الجمعة, 14 أغسطس 2026|29 صَفَر 1448
الاقتصادية

في صورة معبرة عن تملّل العالم من إفرازات الأزمات المالية المتعافية على الولايات المتحدة، تناقلت وسائل الإعلام خلال هذه الأيام حدثاً اقتصاديا بارزاً، اهتز له الدولار وانخفض سعره أمام العملات الدولية الأخرى، وهو أن دولاً كبرى كروسيا والصين واليابان وفرنسا وبعضا من الدول المنتجة للنفط منخرطة في محادثات شبه سريه بشأن «خطة استبدال الدولار» في المعاملات النفطية. ومهما يكن مدى صحة هذه التقارير التي نشرتها صحيفة «إندبندنت» البريطانية، وجاء بعنوان «مصرع الدولار»، (..أن دولاً عربية دشنت خطوات سرية بالتعاون مع الصين وروسيا وفرنسا والبرازيل لوقف استخدام العملة الأمريكية لتجارة النفط)، فإن بعض المصارف المركزية كانت قد أشارت منذ بدء الأزمة المالية العالمية إلى أن الدولار الأمريكي يجب أن يُستبدل بمخزون عالمي جديد من العملات يدار بمؤسسات عالمية. ومن هذه المنطلقات، وجدنا أنه لابد أن نسلط الضوء في هذا المقال على تداعيات تلك التوجهات على هذه العملة التي حازت ثقة عالمية عالية على مدى نحو نصف قرن، ومدى استمراريتها في النظام العالمي الجديد. لا بد أن نشير إلى أن وزراء مالية خليجيين وبعض محافظي البنوك المركزية نفوا بشدة هذه الأنباء التي نشرتها «إندبندنت». لكن حديثنا عن الدولار ووضعه في الأزمة المالية العالمية.

يعتبر الدولار عبر السنين القاعدة الصلبة للازدهار الاقتصادي في الولايات المتحدة ومصدر الثقة العالمية العالية في الاقتصاد الأمريكي. هذان العاملان المهمان هما السر وراء قوة الدولار وتبوئه أهم مركزاً عالمياً بين العملات الدولية. فالاقتصاد الأمريكي قائم على طبع مئات المليارات من العملة المعروفة بالدولارات، والتي لا تعتمد على أي غطاء كالذهب أو الفضة أو على أي من الاحتياطيات النقدية أو المعدنية المتعارف عليها منذ فك ارتباط الدولار عن الذهب في قمة بريتنوود في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وأصبح الدولار يعتمد وبطريقة غير مباشرة على الثقة الدولية بالاقتصاد الأمريكي، والتي بدورها، أي هذه الثقة العالمية، جعلت من الدولار العملة المستخدمة في التجارة الدولية وحتى في المعاملات الداخلية لكثير من البلدان وذلك من جراء ربط صرف العملة الداخلية لكثير من البلدان بالدولار. وإكمالاً لدائرة قوة ومركزية الدولار التراكمية، فالدولار الذي تستخدمه أمريكا والدول الأخرى كعملة في التجارة الدولية، تتم على ضوئه إعادة تحويل المنتجات والسلع والثروات إلى احتياطيات مالية بالدولار حجمها يتجاوز ثمانية تريليونات دولار، وموظفة بشكل كبير في استثمارات في الاقتصاد الأمريكي وأسواقه الداخلية في مستندات الخزانة الأمريكية وغيرها من المدّخرات بالدولار كالأسهم الأمريكية والعقارات وما شابهه. من ذلك نرى أن اعتماد الدولار في التجارة والمعاملات الدولية يحقق لأمريكا دور الخزانة العالمية، التي تطبع الدولارات بغطاء لا تملكه من احتياطيات استثمارية أجنبية، ولكن ما زال يحظى بالقبول العالمي.

المعاملات التجارية والاحتياطي العالمي

وبهذه الأسباب، أي اعتماد الدولار في التعاملات الدولية، وقبول العالم بالدولار الأمريكي كعملة رئيسة في معاملاتها التجارية، فإن أكثر من ثلثي مبادلات العملات العالمية يتم حالياً عبر الدولار، ويتحكم بها الدولار، الذي يمثل ثلثي الاحتياطيات المالية العالمية. مما يجعل من الولايات المتحدة البنك المركزي الدولي، وشيكاته هي الدولار والتي تتحكم في سعر صرفها الولايات المتحدة. وعلى ضوء تدني سعر صرف الدولار والأزمات المالية المتعاقبة يثور سؤال منطقي ويخصنا نحن بطريقة مباشرة كأكبر دولة منتجة ومصدرة للنفط، وسنحاول الإجابة عنه في هذا المقال وهو مدى الأهمية الاقتصادية العالمية في الاستقلال عن الدولار وتحييده أو حتى إقصائه كعملة وحيدة في التعاملات النفطية.

