الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

أنثى السمك من فصيلة متعددات الألوان، إذا تُرِك لها أمر اختيار الذكر الخاص بها، فإنها تختار ذكراً ذا لون برتقالي فاقع، إلا إذا لاحظت أن السمكات الأخريات يخترن ذكراً برتقالياً ذا لون داكن، وفي هذه الحالة فإنها ستفعل مثلهن. بل إنها تكون مستعدة لهجر ذكر برتقالي براق سبق أن اختارته بنفسها للحصول على واحد أقل بريقاً.

لي ألان دوجاتكين، عالم الأحياء الأمريكي الذي اكتشف هذه الظاهرة، لاحظ أن حب الأسماك الصغيرة يشبه الحب لدى البشر.

هذه الظاهرة لا تحدث فقط في حالات الغرام. يحب الناس اتباع الجماعة. حين تريد اختيار أحد المطاعم فإنك تختار المطعم المليء بالرواد وتفضله على المطعم الخالي من الزبائن.

ديفد هيرشلايفر، وهو أستاذ التمويل في جامعة كاليفورنيا، كتب في بحث بعنوان: "أعمى يقود أعمى: التأثير الاجتماعي والتقاليع وتدفق المعلومات"، إن قيام الناس باتخاذ خيارات واعية تماماً أمر يتطلب الجهد.

باستطاعة الشخص أن يقوم ببحث حول المطاعم المتوافرة، لكن من الأسهل عليه بكثير أن يعتمد على ما قرره الآخرون، وسيستهلك ذلك منه وقتاً قليلاً.

أصحاب العمل الذين يقابلون المرشحين للوظائف يفعلون الشيء نفسه. فهم يرتابون في طالب الوظيفة الذي مكث فترة طويلة بلا عمل، ويتساءلون عن السبب في أنه لم يكن قادراً على الحصول على عمل. وهو يقول لنفسه: ما الأمر الذي تعرفه الشركات الأخرى وأجهله أنا؟ وحتى لو كانت نتيجة المقابلة مع هذا الشخص طيبة، تظل الشكوك عالقة. بإمكان صاحب العمل البحث في الأمر، لكن هناك أمورا كثيرة ملحة بحاجة إلى انتباهه. لذلك سيكون من الأسهل عليه اختيار شخص يتمتع بسجل وظيفي متين.

حتى المختصين الذين لديهم معلومات كثيرة، مثل الأطباء، فإنهم يسيرون وراء الجماعة. يقول هيرشلايفر: "معظم الأطباء ليسوا مطلعين على أحدث الدراسات والأبحاث، وبالتالي فإن اعتمادهم على ما قام به أو يقوم به زملاؤهم يؤدي إلى عدد لا يحصى من التقاليع الجراحية." من الأمثلة على ذلك الاختيار الطوعي لعمليات استئصال الرحم من قبل النساء اللواتي تجاوزن سن الحمل، أو الاستئصال الروتيني للوزتين لدى الأطفال.

هذه العمليات التي أصبحت ذات سمعة سيئة الآن تبين نقطة مهمة حول الجماعات. وهي أن التقليعة الآن هي الإطناب في مدح حكمة الجماعات. وما يدريك لعل المطعم الخالي من الزبائن يمكن أن يكون أفضل بكثير من المطعم المليء بالزبائن؟ المجموعة الأولى من الزبائن الذين دخلوا إلى المطعم ربما فعلوا ذلك بناء على نزوة.

لا نزال نجهد للتعافي من واحد من أكبر الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الجماعة في التاريخ الحديث، وهي الفكرة القائلة إن إقراض المال إلى المقترضين الذين لا يتمتعون بالجدارة الائتمانية يمكن التخفيف من أضراره بتقطيع الديون الرديئة ومزجها مع ديون جيدة، وبيعهما معاً على شكل أوراق مالية.

حتى في الفترة التي كان فيها الانهيار في مرحلة "التخمير"، فإن الأشخاص الأذكياء في العادة كانوا يطنطنون بأن هذه الحيلة ذهبت تماماً بجوانب الخطر. هذا المخرج لم ينطلِ على الجميع، ولكنهم شعروا أن عليهم السير وراء الجماعة. كان الجميع يقوم بهذه العملية. ليس هذا فحسب، ولكن كان يبدو أنهم يكسبون المال الوفير من ورائها. أي شخص يرفض المشاركة في ذلك كان من الممكن أن يفصل من عمله. هذا هو السبب في أن بعض الناس يلقون أحيانا باللوم في وقوع هذه الأزمة على "مخاطر الحياة المهنية"، وهي الظاهرة نفسها التي تشجع مديري الصناديق على تقليد بعضهم بعضاً. فإذا أخفق أحدهم، فإنه سيقول إن الجميع أخفقوا. لكن سيكون من الخطر الكبير بالنسبة للمدير أن يحاول شيئاً مبتكراً ويفشل فيه وحده.

بطبيعة الحال الهوس الذي اتسمت به ظاهرة القروض السكنية لضعاف الملاءة وصل إلى مرحلة التحطم والارتطام بالجدار. هناك تقاليع أخرى تنتهي دون إحداث هذا القدر من الدمار. أما لماذا تتغير التقاليع فإن هذا يكون أحياناً لغزاً من الألغاز. في أوقات أخرى يكون السبب في ذلك واضحاً، وهو أن شخصاً موثوقاً اختار القيام بشيء مختلف. مثلاً حين يكتب ناقد معروف للأطعمة ويقول إن المطعم الخالي هو أفضل مطعم تناول فيه الطعام في حياته. أو حين تقول الحكومة إن التدخين يمكن أن يؤدي إلى الموت. إناث السمك متعدد الألوان يصلن إلى مرحلة النضج كذلك. لاحَظَ دوجاتكين أن إناث السمك الأكبر سناً كان يغلب عليهن أن يتمتعن بعقلية مستقلة. وكان يغلب على الإناث الصغار تقليد الإناث الأكبر سناً في اختيارهن للذكر. الإناث الكبار لا يقلدن الإناث الصغار. يحدث الأمر نفسه مع الإنسان. كلما ازدادت خبرتنا، ازداد اعتمادنا على أنفسنا في الحكم، أو على الأقل يجدر بنا أن نكون كذلك. كثيرون من الذين ساروا وراء التقاليع المالية في السنوات القليلة الماضية كان ينبغي عليهم أن يكونوا أكثر وعياً. ربما كان كثير منهم كذلك، لكنهم في الوقت نفسه لم يكونوا قادرين على مقاومة كسب المال من جراء ذلك.

تشاك برنس، الذي كان رئيس بنك سيتي جروب، في مقابلته الشهيرة قبل الأزمة، أقر أنه خلال فترة معينة سيقع حادث مالي مدمر. وقال: "لكن طالما أن الموسيقى تظل تعزف، لا بد لك من النهوض والرقص".

لو أن كبير الماليين التنفيذيين ظل جالساً ولم يقم للرقص، فهل سيكون من شأن ذلك القضاء على حياته المهنية؟ ربما. إن محاولة تفسير السبب الذي من أجله كانت التقليعة المالية الحالية ستنتهي بكارثة، هذه المحاولة ربما تكون محاولة خطرة. لكن التوصل إلى حكم مستقل هو الأمر الذي يتلقى أهل القمة رواتبهم للقيام به. بإمكانك أن تسمي ذلك مخاطر الحياة المهنية، أو بإمكانك أن تقول إنه القيادة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية