الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

احتفت المكتبة الوطنية الإسبانية الليلة الماضية بالعرض الخاص لأحدث أفلام المخرج الإسباني أليخاندرو أمينابار تحت عنوان ( أجورا) عن حياة الفيلسوفة والفلكية وعالمة الرياضيات اليونانية (هيباتي ) التي عاشت في مصر، وتحديدا في مدينة الإسكندرية القديمة في القرن الرابع الميلادي إبان دخول المسيحية الى الإمبراطورية الرومانية. ويأتي عرض الفيلم الذي بلغت ميزانيته 73 مليون دولار قبل ثلاثة أيام من عرضه الجماهيري في 470 دار عرض بإسبانيا، تكريما لمدينة الإسكندرية القديمة التي تميزت بعلمائها ومكتباتها وفلاسفتها ومحاورات مثقفيها، قبل حلول عصور التعصب الديني التي أطفأت شعلتها المتوهجة على ضفاف البحر المتوسط. وتتناول أحداث الفيلم الذي تم تصويره في مالطا، دور التعصب الديني والتطرف في خلق دوامات، لا يمكن وقفها من العنف الاجتماعي، وهو ما يمكن اعتباره إسقاطا على فترات زمنية في الماضي والحاضر. وعلي مدي 144 دقيقة يقدم المخرج الاسباني ملحمة بصرية مكتملة العناصر توحي بقوة العمل وأهميته منذ الدقائق الأولي حيث يستعرض في مشاهد تمثيلية قوة الأداء الذي يميز حتي المجاميع الكبيرة التي تعطي إحساسا بالمهابة والجدية، فضلا عن عناصر الموسيقي التصويرية التي تستحضر أجواء وروح عصر بأكمله. الشخصية الرئيسية للفيلم هي هيباتي الفيلسوفة والأستاذة التي عاشت في الإسكندرية والتي امتلكت مقدرة عقلية وشغفا عارما بالرياضيات والفلك، وقد شغف بها رجلان، أحدهما "عبد" يعمل في خدمتها اسمه "دافوس" والثاني "أورستس" وهو طالب من طلابها، ولكن العالمة الفيلسوفة تهب حياتها وعاطفتها للعلم والفلسفة والبحث العلمي. والفيلم في محاولته لاستحضار عصر بأكمله يتوقف عند أهم سماته الفكرية والفلسفية، ويجنح في اتجاه السياسة ويفسح المجال للأحاديث والمونولوجات السياسية المطولة.. فالعبد الذي عشق هيباتيا العالمة يتوق إلي التحرر الروحي من خلال اعتناقه الديانة المسيحية الناهضة، والي التحرر من العبودية، رغم الصراع الدموي .. أما الطالب "أورستس" فيتخلى عن الوثنية ويتحول إلي المسيحية، وذلك في فترة صعود السياسات الرومانية وازدهار الامبراطورية. وطوال الفيلم نجد أن أصحاب الديانة الجديدة في شغفهم لبسط سطوتهم مشغولون بالمذابح وسفك الدماء أكثر من نصرة الجانب الروحي للدين، بينما الشخصية الوحيدة المؤمنة بمبادئها والمتسقة مع قضيتها هي شخصية هيباتيا التي أوشكت أن تصل إلي حقيقة أن الأرض تدور حول الشمس قبل أن يصل إليها العالم الفلكي جوناس كيبلر بما يقرب من 1200 سنة، ولهذا يقودها تمسكها بأفكارها ومبادئها إلى قدرها المحتوم ولكن تظل أفكارها حية إلى الآن. يقول المخرج أمينابار "اعتبر فيلمي تكريما لكل هؤلاء الذين نظروا في السماء، ثم تساءلوا وتوصلوا لإجابات لأسئلتهم، هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون لهذا العمل، إنه تكريم لهؤلاء الذين يستخدمون العقل بدلا من السيف .. لأنه عندما يحين حديث السيوف، يكون الأبطال هم من لا يستخدمونها". وعن اختلاف نهاية الفيلم عن الواقع يقول أمينابار "قررت وضع نهاية مأسوية، ولكن أقل عنفا مما تعرضت له هيباتيا في الواقع، ففي الواقع كانت نهايتها دموية مريعة، بينما في الفيلم، اخترنا أن يكون مصيرها الرجم بالحجارة، في إشارة إلى استمرار هذا التقليد العنيف ..". ومن المعروف أن الفيلسوفة هيباتيا ولدت في الإسكندرية حوالي عام 380م واغتيلت في مارس عام 415م، وهي عالمة رياضيات ومنطق وفلك، عرفت بدفاعها عن "مبدأ العلم ضد الكنيسة" ويقال أنه في أحد أيام مارس، وفي موسم الصوم الكبير تم قطع طريق عربتها وهي في طريقها إلى المنزل، حيث قامت مجموعة من الغوغاء المتطرفين المسيحيين، يحتمل أنهم رهبان نطرونيون ألقوها أرضا وجردوها، وجروها في الشوارع وصولا إلى (السيزاريوم) والذي تم تحويله دينيا وقتئذ إلى كنيسة، حيث قتلت بوحشية رغم طلبها الرحمة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية