فارس محمد عمر
إلى الكائن الطيب: الأصل والكف والمرقد. إلى الحُبيبات المختلفة ألوانها اختلاف من عليها. من كُوّة صغيرة بعيدة، من نافذة طائرة، نظرت طويلا وفكرت مليا.
أبصرْت الأفق ابتسامةً رحبة تتعانق بها السماء مع الأرض. لوحة جذابة أحسست معها بموسيقى الهدوء، ذبلت لها عيناي، غرقت فيها أذناي، لمسَتها أصابعي المخدورة واستسلم لها وجهي بابتسامة ولدت فريدة عن سابقاتها. كل خلية في جسدي فقدت وزنها ورقصت مع خواطري في الفضاء الواسع الهاديء. ايقاع خافت يهدهدني في كل نظرة إلى ما دوني.
أيها التراب الغالي. لا يسلي بعدي عنك إلا احتجاب ما عليك عني. لا أرى ما يغشاك ويتقافز فوق أكتافك. لا أرى الأشياء التي من تفاهتها تظن أنها تغطيك وتهيمن عليك. عندما أطير لا أرى سدودا خرسانية ولا كتلا حديدية ولا خربشات اسفلتية ولا مخلوقات شقية. تحملني وسائد السحاب الندية، تنثر رذاذا معطرا ينفذ إلي ويربت على جلدي، أستنشقه في صدري وعصبي فيبعث فيّ السعادة ألوانا. لا شيء يقطع سكينتي. ما من رنين متطفل، لا أبواق بذيئه. كل كبير، مخلوق أو جماد أو صوت، يتلاشى وتتبدد الأغلال فلا أحس بشيء. أصير بعيدا بعيدا عن كل شيء. فاغفر لي أيها التراب الصامت الراضي إن تمنيت أن أطير دائما.
عندما نهبط إلى مستوى الأشياء تبدو ضخمة. هذا ما فكرت به وشعرت بمعانيه. نبتعد عن الشيء فيصغر ويصغر حتى يختفي فلا نراه. نعود ونقترب منه فيظهر ثم يكبر في أعيننا ويكبر كلما اقتربنا، حتى إذا ما التصقنا به صار اكبر من حدود بصرنا فلا نرى غيره ونتوهم ألا حدود له، وتكبر مثله الأصوات والضوضاء وتزدحم الصور والأوهام. مواقف ومقارنات ومسافات نحفظ أشكالها وأحجامها ثابتة في مخازن ظنوننا ومخاوفنا. تتوقف جوقة الطمأنينة المحلقة السامية عن عزفها وسحرها أمام تلوث عنيد فوق التراب البريء يفسد الرئة واللسان والعقل والفطرة، تلوث عاتبه إيليا أبو ماضي متسائلا:
أنت مثلي من الثرى وإليه... فلماذا يا صاحبي التيه والصد؟
سأطير بعقلي وعواطفي كل يوم، فوق كل هم وشُغل وسَقف من حيثما كنت. سأرتفع بإحساس المسافر المحلق وانظر الى التراب وإلى سادته العاقين لأصلهم الخارجين عليه، لن يصلني شيء. والحياة ماضية ماضيه، بأوهام أشغال لا تنتهي وهموم لا تنقشع وآلام لا تسكن. مضت بمن رحلوا وستمضي بي وبغيري، فلم القلق واللهاث والكوابيس؟
أيها الأصل الناعم النظيف. أشفق عليك من سلالتك المتبطرة المتطاولة، وأجزع من بُعدي عنك، لكنني أبتعد عن لداتي وعداتي فاصفح عني. ثم إنني عائد عائد، لا غنى لي عنك ولا بديل. مهما ودعتك وهربت ستستقبلني وتقبلني حياً وميتاً. تحملني وتحمل لي ما أريد فلن أحمل لك إلا الحب. وأعدك أني سأبني بك وعليك، سأزرع وأعمل فوقك بك ومنك وفيك ما استطعت، وأُعين سلالتك لخدمتك وخدمة أنفسنا. وذاك فضل منك لا تمن به على أحد مهما منوا عليك وآذوك، وأنت أصل كل من أخذوا وما أخذوا.
أيها التراب الحنون. سأحلق دائما لأكون كما بدأت: ذرة بلا وزن ولأستشعر المعنى في ذلك. ثم أحط لأتزود منك بالحب، الحب الذي يضم السماء والأرض في بسمة الأفق، الذي يربط التراب بكل ما فوقه وما تحته، الوقود السحري الثمين المشاع، المحرك الصاروخي الصامت الخفي، السر الحقيقي وراء الحياة، المناعة الوحيدة ضد تداعي الوشائج بين أبناء الأصل النظيف وضد اصطباغه ببقع حمرة مؤلمة عبر كل زمان ومكان. الحب يتجلى في كل ما فيك وعليك من الفطرة والطبيعة والبسمات والجمال والابتكار والتعاون، وتُجلّيه أيها الأصل في كل ما هو مشاع، في هواءك وماءك وبرك وبحرك وزرعك وحيوانك، ويأبى ابنك العاق ايها التراب الصامت الصامد الثريُّ الحبيب، يأبى ابنك العابث إلا أن يُمسك المشاع ويعطل الحياة ويبخل بما لا ينفد ويمنع الحب ليعلن نفسه أصلا وفصلا. يأبى ابنك إلا أن يهين ويظلم ويحتقر ويستعبد بني جنسه. يأبى ابنك إلا أن يسيء إلى نفسه. يا لجهله.. يا لعجزه.. يا لحمقه...
