ربما كان جون مينارد كينز إلى حد ما قاسياً أكثر مما يجب. فقد قال إننا في الأسواق المالية ''نكرس ذكاءنا في سبيل استباق الأمور التي يتوقع الرأي المتوسط العادي أن يكون عليه الرأي المتوسط العادي''. هذا الأسبوع، في اختلاف بسيط عن المعيار الكينزي، سعت أسواق العملات إلى استباق الأمور التي يتوقع الرأي المتوسط العادي أن يكون عليه رأي أهل الخبرة. كان الجنيه الاسترليني الموضوع المفضل للثرثرة في السوق. تراجع الاسترليني أمام اليورو إلى أدنى مستوى منذ خمسة أشهر، ووصل سعر اليورو إلى 0.92 جنيه. وهبط بصورة حادة أمام الدولار والين، ووصل إلى ما دون 1.60 دولار و144 يناً. المتداولون نسبوا التغيرات الحادة إلى تعليقات صادرة عن ميرفين كينج، محافظ البنك المركزي البريطاني، ذكر فيها أن ضعف الاسترليني يمكن أن يساعد في تقليص العجز التجاري.
قياساً بالتعليقات الاقتصادية، ملاحظات كينج عادية تماماً ولا يختلف عليها أحد. مع ذلك بدا المتداولون المنهَكون في العملات وكأنهم أصيبوا بصدمة، وقد صُدِموا لأن كينج كان ''في الواقع يفضل ضعف الاسترليني''. تعليقات كينج (وُصِف كينج بأنه ''يلعب بالنار'') ربما تكون بالفعل قد عملت على تحريك الأسواق. لكن هذا برهان آخر على مبدأ كينز أكثر من كونه بصيرة بسياسة البنك، وهي سياسة لم تتغير.
الذين لا يكسبون رزقهم من التداول في العملات، ماذا ينبغي أن يكون رأيهم في تراجع الاسترليني؟ ربما يكون ذلك نبأً سيئاً بالنسبة للبريطانيين التواقين إلى شراء مسكن صيفي في فرنسا، أو تأمين دراسة أبنائهم في إحدى الجامعات الراقية في الولايات المتحدة. لكن بالنسبة للاقتصاد البريطاني ككل، فإن تراجع الاسترليني هو حل وليس مشكلة. التداعيات المتفرعة من الأزمة تقضي بتقليص الاختلالات العالمية غير القابلة للاستدامة. لكن إذا كانت البلدان التي تعاني من العجز، مثل بريطانيا، ستصبح أقل تبذيراً، وإذا كانت البلدان ذات الفائض ستعمل على توسيع الإنفاق ولو ببضع درجات، فإن أسعار الصرف الحقيقية للبلدان المنفقة سيتعين عليها أن تهبط نسبة إلى البلدان المدخرة. حين يتراجع الاسترليني، فإن هذا سيكون إسهاماً في التعديل المذكور على نحو أسرع وأقل ألماً بكثير من البديل الإيرلندي، وهو تقليص الأجور والأسعار.
بطبيعة الحال ربما يكون ذلك إشارة إلى أن البنك المركزي البريطاني قانع برؤية الاسترليني وهو يتراجع وأنه لا داعي للقلق حول مخاوف المتداولين، وهو ما يساعد هذه العملية أثناء سيرها. الخطر الرئيسي، وهو خطر لا يتجاهله البنك، هو أن يعمل ارتفاع أسعار الواردات على دفع التضخم المحلي إلى أعلى. في الأجل الطويل تعتمد أسعار الصرف ليس على ألعاب التخمين، وإنما على مقادير اقتصادية من قبيل التحديات التي تواجه بريطانيا في مجال المالية العامة، والتضخم، ومعدل النمو المستقبلي نسبة إلى الشركاء التجاريين. إن قانون السعر الواحد (أي أن تكون أسعار البضائع القابلة للمتاجرة واحدة في كل مكان) يوحي بأن سعر الاسترليني بالنسبة إلى الدولار سيظل فوق قيمته الحقيقية، لكن دون سعره الحقيقي بالنسبة لليورو. إن معادل القوة الشرائية هو مبدأ جيد مثل غيره لما ''ينبغي'' أن تكون عليه أسعار الصرف. لكن إذا تحركت هذه الأسعار نحو المعادل بأي شكل من الأشكال، فإنها تفعل ذلك بوتيرة يمكن أن تحتاج إلى بضعة عقود للوصول إلى ذلك الهدف.
في هذه الأثناء فإن الأمور التي يتوقع الرأي المتوسط العادي نفسه أن يكون عليها هي أفضل تقديراتنا حول الوجهة التي ستذهب إليها الأسواق.