الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

يمكن للأحداث الصغيرة أن تلقي الضوء على صورة أكبر. قبل أسبوعين افتتح الرئيس التركي، عبد الله جول، معرضاً للآثار النفيسة العثمانية في باريس. والمعرض يشكل ركيزة جهد يرمي إلى ترويج التراث الثقافي الغني لتركيا. وانضم إلى جول نظيره الفرنسي، نيكولا ساركوزي، الذي وصل وهو يلوك قطعة من العلكة.

لقد رويت لي هذه القصة خلال زيارة إلى إسطنبول. وسمعت أن مضغ ساركوزي العلكة كان كناية عن ازدراء فرنسا لتطلعات تركيا الأوروبية. وقلة الاحترام وسمت طابع غداء عمل جمع الزعيمين في الإليزيه. ووصف الجو بأنه «مهذب»، ونحن نعرف ما يعنيه هذا.

ومما لا شك فيه أن المسؤولين الفرنسيين سيحتجون بأن ساركوزي المعتد بنفسه لم يقصد أي استخفاف. فرئيس الجمهورية الفرنسية لم يُلم أبداً بشكل كامل بالتفاصيل الدبلوماسية. لكن حساسية ضيفه لم تكن مثيرة للدهشة. فقد وضع ساركوزي نفسه في طليعة الزعماء الأوروبيين ـ ومن بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ـ الذين يعارضون من أعماقهم انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

لقد مضى نصف قرن على طرق تركيا باب أوروبا للمرة الأولى في مسعى للانضمام إلى السوق المشتركة. وكان هناك كثير من الطرق المتعرجة المؤدية إلى بدء محادثات الانضمام الرسمية عام 2004. وينبغي القول إن العيب في أغلبية الأحيان يكمن في تركيا. فالانقلابات العسكرية والقمع السياسي لم يساعدا في إثبات الحجة لعضوية النادي الديمقراطي لأوروبا.

كان هذا في السابق. وما زالت تركيا بعيدة عن تلبية الشروط الديمقراطية لعضوية الاتحاد الأوروبي، لكن قلة من الناس يمكن لهم أن يشكوا في أنها أقدمت على خطوات كبيرة في الاتجاه السليم. فالخوف من أن تركيا على مرمى البصر من القيام بما طلب منها هو الذي جعل ساركوزي والآخرين يرفضون الصفقة الأصلية. ويقول ساركوزي إن قبول تركيا يمكن أن «يضعف» الاتحاد. وما يعنيه فعلاً أن أوروبا لا تريد الـ 77 مليون مسلم المختلفين عن بقية الأوروبيين.

والأمر الذي لا يثير الدهشة أن الطبقات السياسية في تركيا قد نفد صبرها. فهي ليست مهتمة بـ «الشراكة المتميزة» التي تعرض بديلا عن عضوية الاتحاد الأوروبي. وحكومة رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء، قررت أن تنظر شرقاً.

والآن تركيا ترسخ نفسها وسيطا مهما وصانعة سلام في الشرق الأوسط. وهي تعالج العلاقات المضطربة مع جيرانها. وتجد الاحترام الذي تلقاه في العواصم العربية أكثر إثارة للبهجة من الصدود الذي اعتادت عليه في أوروبا.

وحدد أردوغان الاستراتيجية هذا الأسبوع في الاجتماع الافتتاحي لمنتدى إسطنبول الذي استضافه مركز الاتصال الاستراتيجي التركي، ودعمه صندوق مارشال الألماني التابع للولايات المتحدة. قال أردوغان إن الحكومة ستواصل متابعة مهمتها الأوروبية، لكنها لا تنوي التصرف كمتوسل عاجز. فتركيا، بدلاً من ذلك، تقوم بدور يتوافق مع قوتها المتزايدة بسرعة، عند مفترق الطرق الاستراتيجي بين الشرق والغرب.