التخلي عن شعار

«دولار قوي»

على الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال أقوى اقتصاد في العالم وأقوى من الاقتصاد الأوروبي والاقتصاد الياباني، إلا أن الأزمة المالية العالمية والتي كان مصدرها الولايات المتحدة ما زالت تداعياتها سلبية على الاقتصاد الأمريكي وعلى عملتها النقدية، أي الدولار، والتي التزم الساسة الأمريكيون عبر السنين بالحفاظ على قوتها ورفع شعار «دولار قوي»، قد تغير الآونة الأخيرة،. فالدولار الآن يواجه عدة انخفاضات أمام عدد من العملات العالمية، حيث انخفض الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوى له أمام الجنيه الاسترليني، وانخفض إلى أدنى مستوياته على الإطلاق أمام اليورو، واستمر في الانخفاض، وبدأت الشكوك تساور دول العالم الكبرى عن أن الولايات المتحدة قادرة على استعادة قوتها المالية السابقة وتصحيح الخلل في ميزانها التجاري مع العالم وإعادة الثقة باقتصادها وبالتالي بعملتها المتدهورة والتي بدورها تنقص من قدرة الولايات المتحدة على التنافس العالمي.

الخاسر في لعبة «الدولار المريض»

لا ريب في أن الاستمرار على البقاء في استخدام الدولار عالمياً رغم ما تعانيه اقتصاديات أمريكا، يحقق مكاسب لا تحصى للاقتصاد الأمريكي، ولكن يثور تساؤل منطقي وهو مَن الذي يدفع تلك المكاسب؟ أو بمعنى آخر مَن الخاسر الفعلي من جراء تدني سعر صرف الدولار وضعف الاقتصاد الأمريكي؟ والجواب الجلي الواضح: هو في الدرجة الأولى الدول المنتجة والمصدرة للنفط التي تعتمد على الدولار في معاملاتها الاقتصادية والنفطية وما زالت تصر على تمسكها بالدولار رغم الكبوات والحالات السيئة التي يمر بها الدولار والاقتصاد الأمريكي.

فالتجارة الدولية في بضائع مثل النفط والمعادن والمحاصيل تتم بالدولار الذي لا يعتمد على أي غطاء أو احتياطي، بل إن اعتماد الدولار في التجارة الدولية وبالأخص التعاملات النفطية يحقق لأمريكا ودولارها تغطية احتياطية من نفط دول الأوبك التي لا تملكه الحكومة الأمريكية ويحقق لها دور الخزانة العالمية أو البنك المركزي للعالم. وعليه فإن أمريكا تطبع عملات تحظى بقبول وثقة العالم وتلتزم بالدفع مقابل هذه العملات، ولكن وفي الآونة الأخيرة، بسعر هي تقرره. وبهذه الأسباب، أي اعتماد الدولار في التعاملات النفطية وقبول أو تمسك الدول المنتجة للنفط بالدولار الأمريكي كعملة رئيسة في معاملاتها النفطية على الرغم من التراجعات التي مني بها الاقتصاد الأمريكي والعملة الأمريكية في الآونة الأخيرة مقابل العملات العالمية الأخرى، تجعل من أمريكا في الواقع الآمر والناهي والمقرر لأسعار النفط القائمة على الدولار والذي تتم إعادته، أي تحويل «الدولارات النفطية»، من دول الأوبك إلى أمريكا في شكل استثمارات في الولايات المتحدة.

وفي ظل زيادة الطلب العالمي على النفط ودخول مستهلكين دوليين جدد يفوق استهلاكهم استهلاك الولايات المتحدة كالصين والهند، ارتفعت أسعار النفط العالمية المقيمة بالدولار، ولكن تراجع الدولار المستمر وتدنيه مقابل العملات الأخرى، أديا في حقيقة الأمر إلى تدهور أسعار النفط وعوائده على مالكي هذه السلعة الاستراتيجية الناضبة نظراً لارتباطه بالدولار.

#2#

الخطوات المستقبلية والتدرج من الدولار إلى الدويورو إلى اليورو

إن من أهم صفات الاقتصاد الدولي البراجماتية ومسايرة الواقع وعدم القفز فوق المعطيات الدولية. وعدم معاداة أمريكا بوجه الخصوص. ولكن في الوقت نفسه يجب أن نكون واعين على أن النفط هو المحرك الرئيس في الصناعة الحديثة، ويعد حاليا أهم المحركات في اقتصاديات الدول. من هنا طرح موضوع استراتيجية تسعيرية للنفط وإحياء مشروع سلة العملات أو ببساطة البدائل المتاحة للتسعيرة كاليورو أو لسلة من العملات، والذي يجب أن يكون مستنداً إلى واقع النفط نفسه ويكون تعاملنا معه بقدر كبير من التبصر والدراية والحكمة والاستقلالية وذلك للتعرف على متغيراته ولاستيعاب معطياته، ومن البدهي ونحن نملك أكبر احتياطي في العالم أو ربع الاحتياطي العالمي المؤكد، يقدر بـ 261 مليار برميل، ويملك ثالت أكبر احتياطي غاز في الشرق الأوسط يقدر بـ 231 trillion cubic feet وأكبر منتج ومصدر للنفط، فإن التسعيرة النفطية والقرارات التي تتخذ في شؤون النفط هي قرارات يجب أن يكون مضمونها يتناسب مع المنفعة الاقتصادية والاجتماعية لنا كدولة منتجة مع تعظيم دالة النمو الاقتصادي تحت المحددات المعروفة للمصدرين في تأمين حقهم من السوق ومكانتهم في الاحتياطي النفطي والعالمي وفائدته من العملية الإنتاجية التي يقوم بها تحت ظروف المحددات الجيولوجية والاقتصادية للاحتياطيات النفطية.

فالإحصائيات توضح أن السوق النفطية العالمية تواجه مستهلكين دوليين جدداً ربما يفوق استهلاكهم الولايات المتحدة. كالصين والهند إضافة إلى اليابان وكوريا والدول الأوروبية.

لذا فالقرارات المتعلقة بالنفط وتسعيرته يجب ألا تنصب فقط على قرارات تتمخض عن ردود أفعال أو عن نتائج السوق العالمية التنافسية التي تتحكم فيها الظروف العالمية من حرب أو سلم أو نمو أو ركود اقتصادي أو مما تتحكم فيها الدول الصناعية الكبرى المستهلكة للنفط سواء أكان ذلك بالنية أم بالنتيجة كتذبذب سعر صرف الدولار أو كالأزمة المالية الحالية، وعليه فمن الواجب علينا تمييز هذه الثروة وعائداتها عن مثلا الإنتاج الزراعي المتجدد أو الصناعي القائم على أساس تراكمي. وربما يتساءل أحدنا، وهو محق في ذلك، أنه إذا اتبعنا هذا المنظور الشمولي للنفط مع الأخذ بالتزاماتنا الدولية كأكبر دولة منتجة ومصدرة للنفط فلربما ينتج عنه تعارض في مصالح طرفي المعادلة المنتج والمستهلك؟ ولكنه معروف أن التعارض قائم وأزلي لا يمكن إزالته في سوق المزادات الاقتصادية والسياسية التي تتبعها الدول العظمى مع باقي دول العالم صغيرة وكبيرة. ولكن من الممكن تخفيض حدته وذلك بالتنسيق مع الدول الكبرى التي تعاني مشكلات ناجمة عن ارتباطها بالدولار وبالاقتصاد الأمريكي. ويتطلب الواقع الحالي من الدول المنتجة والمصدرة للنفط جميعاً التعاون على المستوى الدولي مع الدول الأخرى كروسيا والصين واليابان والاتحاد الأوروبي وباقي دول العالم بالتعامل مع الدولار بواقعية وبعمل اقتصادي عقلاني وذي نظرة استراتيجية تسعيرية واضحة بدلا من المصادمات مع هذا أو ذاك. ولربما استراتيجية عقلانية باستبدال الدولار بمخزون عالمي جديد من سلة من العملات وتدار بواسطة صندوق النقد الدولي.

هل ثمة عواقب وخيمة؟

والتاريخ يوضح لنا أن الانفراد بالمواقف ولو كانت صحيحة ممكن أن تنتج عواقب وخيمة. ومما لا شك فيه أن إقدام صدام حسين في الربع الأخير من عام 2000م على وقف التعامل بالدولار الأمريكي في التجارة الخارجية واعتماد اليورو اعتبارا من الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2000م، كان خطوة سياسية خطيرة، إلا أن مردودها الاقتصادي كان إيجابياً وملموساً فلقد حسّنت موارد العراق بفضل ارتفاع قيمة اليورو مقابل الدولار.

