الملك عبد العزيز.. التعليم أولاً

قام الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - يرحمه الله - بتوحيد المملكة بعد ملحمة البطولة التي قادها على مدى 32 عاماً بعد استرداده لمدينة الرياض عاصمة ملك أجداده وآبائه في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ الموافق 15 كانون الثاني (يناير) 1902م. وفي 17 جمادى الأولى 1351هـ صدر مرسوم ملكي بتوحيد كل أجزاء الدولة السعودية الحديثة تحت اسم المملكة العربية السعودية، واختار الملك عبد العزيز يوم الخميس الموافق 21 جمادى الأولى من العام نفسه الموافق 23 أيلول (سبتمبر) 1932م يوماً لإعلان قيام المملكة العربية السعودية. فهذه الإنجازات كانت تدل على شجاعته وإصراره على إعادة ملك آبائه وأجداده وفكره التنويري الوقاد التي أكدتها خطواته وإنجازاته الضخمة بعد التوحيد. #2# الفكر التربوي والتعليمي للمؤسس لم تكن إنجازات الملك عبد العزيز مقتصرة على الفتوحات والإنجازات بل حرص على إرساء قواعد حكيمة وتأسيس المؤسسات الحكومية لكي ينعم شعبه والمقيمون فيه برغد العيش وسط جو من الأمن والأمان مستمداً دستورها ومنهاجها من كتاب الله الكريم وسنة نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فبدل جهلها علماً وعقول أبنائها تنويرا وحرصا على نهل العلم من جميع مصادره. ومن ضمن أهم الإنجازات التي حققها الملك عبد العزيز، تلك التي شهدها المجال التعليمي الذي دل على فكره التربوي التعليمي. وقد عقد الملك عبد العزيز أول اجتماع تعليمي في المملكة في جمادى الأولى عام 1343هـ، حث فيه العلماء على نشر العلم والتعلم وتنظيم التوسع فيه. وقد اختار الملك عبد العزيز وكما يقول كتاب «الملك عبد العزيز والتعليم» لمؤلفيه عبد الله أبو راس وبدر الدين أديب، المديريات لتنظيم جهازه الحكومي عندما بدأ في تأسيسه بعد دخوله الحجاز. ولقد أدخل الملك مديريات لم تكن معروفة من قبل، ولكنه، لحرصه على الاستفادة من كل الإمكانات المتاحة، أعاد تجديد وتشكيل مديرية المعارف، ووضع لها أهدافا ونظما جديدة تجعل بدايتها في عهده بداية جديدة تماما لا تكاد ترتبط بتاريخها السابق، بل تتميز عنه تماما بهدفين أساسين أولهما هدف تعميم التعليم ونشره في أنحاء البلاد، وثانيهما هدف إقامة النظام التعليمي المتكامل، وهما أمران يمثلان أفكارا جديدة، ومساهمة تاريخية حاسمة من مساهمات الملك المؤسس. #3# وتقول دراسة أعدتها مجموعة من الطلاب تحت إشراف الدكتور عبد الله الزيد إن مديرية المعارف في عهد الملك عبد العزيز تستحق دراسات مستقلة تجمع ما تناثر من وثائقها وتعطينا صورة زمنية مفصلة عن مراحل تطورها ودور قياداتها في إنجازاتها وتتابع ظهور المراحل والأنواع التعليمية.وعند دخول الملك عبد العزيز الحجاز اتجه مباشرة إلى بدء دعوة تعليمية جديدة من خلال اجتماعاته بالعلماء ومن خلال اهتمامه بإعادة تنظيم التدريس في المسجد الحرام وإلى اهتمامه بدعم وتشجيع المدارس الأهلية القائمة ولكن يجب ملاحظة أن تأسيس مديرية المعارف الذي صدر به المرسوم الملكي في الثالث من رمضان 1344هـ قد سبق حتى صدور التعليمات الأساسية في 21/2/1345هـ، وهي التعليمات التي وضعت الذرة الأولى لنظام الحكم والإدارة، واختارت نظام المديريات المتخصصة للنهوض بمختلف فروع الخدمات والإنتاج ما يؤكد حرصه الكبير على التعليم والتعلم. البذرة الأولى ويعد هذا التاريخ، أي 3 رمضان 1344هـ تاريخ غرس البذرة، الأولى لنظام التعليم في السعودية. وقد تركزت صلاحيات المديرية في هذه المرحلة المبكرة في الإشراف على جميع المدارس في البلاد، وعندما صدرت التعليمات الأساسية قدمت أول تعريف لأمور المعارف ووضعت النواة الأولى لسياسة التعليم في المملكة. فقد نصت المادة الثالثة والعشرون من «التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية على أن أمور المعارف العمومية هي عبارة عن نشر العلوم والمعارف والصنايع وافتتاح المكاتب والمدارس وحماية المعاهد العلمية، مع فرط الدقة والاعتناء بأصول الدين الحنيف في كافة المملكة الحجازية. ولكن