خلال 38 عاماً قضيتها في العمل الاستثماري، شهدت ست أزمات مصرفية بدأت بانهيار المصارف الثانوية في المملكة المتحدة في أواسط سبعينيات القرن الماضي.
ومنذ ذلك الوقت عاصرت أزمة المديونية التي ضربت أمريكا اللاتينية في ثمانينيات القرن الماضي، وكارثة المدخرات والقروض الأمريكية، والمشاكل التي وقعت في منطقة اسكندنافيا في أوائل التسعينيات، وفي وقت لاحق من ذلك العقد الأزمة التي تعرضت لها البلدان الآسيوية.
وبالنسبة للأزمة المصرفية العالمية الأخيرة فهي لم تكن غير مسبوقة. هذه الانفجارات ليست فريدة من نوعها بالنسبة للـ 40 عاماً الماضية أيضاً، ذلك أن أي شخص درس التاريخ المالي للبلدان المتقدمة يدرك أنه حافل بالأحداث المشابهة. لقد كانت الأزمة الأخيرة أسوأ أزمة أشهدها بالتأكيد، لكنني أشك في أن تكون خاتمة الأزمات.
لقد كُتِب الكثير حول ما ينبغي عمله لمنع تكرار المشاكل المصرفية في المستقبل، واعتقدت أن الوقت مناسب بعد مضي عام على إفلاس بنك ليمان براذرز كي ألخص آرائي في هذا الصدد. إن خطتي التي تتألف من سبع نقاط هي على النحو التالي:
أولا، أصبح حجم عدد من البنوك كبيراً جداً. ومما يؤسف له أن قلة من البنوك مهيأة لمعالجة هذا الجانب من الأزمة، وربما يعود ذلك إلى أن تأثير البنوك الكبيرة ضمن هذه المؤسسة كبير جداً. إنني لا أفهم لماذا تريد بعض البنوك أن تكون بالحجم الكبير الذي وصلت له، أو لماذا ينبغي أن تكون أنشطتها بالتنوع الواسع الذي أصبحت عليه. وأعتقد بصورة خاصة أن هناك مبرراً قوياً للفصل بين المصرفية التجارية والاستثمارية.
ومن سوء الحظ أنه يبدو أننا نسير ونتقدم في الاتجاه الخاطئ، إذ أصبحت بعض المؤسسات الاستثمارية الأمريكية الكبيرة بنوكاً عالمية. وحالما تصبح البنوك عالمية، فإننا نتعرض لخطر حدوث أزمات عالمية لا إقليمية في نطاقها. وما زال التنظيم يتم على أساس إقليمي أو، في معظم الحالات، على أساس وطني. وهذه المزاوجة غير المناسبة بين الأنشطة والعملية التنظيمية تعرض النظام لأخطار كبيرة.
ثانيا، كما قال المدير المالي لأحد البنوك التي خرجت سالمة إلى حد كبير من الأزمة، في اجتماع عقد أخيرا، التداول وعمليات التداول في سندات الخزانة وليس الإقراض التجاري هي التي أوقعت هذه الصناعة في المتاعب. ولذلك مبررات إخضاع هذه الأنشطة لمزيد من التنظيم قوية وينبغي أن تطالب البنوك بأن توفر رأسمال نظامي أكبر لهذه الأنشطة.
ثالثا، تمويل عمليات البيع بالجملة يمكن أن يكون أكثر خطورة من تمويل الودائع لأنه أقل إيلاماً، خاصة عندما يكون هناك فقدان للثقة. وأعتقد أن هناك مبرراً لتشجيع تطوير مزيد من التمويل طويل المدى بالجملة ليكون مكملاً لودائع العملاء.
رابعا، لا يمكن السماح لنظام الظل المصرفي بأن يتنامى تحت أعين العالم الخارجي مرة أخرى. ولا ينبغي أن يسمح للبنوك بمزاولة أنشطة تكون خارج الميزانية العمومية وليست خاضعة للإفصاح العام العادي. وحقيقة أن الجهات المسؤولة عن التنظيم كانت تعرف بهذه الأنشطة كانت غير كافية.
خامسا، ينبغي أن يتم الإفصاح عن الرواتب العالية خارج مجلس الإدارة. ويجب أن يتم الإعلان عن رواتب الموظفين الذين يتقاضون أكثر مما يتقاضاه عضو مجلس الإدارة في المتوسط، إلى جانب الإعلان عن مجالات النشاط التي يعملون فيها. هذا الإفصاح يلقي الضوء على مجالات الخطر المحتمل التي يمكن أن يدقق فيها المستثمرون بعمق أكبر.
سادسا، قال وارين بافيت إن عضو مجلس الإدارة غير التنفيذي المثالي ينبغي إلى جانب التفكير والتحدث بصورة مستقلة، أن يكون عارفاً بشؤون العمل ومهتماً ويعمل لمصلحة المساهمين. وأضاف أنه خدم في مجالس إدارة 19 شركة وعمل مع نحو 250 عضواً في هذه المجالس يمكن القول إنهم كانوا مستقلين، لكنهم كانوا يفتقرون لواحدة من هذه الصفات.
ونتيجة لذلك كان إسهامهم قليلاً جداً وفي أحسن الحالات، وغالباً كان سلبياً، رغم أنهم كانوا أشخاصاً محترمين وأذكياء. وفي رأيي أنه كان يتعين أن تكون لهم مصلحة أكبر في اللعبة من خلال حمل أسهم كثيرة في الشركة وليس من خلال خيارات الأسهم التي تمنح لهم. لقد أكدت الجهات المسؤولة عن التنظيم بشكل كبير على استقلالية أعضاء مجلس الإدارة غير التنفيذيين، لكنني غير مقتنع بأنه كان هناك تركيز كاف على محاولة إيجاد الأشخاص الذين لديهم معرفة بشؤون العمل ولديهم الاهتمام، والذين يعملون لمصلحة المساهمين.
ولاحظ بافيت أنه لم يكن من السهل طرح أسئلة صعبة في غرفة مجلس الإدارة المليئة بالأشخاص المهذبين الذي يؤدون عملهم بنجاح. لكن في العمل المصرفي، من الجوهري أن يكون المرء قادراً على تسليط الضوء على المشاكل الصعبة. إن أعضاء مجلس الإدارة غير التنفيذيين الذي يتم اختيارهم لأنهم «سيندمجون مع الوضع» ربما لا يكون لديهم أفضل الحوافز لعرض هذه المشاكل.
سابعا، هياكل التغذية الراجعة الجيدة بين مجالس الإدارة والمساهمين أساسية. وغالباً ما يقوم الوسيط التابع للشركة (خلف جدار صيني) بهذه المهمة بصورة ممتازة، شريطة أن تذهب التغذية الراجعة إلى المجلس بكامله، بما في ذلك الأعضاء غير التنفيذيين. ويجب على الجهات المسؤولة عن التنظيم ومجالس الإدارة أن تدخل في مفاوضات مع باعة أسهم البنك على المكشوف. وتعتبر هذه أفضل طريقة لتحديد المخاطر المحتملة في النظام وللتنبه للأمور التي يمكن أن تسير على نحو خاطئ.
لقد كانت الأشهر الـ 12 الماضية تجربة قريبة من الموت بالنسبة للنظام المالي العالمي. ولو لم تتصرف الحكومات بالسرعة والجرأة اللتين تصرفت بهما، فلعلنا كنا نعاني الآن كسادا عالميا.
ورغم أننا لا نستطيع منع تكرار هذه الأزمات المالية، إلا أننا ربما نكون قادرين على ضمان تقليل عدد مرات حدوثها وأن يكون تأثيرها على العالم أقل من تأثير الأزمة التي خرجنا منها للتو.
الكاتب رئيس الاستثمارات في فيدلتي إنترناشونال Fidelity International.