لقد كان اعتماد العراق عملة «اليورو» الأوروبية في تعاملاته النفطية الدولية أبلغ الأثر في الاقتصاديات الخاصة بأوضاع الطاقة والنفط العالمية لا يضاهيه في الحدث التاريخي إلا موجة تأميم النفط في منتصف الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي. ولكن هيهات أن يستمر ذلك الحدث الذي يعد الأعظم وسلاحا فعالا وخطيرا في القضاء على هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي. فلقد قامت سلطات الاحتلال الأمريكية بإيقاف تعاملات العراق النفطية باليورو في الأسواق العالمية والعودة بها إلى الدولار في الأسبوع الأول من الغزو وبعد الاستيلاء المباشر على منابع النفط العراقي وبدأ التمثيل بكوفي عنان الذي وافق على قرار العراق باعتماد اليورو بدل الدولار عام 2000م وتلبيسه التهم في اتفاقية النفط بدل الغذاء والدواء.

إن التجربة العراقية التي بدأت في أواخر عام 2000م لجديرة بالدراسة والتمعن والتكيس من الوجهة الاقتصادية البحتة والنظر في مدى الحاجة الآن إلى اعتماد الدول المنتجة والمصدرة للبترول كمجموعة بـ «اليورو» كعملة بديلة في التعاملات النفطية عن الدولار الذي لا يزال مستمراً في تدني قيمته. فمن الوجهة الاقتصادية البحتة، فالعراق خسر من الموارد النفطية الكثير من المليارات منذ أعيد قسراً إلى حظيرة الدولار.

وبالرغم أن تغيير الدولار بسلة من العملات العالمية يعني بداية نهاية الهيمنة الاقتصادية الأمريكية على العالم، ولربما يتسبب في استمرار ضعف اقتصادها داخلياً. إلا أن الواقع يوضح أن استيرادات دول الاتحاد الأوروبي والصين واليابان والهند أكثر أضعاف المرات من استيرادات الولايات المتحدة، ونسبة استيرادات دول منطقة الشرق الأوسط من دول الاتحاد الأوروبي والصين واليابان والهند يعادل أضعاف أضعاف استيراداتها من أمريكا. وموضوع تأمين تجهيزات الطاقة يحتل المرتبة الأولى في أولويات الأمن الأوروبي والصين والهند. إن دخول مستهلكين دوليين جدد على الساحة الدولية جعل مستوى استهلاك الولايات المتحدة في المرتبة الرابعة أو الخامسة دولياً.

إن الاستمرار في التعامل بالدولار في المعاملات النفطية وتدني أسعاره يلغي هامش المردود الفعلي لمصدري النفط، كما أن تزايد حاجات دول الاقتصادات الجديدة في شرق أوروبا للطاقة، وتعاظم استهلاك الصين والهند للنفط، يطرح على صانعي القرار، موقفاً مغايراً تماماً عما كان في الماضي. وإن أول خطوة في الاستقلال عن الدولار في التسعيرة النفطية هو البدء الفوري في إزالة عقبة التقنية أمام اعتماد سلة من العملات كتسعيرة للنفط في سوق النفط العالمية البديلة والعمل على تأسيس مؤشر للعملات العالمية اليورو «foreign Currency marker» للمتاجرة بالنفط، في بورصة نفطية شرق أوسطية، حيث إن مؤشرات النفط العالمية الثلاثة «ويست تكساس»، و»برنت»، و»دبي» قائمة على الدولار Dollar Marker فقط. وعليه فيستحسن بالتدرج أولا في تنويع محافظنا العالمية بعملات غير الدولار، ومن ثم البدء في اعتماد العملات العالمية في الصادرات النفطية، ومن ثم نلتفت للصادرات النفطية إلى أوربا باعتماد «اليورو» ويلحق بها اليابان «بالين»، مع الإبقاء على الدولار لبقية أنحاء العالم والبدء في إنشاء «بورصة الشرق الأوسط للنفط» واستقطاب الخبرات الفنية والاقتصادية العالمية للعمل فيها واعتماد بعض العملات العالمية في تعاملاتها، إلى أن يتم إيجاد سلة من العملات أو عملة تعتمد على مخزون عالمي جديد من العملات يدار بمؤسسات عالمية.

استراتيجي وخبير في شؤون النفط

[email protected]

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية