الجمعة, 14 أغسطس 2026|29 صَفَر 1448
الاقتصادية

مجموعة من مراسلي «فاينانشيال تايمز»

كانت المعنويات في وكالة توزيع سيارات مازاراتي في شارع أولد برومبتون عالية يوم الخميس الماضي، حيث أعلن بنك جولدمان ساكس في ذلك اليوم أن موظفيه العالميين يمكن أن يحصلوا على علاوات بمعدل 700 ألف دولار لكل منهم. ويسود توقع في هذه الزاوية وافرة الثروة في غرب لندن التي هي مكان مفضل لكبار موظفي الحي المالي لمدينة لندن، بأن بعض هذه المكافآت ستجد طريقها إلى صالة عرض السيارات هذه. وقد شهدت وكالة التوزيع هذه بالفعل رقماً قياسياً في مبيعاتها خلال أيلول (سبتمبر)، كما أنها تأمل في أن مكافآت الموظفين في نهاية العام سوف تشهد عودة إلى أيام كانت السيارات الرياضية الإيطالية الفاخرة تباع بمعدل سيارة يومياً.

إن بنك جولدمان ساكس الذي أعلن عوائد بلغت 3.2 مليار دولار، وهو رقم قريب من أن يكون معدلاً ربعياً قياسياً، لن يكون البنك الأمريكي الوحيد الذي سيضع الإمكانات المادية في أيدي أولئك الذين يخدمون الطبقات العليا من السوق. وقد أفاد بنك جي بي مورجان تشيز في اليوم السابق أنه حقق عوائد بلغت 3.6 مليار دولار، أي برقم قريب من أرقام فترة الطفرة التي تحققت في عام 2007. وتشهد بنوك المملكة المتحدة مثل بنك باركليز، وبنك HSBC، انتعاشاً كذلك. ومن المتوقع أن تدفع جميعها علاوات، حيث تجادل بأنها إن لم تفعل ذلك، فإن خيرة موظفيها سيهربون إلى الشركات المنافسة.

لم يكن يفترض أن تكون الأمور على هذا النحو، حيث كان هنالك في أعقاب الأزمة المالية انتقاد مرير لثقافة منح العلاوات من جانب البنوك، وأمل على نطاق واسع بأن ذلك سيتغير، الأمر الذي يعمل على إنهاء نظام قال النقاد إنه شجع الإقدام على المخاطر الذي يتصف بالتجاوز، والمخاطرة الشديدة.

حين اجتمع زعماء مجموعة الدول العشرين الأغنى في العالم في بيتسبيرج في الشهر الماضي، نحواً جانباً حجة دعاة الأخلاق بأن المصرفيين يحصلون على أموال كثيرة، وامتنعوا عن فرض سقوف على ما يحصل عليه هؤلاء المصرفيون، تلك السقوف التي طالب بوضعها ممثلو الدول الأوروبية بقيادة الرئيس الفرنسي، نيكولاس ساركوزي. غير أنهم جاءوا بإرشادات لإيجاد برامج مكافآت لتثبيط توجه مخاطر الأجل القصير، وضمان أن توزع مكافآت المصرفيين على سنوات عديدة.

غير أن مستوى الأرباح التي تكشفت في الأسبوع الماضي لدى أكبر مؤسسات وال ستريت أثار مخاوف من أن مثل هذه المبادرات الإصلاحية لن تصيب الهدف. ويقول أحد المصرفيين السابقين في بنك ليمان برذرز «سوف يكون الأمر تماماً كما كان عليه في الماضي، باستثناء بعض التغييرات التجميلية. وليست لدى جميع البنوك النية لتغيير ما تفعله بخصوص المكافآت».

أثناء ذلك، فإن تركيز صانعي السياسة على هيكل العلاوات، بدلاً من المبالغ المدفوعة، لم يفعل سوى القليل لتهدئة غضب الجمهور.

لقد كتبت صحيفة «صن»، وهي أعلى صحف المملكة المتحدة مبيعاً في الأسبوع الماضي تقول: «إن أرباح بنك جولدمان ساكس البالغة 20 مليون دولار يومياً سيغص بها حلق كل عامل مصنع أو متجر تم الاستغناء عنه بسبب أزمة الائتمان».

إن بنك جولدمان ساكس هو محط الغضب الرئيس لأنه انتفض عائداً إلى توليد أرباح هائلة بعد أشهر فقط من تلقيه الدعم الحكومي، ولكن مؤسسات أخرى تشمل المجموعة الأمريكية العالمية، ومجموعة سيتي جروب، ما زالت في مرمى النيران.

قال إدولفوس تاونز، النائب الديمقراطي الذي يترأس لجنة المتابعة والإشراف في مجلس النواب الأمريكي، أمام الكونغرس: «إن الأمريكيين لا يمقتون أولئك الذين يحصلون على كميات كبيرة من الأموال، حيث إننا جميعاً نريد الحصول على الأمر، ولكن ما يثير غيظ الناس هو حين يواصل رؤساء الشركات التي تم إنقاذها، والتي هي فروع فعلية للدولة، الحصول على ملايين الدولارات التي هي في الحقيقة ملاييننا».

هنالك مشروع حول منح المستثمرين «سلطة إزاء العلاوات» من المحتمل أن يقره الكونجرس، الأمر الذي يمنح المستثمرين خيار الصوت غير الملزم ضد علاوات المديرين. وهذه أداة مأخوذة عن قانون ناجح بهذا الخصوص في المملكة المتحدة.

غير أن الأمر الذي ما زال أشد دراماتيكية من ذلك هو تعيين كينيث فاينبيرج «السيد الخاص» للعلاوات، الذي يجلس الآن في وزارة الخزانة الأمريكية متمتعاً بسلطة رفض العلاوات لدى الشركات التي تتلقى أموال الإنقاذ الحكومية. وقد أمر بالفعل المجموعة الأمريكية الدولية، وهي شركة تأمين فاشلة، بتخفيض علاواتها المخططة لبعض التنفيذيين فيها، كما أبلغ مجموعة سيتي جروب أنه يواجه مشكلات فيما يتعلق بخطة لمنح أندرو هول مكافآت تبلغ 100 مليون دولار. وهو هذا هو نجم التداول في «فايبرو» Phibro التي هي قسم تداول السلع لدى المجموعة. وقد كان هذا الاعتراض شديداً بحيث جعل «سيتي» تبيع هذه الوحدة.

لقد رفع حملة الأسهم الناشطون كذلك أصواتهم خارج الكونجرس، حيث قدم مركز الثقة المتبادلة حول مسؤولية الشركات، وهو تحالف يضم نحو 300 من المستثمرين المؤسسيين لديهم رساميل مستثمرة تزيد على 100 مليار دولار، مشروع قرار يحث مجلس إدارة بنك ساكس على وضع قيود على العلاوات.

على الرغم من الشائعات حول استعداد كبار تنفيذيي بنك جولدمان ساكس لإظهار انضباط فيما يتعلق بعلاواتهم الخاصة، واقتراحات بأن البنك يمكن أن يسعى إلى مواجهة الانتقادات بتمويل مؤسسة خيرية جديدة بمبلغ مليار دولار، فإن لهجة الخطاب ظلت بعيدة عن الاعتذار.

يقول دافيد فينير، كبير المسؤولين الماليين في البنك: «إننا واعون بما يحدث في العالم، ولكن علينا أن نوازن ذلك مع معاملة موظفينا بعدالة».

إن ما ستقوله قلة من مصرفيي الاستثمار علناً هو أن هنالك حقداً متزايداً إزاء أن صناعتهم يبدو أنه تم إفرادها لينالها إصلاح للمكافآت، بينما ينجو أقرانهم الذين يحصلون على عوائد مرتفعة في قطاعات صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، من الرقابة والمتابعة التنظيمية على نطاق واسع.

أصبح النقاش حول المكافآت في المملكة المتحدة على وجه الخصوص أمراً أشبه بكرة القدم السياسية، حيث إن رئيس الوزراء، جوردون براون، وحكومة يسار الوسط المضروبة التي يترأسها، متهمون باستغلال عدم التعاطف مع رجال المصارف لتشتيت انتباه الناخبين على غضب آخر متعلق بالفضيحة التي تتابع فصولها منذ فترة طويلة فيما يتعلق بنفقات أعضاء البرلمان.

لقد قاد كل من أليستر دارلنج، وزير مالية المملكة المتحدة، واللورد ماينرز، وزير شؤون الحي المالي لمدينة لندن، وهو الرجل الذي أقر دفع تعويض بلغ 16 مليار جنيه استرليني للسير فريد جودوين، الرئيس التنفيذي السابق لبنك اسكتلندا الملكي RBS، حملة المطالبة بأن تتبنى البنوك إرشادات المكافآت التي وافقت عليها مجموعة العشرين.

لقد أعلنت وزارة الخزانة البريطانية في الشهر الماضي بنغمة مرتفعة كون أكبر خمسة بنوك بريطانية هي أول من وقع على النظام الجديد. ويضاف إلى ذلك أن 11 بنكاً دولياً، بما فيها بنك جولدمان ساكس، وجي بي مورجان، تبعت ذلك في الأسبوع الماضي خلال اجتماع ساده التوتر مع اللورد ماينرز، حيث وصفه عدد من المشاركين بأنه مرض سياسي معيق.

في الولايات المتحدة، وجدت إدارة الرئيس باراك أوباما كذلك البنوك كهدف شعبوي سهل وسط حالة من الجيشان إزاء الإصلاحات الصحية، والزيادة المستمرة في قتلى الجيش الأمريكي في أفغانستان.

بفصل الحقائق عن دوامة الأمور، فإن هنالك إجماعاً متزايداً بين المصرفيين، والمحللين المستقلين على جانبي الأطلسي، على أن إرشادات مجموعة العشرين لن تحدث سوى تغيير ضئيل فيما يتعلق بمكافآت المصرفيين.

إن الابتكار المهم الوحيد الذي سيظهر من مجموعة العشرين يتعلق «بالمخالب الارتدادية» التي تسمح للبنوك باستعادة المكافآت المدفوعة سابقاً إذا فشلت النشاطات التداولية في وقت لاحق. وكانت هذه الإجراءات موجودة لدى بعض البنوك، مثل بنك كرديت سويس، قبل الأزمة، ولكن من المتوقع الآن أن يكون لدى جميع البنوك الرئيسية نوع من النظام المتعلق بهذا الأمر حين يتم منح العلاوات السنوية في أوائل العام المقبل. وقد أدخل عدد من البنوك، بما فيها بنك مورجان ستانلي، وUBS، وبنك سيتي، نظام «المخالب الارتدادية» بالفعل.

أما الإصلاح الكبير الأخير الذي تم الدفع به في قمة بيسبيرج، أي الدعوة إلى توزيع ما يراوح بين 40 و60 في المائة من علاوات المصرفيين على ثلاث سنوات على الأقل، فليس فيه من جديد. ونجد أن لدى بنك جولدمان ساكس بالفعل المبادئ الأشد بخصوص التعويضات بين مؤسسات وال ستريت، حيث لا يسمح بمنح معظم العلاوات «المضمونة» إلا في ظروف استثنائية، كما أنه لا يقر من الناحية القانونية بضمانات السنوات المتعددة.

مضى بنك كريديت سويس خلال الفترة الأخيرة إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث ربط نسبة عالية من العلاوات بأداء تجمع من الموجودات السامة التي من الصعب تقييمها، واضعاً بذلك قيوداً على العلاوات لمدة سبع سنوات.

غير أنه حتى الإرشادات المتواضعة التي تم الاتفاق حولها من قبل مجموعة العشرين يمكن أن تثبت أنها صعبة التطبيق. وقد ظهر خلال الأسبوع التالي لقمة مجموعة العشرين أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كان يفسر نسبة 40 و60 في المائة على أساس أنها «مثال»، وليس وصفة، حول كيفية هيكلة المكافآت. وكما لاحظ أحد المسؤولين التنفيذيين في وال ستريت، بشيء من الراحة المتسترة «يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي وحد ثغرة في قواعد مجموعة العشرين، الأمر الذي يزيد من غيظ المنافسين الأوروبيين الذين يتعرضون لضغوط شديدة من جانب المنظمين الوطنيين لتطبيق روح، ونص، قواعد مجموعة العشرين».

من المفارقات الساخرة أن البنكين اللذين انهارا في وال ستريت، وهما بنك ليمان برذرز، وبنك بيرشتيرنز، كانا مؤمنين بشدة بتأجيل دفع العلاوات. ويقول أحد كبار المصرفيين في بنك باركليز الذي يمتلك الآن عمليات بنك ليمان في الولايات المتحدة «كان البنكان هما اللذان لديهما أشد قواعد المكافآت القائمة على أداء الأسهم، حيث كان يتم توزيع ما يصل إلى 65 في المائة من المكافآت على خمس سنوات. ولا يدلنا ذلك كثيراً على وجود علاقة ارتباط بين برامج التعويضات، ونجاح أو فشل نشاط عملي ما».

إن مثل هذه الملاحظات تمثل دليلاً قاطعاً في أعين النقاد على أن تركيز السياسيين على المكافآت في غير مكانه، إضافة إلى أنه معيب وباعث على الشك في الدوافع.

يتساءل أحد الناطقين باسم بنك جولدمان ساكس:»إن أسهل وسيلة لتدمير هذه الشركة هي عدم الدفع لموظفينا. فلماذا يمكن أن يعتقد أي شخص أن تدمير شركة تدفع ضرائب سنوية بعدة مليارات من الدولارات فكرة جيدة؟».

يفيد هذا التفكير أن صانعي السياسة فقدوا فرصتهم بالفعل لتغيير الطريقة التي يتم بموجبها دفع تعويضات رجال المصارف. وكان كثيرون ينظرون إلى مجموعة العشرين كفرصة فريدة لتحويل التوافق إلى إجراء فعلي. وإذا فشل ذلك، فإن قليلين هم الذين يعتقدون أن المقترحات البديلة، مثل التشريع الوطني، يمكن أن توضع موضع التنفيذ في مثل هذا النشاط العملي المعولم.

قد يكون الأمل الأخير هو الإصلاح من الداخل. وقد قدم كين كوستا، رئيس مجلس إدارة بنك لازارد الاستثماري الدولي، في اليوم ذاته الذي أعلن فيه بنك ساكس عن أرقام أرباحه للربع الثالث من هذا العام، رسالة أمل. وقال أمام جمع محتشد في كنيسة القديسة كاثرين كري في الحي المالي لمدينة لندن، «لقد لاحظت خلال أكثر من 30 عاماً أمضيتها في الحي المالي لمدينة لندن رغبة قوية لدى الكثيرين للعمل الجاد، والحصول على مكافآت جيدة، والمضي إلى الأمام بأقصى سرعة ممكنة. وإن عدم الصبر هذا ليس وصفة جيدة لاقتصاد أو مجتمع سليمين».

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية