كما أشارت الدراسة إلى أن الرغبة ملحّة لإنشاء هيئة شرعية عُليا للفتيا، تصدر عنها قرارات موحدة – بحسب الاستطاعة – تضع الأسس العامة والمبادئ الخاصة لتطبيق التعاملات الإسلامية في جميع جهاتها ومن جميع جوانبها وختم الباحث توصياته بتوصية عامة ومهمة هي الاهتمام بجانب الرقابة الشرعية في كل جهة تكون فيها تعاملات إسلامية وعدم إغفاله، لما يترتب على إهمال ذلك الجانب من تفشي الصورية في كثيرٍ من العقود الإسلامية، وبالتالي تنقلب هذه التعاملات الإسلامية إلى ضدها. إلى جانب عديد من التوصيات والنتائج الأخرى.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية