إصلاح الأنظمة المالية ينبغي أن ينظر إلى ما هو أبعد من الاستقرار.
لن ينجو المصرفيون جميعا بفعلتهم. فقد أجبرت نيلي كروس، مفوضة المنافسة الأوروبية بنك ING على أن يجزئ نفسه وأن يقبل بالقيود الصارمة التي فرضت على العمليات الأساسية التي يقوم بها. إن بنك التأمين الهولندي يدفع ثمناً عالياً للمساعدة التي حصل عليها من الدولة، البالغة عشرة مليارات يورو.
لقد كافحت كروس بشجاعة، وعن حق، لمنع عملية الإنقاذ الحكومية الطارئة لـ ING من تشويه السوق المصرفية في المدى الطويل. وهي ليست الوحيدة التي ينتابها القلق بشأن المنافسة في قطاع التمويل. ففي المملكة المتحدة، شن لورد ماينرز، وزير الخدمات المالية، هجوماً على الأتعاب، أو الرسوم التي تتقاضاها البنوك الاستثمارية، وعبّر حزب المحافظين عن رغبته في إجراء تحقيق حول المنافسة في القطاع المصرفي.
جميع هذه الجهات لديها أسباب وجيهة قائمة منذ زمن طويل تدعوها للاعتقاد بأن المنافسة في مجال التمويل ضعيفة. وفي أحيان كثيرة تتم هيكلة التكاليف بصورة غريبة. وتعتبر رسوم الاستحواذ والاندماج شاذة بشكل خاص. ذلك أن هذه الرسوم تسيء تنظيم الحوافز بين الجهات الاستشارية التي تجني الأموال من استكمال الصفقات، والعملاء الذين يجنون الأموال فقط من الارتباطات الناجحة.
لكن حتى عندما تكون هياكل التكاليف أكثر معقولية، فإن مستويات الأتعاب لا تكون كذلك في معظم الأحيان. فكثير من مديري الصناديق يتقاضون مبالغ باهظة – وكثيراً ما يفعلون ذلك بصورة غير شفافة. وبحسب تقديرات ألان ميلر الذي كان يعمل في السابق لدى صندوق نيوستار، الصندوق الذي يعلن أنه يتقاضى رسوماً سنوية بنسبة 1.6 في المائة يمكن أن يكلف العميل في واقع الأمر 3.8 في المائة.
وتتضح ثمار هذه الممارسات في الحسابات الضخمة والمكافآت السخية التي يدفعها هذا القطاع: في 2007، ولد قطاع التمويل 23 في المائة من الأرباح التي حققتها جميع الشركات الأمريكية. هذه الأدلة تشير كلها إلى افتقار الصناعة إلى المنافسة بشكل خطير.
وفي بعض الحالات، فإن عدم وجود ضغط تنافسي هو نتيجة لتركز العرض لا غير. ذلك أن الجهات الاحتكارية لا ترى أنها في حاجة إلى الكفاح من أجل مكانتها أو مركزها في السوق. والنتائج المعززة التي تمخضت عنها الأزمة، والتي لم تبق إلا على بضعة بنوك واقفة، تزيد هذا الأثر القوي سوءاً.
غير أن عدم الشفافية يعتبر مشكلة كبيرة هو الآخر. ذلك أن المدير العادي في الشركة لا يعرف إلا القليل عن عمليات تعهد السندات أو عمليات الاستحواذ والاندماج، ولا يتاح إلا قليل من المعلومات العامة عن مزودي الخدمات. ولذلك، عندما تتحول هذه الشركات بصورة غير مريحة إلى هذه المجالات، فإنها تتجه جميعاً إلى العلامات التجارية المشهورة: في النهاية لم يتم فصل أي شخص لأنه استعان بخدمات بنك جولدمان ساكس.
يجب على الحكومات أن تقوم بالأشياء القاسية، كما فعلت كروس مع بنك ING. لكن يجب عليها أيضاً أن تتخذ خطوات أكثر ذكاء، ما يضمن توافر المعلومات التي تمكن العملاء من مقارنة أداء وأسعار مزودي الخدمات. وأثناء قيام الحكومات بإعادة صياغة الأنظمة بهدف جعل النظام المالي أكثر استقراراً، يجب عليها أيضاً أن تحاول زيادة التنافس فيه.