هذه المؤسسة التعليمية الأولى لم تباشر الإشراف على مدارسها الأولى، ولم تفتح أبوابها إلا مع بداية العام التالي، في غرة محرم 1345هـ. دراسة برامج التعليم ومناهجه ولكن اهتمام الملك بتأسيس واستكمال المديرية الناشئة يتواصل فيصدر في العام التالي مباشرة، وبالتحديد في 27 محرم 1346هـ، الأمر الملكي بتأسيس مجلس للمعارف. ويعتبر المجلس جهازا مشرفا ومساندا لأعمال المديرية، فهو يجمع بين الإشراف والنظارة على حالة المدارس، والموافقة على ميزانية المعارف وتعيين وعزل المدرسين ويهتم بدراسة برامج التعليم ومناهجه والموافقة عليها، وانتخاب الكتب الدراسية والسعي لتأليف اللجان لوضعها، ويكلف أساسا بدرس الاقتراحات بتوحيد برامج التعليم في الحجاز وسن الأنظمة للمدارس والمديرين والمعلمين. ونظرا لأهمية هذه الوثيقة المتمثلة في الأمر الملكي الصادر في 27 محرم 1346هـ بنظام مجلس المعارف ولأنها لم تنشر كاملة في موضع آخر فإننا نوردها هنا بنصها الكامل باعتبار المجلس تجربة تربوية تعليمية من تجارب الملك عبد العزيز. لأن هذه الوثيقة تمثل مرحلة تاريخية من تطور التعليم في المملكة وتعتبر سجلا لأول مؤسسة تعليمية للإشراف على التعليم في المملكة. وتعطينا قائمة الصلاحيات المبكرة لمجلس المعارف صورة عن بدايات الاهتمام بسن الأنظمة التعليمية، وبتوحيد التعليم والاهتمام بامتحان المعلمين والعمل على تدريبهم أثناء الخدمة، كما تعطينا فكرة عن الاهتمام بمشكلة اختيار الكتب المدرسية. والتفكير في ترجمة ما يصلح منها ترجمة تجعلها صالحة للبيئة التي تستخدم فيها. ويحسن أيضا لفت النظر إلى هذا النص الخاص بدراسة حالة الكتاتيب وإصلاحها حيث كانت هذه الكتاتيب قاعدة موجودة وهي المصدر الرئيس للتعليم في جميع أنحاء المملكة. وفي الثامن من شهر صفر 1346هـ عين أعضاء المجلس. وقد صاحب تشكيل المجلس النص على أن مهمة المجلس الأولى هي وضع نظام تعليمي في الحجاز، يراعى فيه توحيد التعليم في الحجاز والسعي لجعل التعليم الابتدائي إجباريا ومجانيا، والنص على أن يتكون التعليم من أربع مراحل: تحضيري، ابتدائي، ثانوي وعالي.وهكذا يمكن القول إنه بتحديد صلاحيات ومسؤوليات مجلس المعارف عرفت البلاد، لأول مرة، نظام التعليم بالمعنى الحديث الذي يستهدف توحيد التعليم للمواطنين ويقرر شموليته وتعميمه، كما يضع سلما تعليميا يتدرج فيه الطالب من بداية حياته حتى تأهيله العالي. تحضير البعثات وكلية الشريعة وواصل الملك عبد العزيز إنجازاته في مجال التعليم من خلال إصداره لعدد من الأوامر والقرارات التعليمية ومن ضمنها: - نظام الهجر، الذي بدأ عام 1330هـ، ويهدف إلى توطين البدو في تجمعات بغرض تعليمهم والتأليف بينهم وجمعهم على التعاون في سبيل الخير وترك العصبيات الضارة فكان مشروعاً تعليمياً علمياً فريداً، وكان يبعث لكل هجرة مجموعة من المشايخ والدعاة لهذا الغرض. - تأسيس المعهد العلمي السعودي، وذلك في عام 1345هـ، وكان من أهدافه تخريج معلمين للمدارس الابتدائية وبقي إلى عام 1345هـ حيث حلت محله معاهد إعداد المعلمين. - إنشاء مدرسة تحضير البعثات عام 1356هـ وهي أول مدرسة ثانوية بالمفهوم الحديث وكان الهدف منها تحضير الطلاب للابتعاث خارج المملكة لاستكمال دراساتهم وتم استقدام المعلمين لهذه المدرسة من مصر وغيرها. - إنشاء دار التوحيد في الطائف عام 1364هـ بتوجيه خاص من الملك عبد العزيز وكان الهدف من إنشائها تخريج قضاة للمحاكم الشرعية، وتكفلت الدولة بإعاشة الطلاب وإسكانهم وكل ما يلزمهم. - افتتاح كلية الشريعة عام 1396هـ في مكة المكرمة، وكان الهدف منها تخريج معلمين للمدارس الثانوية وقضاة للمحاكم الشرعية، وفي عام 1373هـ افتتحت كلية مماثلة في الرياض، وكانت هاتان الكليتان نواة التعليم العالي في المملكة. - المعاهد العلمية، وتم افتتاح عدد من المعاهد العلمية على إثر المعهد العلمي السعودي الذي افتتح في مكة من قبل، وافتتح أول معهد علمي في الرياض عام 1370هـ، وكان الهدف من هذه المعاهد التوسع في العلوم الدينية لتكون بديلاً عن الكتاتيب.
إنشرها

أضف تعليق