الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 25 يونيو 2026 | 9 مُحَرَّم 1448
Logo

اسم الكتاب: صعود وهبوط بيرني مادوف

تأليف: إرين آرفيدلوند Erin Arvedlund

ماذا فعل؟ ولماذا فعل ما فعل؟ لماذا أعطاه هذا العدد الكبير من الناس هذه الأموال الطائلة؟ ولماذا أفلت من العدالة كل هذه المدة الطويلة؟ إن كتاب إرين آرفيدلوند عن مادوف لا يقدم إجابة كاملة عن هذه الأسئلة. ولكنه يساعد في صياغتها وتشكيلها.

عناصر التحايل الأساسية مفهومة جيداً، فقد انخرط مادوف في خطة تحايل غير بارعة وبسيطة. فعمليات التداول التي كان يدعي أنها تحقق مجموعة موثوقة، لدرجة تثير الدهشة من العوائد الشهرية لم يكن لها وجود ولم تحدث أبداً، أما الأدلة التي تثبت أنها تمت فقد كانت تفبرك بعد الحدث.

آرفيدلوند غير قادرة على إخبارنا عما إذا كانت هناك أية عملية تداول حقيقية. كما أنه من غير الواضح حجم المبالغ التي تمت سرقتها. ويعتبر رقم 65 مليار دولار رقماً تقديرياً للمبلغ الذي يعتقد الناس أنهم استثمروه مع مادوف لحظة الانهيار. ويتكون ذلك المبلغ من المبالغ الأصلية التي استثمرها الضحايا عنده – والتي ذهب الكثير منها كدفعات لمستثمرين سابقين – والعوائد التراكمية على تلك الاستثمارات، التي كانت موجودة فقط في مخيلة مادوف، وفي التقارير التي كان يصدرها ويوزعها على المستثمرين. وعليه، فإن جزءاً كبيراً من مبلغ الـ 65 مليار دولار لم يكن موجوداً، وجزءاً من المبلغ المتبقي تم صرفه من قبل المستفيدين الأبرياء.

محاولة تحديد أو حصر المبلغ الذي تمت سرقته، تقودنا إلى ما يمكن أن يعتبر أكثر جانب محير في فضيحة مادوف، وهو لماذا فعل فعلته؟ يبدو أنه كان لدى مادوف شركة نظامية ناجحة جداً. وكان أسلوب حياته يتسم بالإسراف، ولكن ليس بصورة استثنائية بمقاييس جبابرة المال المعاصرين. فلماذا لجأ إلى طريق كان لا بد أن يجلب عليه العار ويزج به في السجن؟

أحد الدروس المستفادة من الأحداث الأخيرة، هو أنه يبدو أن ليس هناك حدود لجشع الجشعين. ولكن لعل التفسير لما حدث ببساطة هو التفسير الذي أعطاه مادوف للقاضي الذي حكم عليه، حيث قال له:'' لقد أخطأتُ''.

#2#

وترى آرفيدلوند أن العملية ربما تكون قد بدأت كآلية لتمويل الشركة النظامية التي كان يملكها مادوف. والمشكلة مع أي خطة للتحايل هي أنها ما إن تبدأ، لا يمكن العودة عنها. إن اللصوص الذين يندمون على سرقة البنوك أو يخافون من تبعاتها، يمكن أن يتوقفوا عن السطو على البنوك.

ولكن الطريقة الوحيدة التي يمكن لممارس عمليات التحايل، أن يتجنب بها الانكشاف، هو الاستمرار في جريمته على نطاق متزايد دائماً – أي أن يسرق أو يسطو على بنوك أكبر فأكبر إلى أن يتم ضبطه وإلقاء القبض عليه. وقد ظل مادوف طليقاً حتى سرق بنكاً كبيراً جداً حقاً.

كان يتم إقناع المستثمرين بواسطة بعض الحيل الكلاسيكية التي يستخدمها الذين يستغلون ثقة الناس بهم، لكي يخدعوهم ويتحايلوا عليهم. وكان يمكن تفويت فرصة وحيدة عليه، لو طرحت عليه أسئلة عديدة جداً. لقد كانت العوائد تدفع دون إبطاء- حتى جاء وقت الدفعة الأخيرة التي لم تدفع بالمرة.

من أكثر العناصر المشينة في قصة مادوف هو الدور الذي كان يلعبه الوسطاء، في جلب الأموال لعمل التحايل الذي كانت تتم ممارسته. يتضح من الوصف الذي أوردته المؤلفة آرفيدلوند، أن قليلاً من التنبه كان مطلوباً لكي يشك المرء فيما كان يدعيه مادوف. إن استراتيجية الضربات المنفصلة التي كان يدعي أنه يستخدمها، ليست معقدة جداً في حقيقة الأمر، لكن الرجل الذي كان يجني المليارات من استخدامها، تلعثم عندما طلب منه أن يشرحها.

ويبدو أن المشغلين النموذجيين لصناديق التغذية التابعة لمادوف، هم الذين لهم علاقات واسعة، ولكنهم أفراد مبهمون يعملون في افتراس الأثرياء، ممن ليست لهم علاقات واسعة مع الآخرين. لقد تكرر حدوث هذه الظاهرة، فقد حدثت في مجموعة لويدز في ثمانينيات القرن الماضي، وفي فقاعة الاقتصاد الجديد بعد ذلك بعشر سنوات، وبعدئذ بالنسبة لمادوف في نيويورك وفلوريدا، وأخيراً في أوروبا. لقد آن الأوان منذ وقت طويل لفرض غرامات مدنية وجنائية تكون فيها عبرة للآخرين، وذلك لإشعار مندوبي المبيعات الجهلة بما يدور حولهم، وإن كانوا حسني التهذيب.وهذا يثير السؤال المخجل أكثر من كل الأسئلة الأخرى: وهو أين كانت هيئة الأوراق المالية والبورصة من كل ما جرى؟ فبعيداً عن جوهر الموضوع، فإن الإجراءات التي كانت تتبعها شركة مادوف على مدى عقدين كانت غير قانونية. وكانت المؤسسات الرئيسية في وول ستريت تعرف على مدى سنوات كثيرة، كيف تعمل بعيداً عن مادوف. ومن ناحية فعلية، تم تجاهل هاري ماكروبولوس الذي تولى تنوير هيئة الأوراق المالية والبورصة، بإيجازات مطولة عن أنشطة مادوف في سنوات عدة. أثارت آرفيدلوند نفسها أسئلة مزعجة عن مادوف في مقالة لها في مجلة ''بارونز'' الاستثمارية. ولو أجرت الجهات القائمة على التنظيم تحقيقاً مبدئياً لكشفت عن عملية التحايل.

وترى آرفيدلوند أن هيئة الأوراق المالية والبورصة يعمل فيهما أشخاص يؤشرون على المربعات، تتمثل وظيفتهم في تقييم الإجراءات وليس إثارة التساؤلات. والأهم من ذلك، فإن الجانب السلبي بالنسبة لموظفي هيئة الأوراق المالية والبورصة، والناجم عن إزعاج الشخصيات الثرية والمتنفذة في وول ستريت، كان أكبر من الجانب الإيجابي في كشف عملية تحايل القرن.

وإلى أن يتغير ذلك، لن يكون هناك إلا القليل من الوسائل التي تحول دون ظهور بيرني مادوف آخر.من الواضح أنه تم تأليف الكتاب على عجل، فالبنية ليست ذات تسلسل تاريخي وليس لها فكرة رئيسية، والدليل يعتمد الشائعات، وعلى مصادر من الدرجة الثالثة أو حتى أبعد منها. ولكن القصة غنية بما يكفي لشد القارئ إلى الكتاب. وسيصدر كتاب أفضل من هذا عن مادوف، رغم أن القضية الكاملة ربما لن تعرَف أبداً. غير أن وصف آرفيدلوند الذي يدغدغ القارئ ويسليه، يكفي في الوقت الراهن.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية
مهمة لم تنجز وما زالت غير مفهومة