كشفت جولة قام بها وفد من مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة وعدد من رجال الأعمال على مرافق ميناء جدة الإسلامي أمس، رافقتهم «الاقتصادية» فيها، أن هناك فجوة كبيرة بين العاملين في الميناء والتجار، فبين اتهامات وخطابات مشتعلة من التجار تفيد بتعطيل الميناء لبضائعهم نتيجة التأخر في فسحها أو تأخر وقت المواعيد، وبين ردود من مسؤولي الميناء وإدارة الجمارك تحيل التهم إلى عواتق التجار والمقاولين العاملين في الميناء، فيما اتضح أن القصور متبادل ولا يمكن إخلاء مسؤولية أي من الجانبين.
ويتجلى قصور الميناء في طاقته الاستيعابية المحدودة في العمل مع الحاويات في الوقت الحالي التي لا تمكنه سوى إفساح 3.5 مليون حاوية سنوياً، وهو الأمر الذي دفع به لإيقاف أربعة خطوط ملاحية، حيث تم منعها من تصدير أي بضائع إلى ميناء جدة خاصة فيما يتعلق ببضائع « الترانزيت»، وذلك حتى يتم اكتمال التجهيزات الخاصة بمحطات الحاويات التي يعمل الميناء على إنشائها أو توسعتها في الوقت الراهن ليصل حجم إمكانية الإفساح السنوي إلى سبعة ملايين حاوية، خاصة أن المبالغ المنفقة على التطوير للمرافق فاقت ثمانية مليارات ريال خلال السنوات الماضية القريبة.
خميس السعدي من مكة المكرمة
بالرغم من تلك الطاقة الاستيعابية واعتراف مسؤولو الميناء بقصورهم، إلا أنهم أشركوا التجار في المسؤولية معهم في تأخر الفسح للبضائع والتكدس للحاويات فيه، حيث أتهم الميناء التجار بعدم تعاونهم، واستغلال البعض منهم اللوائح والأنظمة التي تجيز بقاء حاوياتهم على أراضيه بالرغم من إفساحها وهي على متن السفن القادمة فيها من بلد التصدير.
وقال مسؤولون في الميناء خلال الجولة إن هناك دراسة فعلية لتحويل ميناء جدة فقط للحاويات بعد تشغيل ميناء الليث، مؤكدين أن هناك دراسة حول هذا الأمر، وهي تشمل نقل المهام الأخرى من ميناء جدة بخلاف الحاويات لميناء الليث لما يشكل موقعه من بعد استراتيجي للمنطقة، الذي في حال تشغيله سيسهم في رفع مستوى النشاط التجاري في محافظة الليث ومناطق الساحل الغربي، إضافة إلى تخفيف الضغط على ميناء جدة الإسلامي الذي يعتبر أحد أكبر الموانئ في المملكة.
وكشف ساهر طحلاوي مدير عام ميناء جدة الإسلامي أن نحو ثمانية مليارات ريال تم إنفاقها خلال السنوات الماضية القريبة من أجل تحديث البنية التحتية للميناء، وذلك حتى يتم الاتجاه وتحويل الميناء من التقليدي إلى ميناء للحاويات، مشيراً إلى أن الميناء أضاف خلال الأشهر الستة الماضية نحو 16 ونشا للحاويات إضافة إلى الموجود من السابق المقدرة بنحو 27 ونشا، وهو الأمر الذي سيزيد من قدرة الميناء ويؤهله لمناولة سبعة ملايين حاوية في السنة عوضاً عما هو عليه الأمر الآن، إذ إن الميناء في الوقت الحالي لا يتجاوز مناولة نحو 3.5 مليون حاوية سنوياً.
وتابع طحلاوي «لقد تم خلال العام الماضي إنفاق نحو نصف مليار ريال لتحسين وتطوير شبكة الكهرباء في الميناء، كما أنه تم أخيرا توقيع عقد بنحو141 مليون ريال لإنشاء ثلاث محطات كهرباء جديدة احتياطية تكون على أهبة الاستعداد للتشغيل في أي ظرف طارئ، وأن المحطات المزمع إنشاؤها ستعمل الطاقة الرئيسية نفسها للمحطات الكهربائية الموجودة بالميناء، وأن عملها لن يكون في وقت الحاجة عملا للطوارئ فقط».
وأفصح طحلاوي عن أن الأسبوع المقبل سيشهد طرح مناقصة مشروع إنشاء مواقف السيارات المتعددة الطوابق داخل الميناء، بحيث ستكون المواقف عبارة عن خمسة طوابق إضافة إلى السطح، والمشروع سيقام على مساحة 80 ألف متر مربع، مبيناً أن المشروع الذي سيتم إنجازه خلال ثلاثة أعوام بحد أقصى تبلغ تكلفته نحو 350 مليون ريال، مؤكداً أن المشروع سيوفر مساحة 400 ألف متر مربع من أراضي الميناء كانت تستخدم كمواقف لسيارات الوكلاء، وسيتم إعطاء المساحات التي ستتوفر لمصلحة محطات الحاويات لخلق أماكن جديدة للحاويات وللتخزين وغيره.
وأوضح طحلاوي أن طاقة الميناء المحدودة في العمل مع الحاويات في الوقت الحالي دفعت بهم لإيقاف أربعة خطوط ملاحية، حيث تم منعها من تصدير أي بضائع إلى ميناء جدة خاصة فيما يتعلق ببضائع «الترانزيت»، وذلك حتى يتم اكتمال التجهيزات الخاصة بمحطات الحاويات التي يعمل الميناء على إنشائها أو توسعتها في الوقت الراهن، مبيناً أن هناك ثلاث محطات إحداها سيتم إنشاؤها وستستوعب مليوني حاوية، وستتم توسعة أحد المواقع بثلاثة أرصفة إضافية، وإضافة رصيفين في المحطة الجنوبية وإعادة تأهيل المحطة، متوقعاً أن يتم الانتهاء من إنجاز المشاريع خلال ستة أشهر كحد أدنى، وعام كحد أقصى.
وأبان طحلاوي أن ميناء جدة في الوقت الحالي يعمل على مناولة نحو 50 مليون طن من البضائع سنويا، ونحو خمسة ملايين طن من الحبوب السائبة سنويا، ونحو أربعة ملايين رأس من المواشي سنوياً، كما أن الميناء يعمل مع جميع البرادات في المملكة التي تأتي موارد أغلبيتها عبره، مردفاً أن الميناء عند تصميمه كانت طاقته بالشكل التقليدي، إلا أن الحال اختلف في الوقت الحالي من حيث حجم السفن ونوع البضاعة ونوع المعدات المستخدمة.
ودعا طحلاوي التجار للتخلص من تكدس الحاويات في الميناء وإلى التعاون مع الإدارة في الميناء من خلال المسارعة بطلب تسلم البضاعة، مؤكدا أن نحو 40 – 50 في المائة من البضائع الواردة إلى الميناء يتم طلب تفتيشها أو فسحها في اليوم الخامس من وصول البضاعة، مشيراً إلى أن هناك فجوة بين التجار وإدارة الميناء فيما يتعلق بالتنسيق، خاصة من قبل التجار الذين لا يقومون باستيراد بضائعهم قبل وقت رواجها في الأسواق بوقت كاف، وقبل أن تحين فترات الذروة التي تشتد فيها عمليات التوريد.
وقال طحلاوي إننا بالأمس (ويقصد الأحد الماضي)، تمكنا في المحطة الشمالية للميناء من فسح 1600 حاوية، وفي المحطة الجنوبية 1200 حاوية، ونحو 400 حاوية في محطة الوسط»، مشيراً إلى أن متوسط الإفساح اليومي للحاويات يصل إلى نحو 3500 حاوية، واصفاً الأمر بأنه من الصعوبة أن يتمكنوا من مواكبة جميع تلك الأعمال خاصة في مواسم الإجازات والأعياد التي لا تتوقف فيها حركة السفن في الميناء في ظل غياب التاجر عن تسلم بضائعه، والمخلص عن أداء مهامه، وهو الأمر الذي يتسبب في إرباك حركة تسليم الحاويات مع بداية أيام العمل الرسمي بعد الإجازات والعطلات الرسمية.
وجزم طحلاوي بأن أقصى حد لإعطاء المواعيد في الميناء لا يتجاوز يومين أو ثلاثة، ما عدا المحطة الشمالية التي تشهد ضغطا كبيرا في أعمالها، مشدداً على أن المواعيد لم تصل إلى الشهور وهي بلغت بحد أقصى ما بين 9 و10 أيام، وأن المواعيد في الوقت الحالي وخاصة بعد إجازة عيد الفطر تراوح مدتها بين يومين وثلاثة أيام، متوقعا أن الأسبوع المقبل سيشهد انخفاضا في الضغط على المواعيد وسيصبح الموعد يمنح في اليوم الثاني من طلبه، لافتا إلى أن الميناء فيه في الوقت الحالي أكثر من ثمانية آلاف حاوية جاهزة للفسح إلا أن مستورديها لم يحضروا لفسحها النهائي.
وقال طحلاوي للتجار الذين شكوا من تلفيات بعض بضائعهم بسبب خصوصية الحمولة فيها «إن لدينا في الميناء مواقع خاصة لإنزال البضائع الخاصة التي قد يحتوي بعض منها أو جميعها على مواد قابلة للكسر أو التلف نتيجة سوء التفريغ والتعبئة عند تفتيش الحاوية، ولذلك على المخلص الجمركي أن يبلغنا عند تقدمه لطلب فسح البضاعة عن وجود مثل هذه المواد في الحاويات، حيث إن الميناء لا يعلم ماذا في داخل الحاوية تحديداً، وأن البيان المرفق مع الحمولة يحمل صفة العمومية، كما أن لمندوب التاجر أن يحضر ويعاين عمليات التفريغ للتفتيش والتعبئة وتحديد الموعد المناسب لذلك». وزاد طحلاوي أن الجمارك في الميناء لا تفرغ سوى 10 في المائة من حجم البضائع الواردة إليه يدوياً، وأن بقية الحاويات تخضع في تفتيشها للفحص الإشعاعي الذي بدوره يجعل من الحاوية مقفلة كما قدمت من بلد التصدير»، حيث إن نحو 70 في المائة من الحاويات تصل إلى التاجر المستورد مغلقة كما قدمت من بلد التصدير.
وعن الرسوم التي يتقاضها المقاولون في الميناء نتيجة تفريغ الحاويات وزيادة مبلغ التفريغ عند عدم وجود البضائع على الطبليات، أفاد طحلاوي أن الأمر يعود إلى العمل باللائحة التي تنص على زيادة الرسم للتفريغ للبضائع التي لا تفرغ بالوسائل الميكانيكية، مفصحاً عن أن هناك قضايا بين الميناء والمقاولين مقامة أمام ديوان المظالم في جدة، وينتظر أن يفصل فيها بشكل تام، مبيناً أن لائحة الأجور المعتمدة من الأصل وتسمح للمقاول بالعمل تفيد بأن المقاول لا يتحصل من الميناء على أي رسوم، وأنه يعد شريكا في الإيراد، وهو الأمر الذي لا يمكن التعديل فيه حالياً حتى يتم الفصل فيها، إذ إن المشكلات تدور رحاها منذ خمسة أعوام مضت، وأن الميناء شكل لجنة استمرت أعمالها ثلاثة أعوام للوصول إلى حلول، إلا أن أعمالها باءت بالفشل.
وأوضح سليمان التويجري مدير عام جمرك ميناء جدة الإسلامي، أن الميناء يحاول جاهدا من خلال المشاريع التي يعمل على إنشائها أن يتمكن من مواكبة احتياجات وتوجهات السوق، إلا أنه وجه أصابع الاتهام إلى وكلاء السيارات والموردين لها الذين يتم فسح بضاعتهم وهي على متون السفن أثناء مغادرتها بلد التصدير، حيث إن السيارات التي تفد من بلاد التصدير قادمة إلى الوكلاء يبلغ عددها أكثر من 500 ألف سيارة سنويا، مؤكداً أن إدارة الجمرك تسمح لهم بأن يغادروا بمركباتهم بوابة الميناء فور وصول السفن التي هي قادمة على متنها، مستدركا بالقول «ولكن لعدم تجاوب وكلاء السيارات مع الميناء والإدارات العاملة فيه، ومحاولة استغلالهم التسهيلات الموجودة في النظام الذي بدوره يجيز لهم أن تبقى مركباتهم على أراضي الميناء لمدة سبعة أيام، فإننا مجبرون على إحداث مشاريع جديدة قادرة على مواكبة الاحتياج كما هو الحال في إنشاء مشروع مواقف السيارات متعدد الطوابق، الذي لو كان هناك تجاوب من قبل الوكلاء لما كانت الحاجة تدعو إليه».
وأردف التويجري: في يوم عيد الفطر المبارك وبالرغم من أن الموظفين في إدارة الجمارك يعملون بكامل طاقتهم، إلا أننا لم نستطع فسح أي حاوية، حيث بلغ المخزون في الميناء أكثر من 20 ألف حاوية، لم يطالب بفسحها أي من ملاكها، وهو الأمر الذي يجبر الميناء على التأخير نظير ارتفاع المخزون وعدم مواءمته لطاقة العمل في الميناء».
ولفت التويجري إلى أن أجهزة الفحص الإشعاعي للحاويات تخضع الحاويات الصالحة بضائعها، التي قد تكون في الغالب من الحاويات ذات الحمولة من الصنف الواحد للفحص، مفيداً أن آلية العمل على تفتيش حاويات الموبيليات تتم عن طريق تفريغ وتفتيش الحاوية يدويا من أصل كل أربع أو خمس حاويات. وأبان التويجري أنه ليس هناك أي إمكانية لجلب العمالة الخاصة به من الخارج لتفريغ حمولة حاويته ومن ثم إعادة تعبئتها، بينما له الحق في المطالبة بأن تكون عملية التفريغ والتعبئة بحضور التاجر نفسه أو وكيله، بدلا من الاعتماد على المخلص الجمركي، واعدا التجار أن الحاويات التي تفرغ تعاد تعبئتها في اليوم نفسه، مقترحا على التجار بأن يستحدثوا في مرافقهم أقساما لمتابعة تفريع الحاويات وتعبئتها، وذلك حتى يكون هناك إشراف كلي على البضاعة لضمان عدم وجود تلفيات.
وأقر التويجري بأن الخامات المستوردة يجب ألا تكون دلالة المنشأ مطبوعة على المنتج، بل تكون على الغلاف المباشر للخامة، مؤكدا أن لديهم اعتبارات خاصة للمصانع على أن تكون المادة قادمة للتصنيع وليس للتسويق على المصانع الأخرى، موضحاً أنهم يكشفون كثيراً عن التجاوزات في كثير من البضائع القادمة من بلد التصدير، حيث إن أغلبية تلك التجاوزات تكون في أما محاكاة العلامات التجارية وإما عدم مطابقتها للمواصفات والمقاييس، نافياً أن يكون هناك أي إعفاءات للتجار من الإجراءات الجمركية وأن الجميع تخضع حاوياتهم للتفتيش.
ودعا التويجري الغرف التجارية إلى تبني إنشاء شركات تعمل على إقامة مواقع ومستودعات خارج الميناء الرسمي، وتعمل تلك المواقع على تجميع جميع البضائع المنتهية فسوحاتها من الميناء على أن يتسلمها التاجر بعد ذلك من خلال الشركات التي ستديرها.
وأبان طلال مرزا رئيس الغرفة التجارية والصناعية في مكة المكرمة، أن الزيارة والجولة التي تم الاطلاع من خلالها على مرافق الميناء لم يكن هدفها تقديم الشكوى، بالقدر الذي يهدف من خلاله الوفد لإيصال رسالة العاملين في الميناء والجهود المبذولة إلى القطاع الخاص.
من جهتهم، أكد عاملون في المختبرات الخاصة في جمرك ميناء جدة الإسلامي، أنه تم الكشف خلال الأشهر الخمسة الماضية عن نحو 14 ألف إطار مركبة تالف تم استيرادها بغرض بيعها وتوزيعها في السوق المحلية، مبينين أن ما بين 2 و15 من أصل الإطارات التي تحول إليهم شهريا لفحصها لا تجتاز عمليات الفحص وتثبت فشلها، حيث إن إدارة الجمرك حولت إليهم خلال الأشهر العشرة الماضية أكثر من 30 ألف إطار.
وأبان العاملون في المختبرات أن من أبرز ما يتم الكشف عنه من البضائع المغشوشة يتمثل في ارتفاع نسبة الميثانول في العطور ووجود كميات من الرصاص في معاجين الأسنان ووجود الجراثيم في كريمات وبودرة التجميل.
وذكر طلال بن عبد الوهاب مرزا رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة، أن الجولة التي قام بها أعضاء مجلس إدارة الغرفة وعدد من رجال الأعمال جاءت بعد عقد عديد من الاجتماعات مع اللجان، لفهم احتياجات رجال الأعمال، وتسهيل مهماتهم التجارية، وتم التباحث معهم لعرض أبرز همومهم على المسؤولين في ميناء جدة الإسلامي، وأيضا للوقوف على العمل ميدانيا ونقل الصورة كاملة لرجال الأعمال في مكة، مبيناً أن مسؤولي الجمارك مكنوهم من الاطلاع على كافة المهام التي يقومون بتنفيذها، وكان العمل يتم بشكل دقيق جدا، يعكس مدى الرقي في أداء الخدمة في ميناء جدة الإسلامي. وتابع «أكد لنا المسؤولون فيها أنهم مع تسهيل إجراءات رجال الأعمال، لكنهم في الوقت ذاته طالبوا بضرورة أن يتولى التجار مسؤولياتهم من خلال متابعة بضاعتهم في الوقت المحدد فور وصولها وتسلمها كي لا تبقي عبئا على الميناء، كما أن للتاجر حق متابعة بضائعه في الميناء لحين تسلمها.
وأوضح مرزا أن ما تمت مشاهدته سينقل لرجال الأعمال الذي يتحملون مسؤوليات جساما أمام الالتزام بما يجب عليهم، كون العمل تكامليا وواجبا على الجميع تنفيذه وفق الأسس والأنظمة المتبعة.