وحققت الاستراتيجية نجاحاً كبيراً. فقبل بضع سنوات حشدت تركيا عشرات الآلاف من الجنود على حدودها مع سورية بسبب دعم ذلك البلد للانفصاليين الأكراد من حزب العمال الكردي. واليوم أفضى الانفراج بينهما إلى فتح الحدود للانتقال بينهما دون تأشيرة سفر. وكان هناك تقارب مع الحكومة العراقية، ومحاولة للتوصل إلى تفاهم مع الأقلية الكردية. والعلاقات التجارية والاقتصادية مع الدول الخليجية تنمو بسرعة. وقال لي أحد المشاركين في المنتدى إن تركيا تعرف أين توجد الأموال.

وفي القوقاز توصلت الحكومة إلى اتفاقية مع أرمينيا، وهي اتفاقية يمكن لها بشيء من الحظ والجهد أن تنهي قرناً من العداء المتبادل. والعلاقات مع روسيا ودية، ومع اليونان مستقرة.

وفي تجاهل للقلق في العواصم الغربية، انخرطت تركيا مع حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني الذي ترعاه إيران. وفي الأسبوع المقبل من المقرر أن يكون أردوغان في طهران، في الوقت الذي تقوم فيه تركيا بدور الوسيط بين إيران والغرب. وعندما تسأل مسؤولين أتراكاً رفيعي المستوى عن الحكمة من بعض هذه العلاقات يشيرون إلى باراك أوباما. ألم يقترح استبدال يد ممدودة بقبضة شديدة؟ وعلى تركيا أن تتعامل مع المنطقة كما هي، حسبما قال لي أحد مستشاري أردوغان.

على الجانب الآخر من المشهد، أدى الاجتياح الإسرائيلي لغزة إلى قطع في العلاقة القائمة منذ زمن طويل مع إسرائيل. فأردوغان يرى أن تسوية إسرائيلية ـ فلسطينية شرط أساسي للاستقرار الاستراتيجي في باحة تركيا الخلفية، لكنه توصل إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية ليس لديها أي اهتمام بعقد صفقة.

وليس الجميع سعداء بالتحول نحو الشرق. فأولئك الذين حملوا منذ فترة طويلة الشعلة الأوروبية يرون الصفة الإسلامية لإدارة أردوغان تهديداً خطيراً للتسوية العلمانية التي تركها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة. وهم قلقون من أن رئيس الوزراء ووزراءه يبدون مرتاحين مع القادة المستبدين أكثر من ارتياحهم مع قادة أوروبا الديمقراطيين.

ويقول النقاد إن التركيز والطاقة المكرسين لبناء نفوذ تركيا في الشرق الأوسط كانا على حساب الإصلاحات لتقوية الصفة الديمقراطية والعلمانية للدولة التركية. ويشيرون إلى القيود على حرية الحديث وفرض العادات الاجتماعية الإسلامية. وتقف حكومة أردوغان متهمة بفرض غرامة بعدة مليارات من الدولارات على مجموعة دوغان، وهي الشركة الإعلامية الأبرز في البلاد، في حملة لتكميم أفواه المعارضة.

ويُسمع الانزعاج أيضاً بين شركاء تركيا في حلف الناتو. فإقامة السلام مع الأعداء القدامى شيء - فقد لعبت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية دوراً محورياً في الاتفاق مع أرمينيا. لكن احتضان ممثلين إقليميين ما زالوا ملتزمين بالعنف، يخاطر بأخذ تركيا إلى ما يتجاوز سياسة معقولة إزاء الجيران الطيبين.

وربما يكون الأمر كذلك، لكن الغرب أخذ يفقد نفوذه. والقوة الأمريكية تجد تحدياً لها في أنحاء الشرق الأوسط كافة. وتبدو أوروبا عاقدة العزم على الخروج عن السياق. وما زالت تركيا أردوغان تريد أن تكون جزءاً من أوروبا. وحول كل تحّد – من الطاقة إلى الإرهاب والمخدرات والهجرة والتجارة والاستثمار – فإن لأوروبا مصلحة ثابتة في رعاية تركيا ديمقراطية ذات وجهة غربية. وأمنها هو أمن الغرب، لكن ساركوزي وأمثاله لا يرون شيئاً أكثر من التشبث بالماضي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية