«أدت إجراءاتنا غير المسبوقة، والحاسمة، والمنسقة إلى المساعدة على وقف التراجع وتعزيز الطلب العالمي''. هكذا ربّت وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية لمجموعة العشرين التي تضم الاقتصادات الأعلى دخلاً، والاقتصادات الناشئة، على ظهور بعضهم بعضا في نهاية الأسبوع. وكانوا على حق في ذلك، فالاستجابة للأزمة كانت أساسية، وناجحة في الوقت ذاته. لكن ما زال من المبكر للغاية إعلان النصر.
أوضح بن برنانكي الذي رشحه الرئيس باراك أوباما، في الآونة الأخيرة، لفترة ثانية رئيسا للاحتياطي الفيدرالي، الأمر في الندوة النقدية التي عقدت هذا العام في جاكسون هول، حين قال: ''من دون هذه الإجراءات السريعة والقوية، كان من المحتمل أن تستمر حالة الهلع التي سادت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في الشدة. وكان من المتوقع فشل مزيد من الشركات المالية. وكان يمكن للنظام المالي العالمي أن يتعرض لخطر شديد. ما نعرفه عن آثار الأزمات المالية يفيد بأن التراجع العالمي الناتج عنها يمكن أن يكون عميقاً وطويلاً بصورة غير عادية''.
#2#
هناك مجموعتان من المفكرين ترفضان وجهة النظر هذه وتجادل إحداهما بأن الاقتصاد في حالة توازن على الدوام. وإذا كانت أرقام البطالة قد انفجرت باتجاه الأعلى، فالسبب الوحيد لذلك هو أن العاملين اختاروا أخذ إجازة بعد الانفجار الداخلي لليمان براذرز. ووجهة النظر البديلة هي أن حالات الركود نتائج طبيعية للتجاوزات. ولا بد للمدانين والأبرياء من أن يعانوا بينما تتم إزالة الأخطاء الماضية.
كان صانعو السياسة على حق في رفض وجهات النظر هذه. فالاقتصادات ليست في حالة دائمة من التوازن. وبينما كانت هناك عمليات تصحيح للتجاوزات في أسعار الموجودات، فإن اتجاهاً تراجعياً لولبياً لم يكن أمراً حتمياً، كما لم يكن من الأمور التي يمكن تحملها.
إن إنقاذ النظام المالي، والتخفيف النقدي الذي لم يسبق له مثيل، والتوسع المالي الذي كان معظمه آلياً، بدلاً من أن يكون حسب الاختيار التقديري، وضعت بالفعل أرضية تحت الاقتصاد العالمي. ويضيف محللو جيه بي مورجان إلى ذلك عنصراً ثانياً، مؤقتاً بصورة أكبر، وهو ''تصحيح من جانب الشركات التي خططت لظروف اقتصادية ومالية أسوأ بكثير في بداية العام بأكثر مما كان قد تم إدراكه''. ونتيجة لذلك، فإنها تتوقع في الوقت الراهن نمواً على أساس سنوي للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4 في المائة في الولايات المتحدة، و3 في المائة في منطقة اليورو خلال الربع الأول من هذا العام.
ربما كان أكثر النجاحات وضوحاً هو تعافي القطاع المالي. وبينما لا بد من الترحيب بهذا الارتداد، فإنه يسبب إحراجاً، إذ عاد الممولون إلى وسائلهم المتعلقة بالعوائد المرتفعة، بينما فقد عشرات الملايين من الناس وظائفهم، كما أن الاقتصادات دون التوقعات والإمكانيات بصورة كبيرة، إضافة إلى حالة الانفجار التي يشهدها الدين العام باتجاه الأعلى. وبالتالي ليس هناك سوى قليل من العجب من أن يكون سحق مكافآت التنفيذيين على جداول أعمال الاجتماعات.
تحسنت مؤشرات اجتناب المخاطر كثيراً في الأسواق المالية. وبينما عادت الثقة، حققت أسعار الأسهم ارتداداً إيجابياً، على الرغم من أنها ما زالت أدنى بكثير من الذرى السابقة. واستقر الإنتاج الصناعي على صعيد الاقتصاد الفعلي. ومن المحتمل حدوث ارتداد إيجابي رئيسي بينما تتحول دورة المخزون. وتظهر التوقعات التي يتم الإجماع عليها بالنسبة إلى عام 2010، في الوقت الراهن، تحسناً شهرياً متتابعاً، بينما تقود الصين، والهند الطريق عالمياً، في الوقت الذي تقود فيه الولايات المتحدة، كالمعتاد، البلدان ذات الدخل العالي.
فما الذي يجب عمله الآن؟ كان وزراء مالية مجموعة العشرين على حق في الموافقة على ''الحاجة إلى عملية شفافة، وذات صدقية لسحب دعمنا المالي والنقدي غير العادي، ودعم قطاعنا المالي، بينما يتم التأكد الفعلي من عودة التعافي''. لكن أن تكون لدى المرء خطة ذات صدقية مسألة مختلفة تماماً عن تطبيق ذلك. والحقيقة أن امتلاك خطة ذات صدقية هو الوسيلة لتجنب عكس اتجاه للسياسات قبل الأوان.
كثيرون هم الذين يتخوفون من التضخم. ويقترب الأمر في الوقت الراهن من الهستيريا. والأهم من ذلك أن ذلك الخطر لن يتراجع بفعل سحب مبكر للحافز المالي، بل على العكس من ذلك من شأنه جعل المخاطر أكبر، لأن من المحتمل للغاية أن يشعل جولة أخرى من التدخلات المندفعة. فلماذا لا يوجد سبب رئيسي في الوقت الراهن للتخوف من التضخم؟
أولاً، وقبل كل شيء، لدى الاقتصاد العالمي طاقة فائضة كبرى. ومن الصعب قياس هذا الأمر بدقة، ولا سيما بعد حالات الجيشان الأخيرة. وقدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أحدث توقعاتها الاقتصادية، الفرق بين الإنتاج الفعلي والمحتمل هذا العام بأكثر من 5 في المائة من الناتج المحتمل لدى الدول الأعضاء فيها. ولا بد للنمو في العام المقبل من أن يراوح بين 2 في المائة و3 في المائة لخفض هذه الفجوة. ولن يحدث ذلك حسب أحدث التوقعات التي تلقى إجماعاً عليها.
ثانيا، حتى الديون العامة الثقيلة هي أمر مستدام. ومعدل الفائدة الحقيقي الذي تدفعه الحكومة على دينها العام، مثلا، هو دون 2 في المائة. ولذلك خدمة دين عام صاف يبلغ 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن تكلف 2 في المائة من ذلك الناتج. ومن المضحك الجدل أن ذلك يمكن أن يكون عبئاً لا يمكن دعمه. أكثر من ذلك أنه بالنسبة إلى اقتصاد ينمو بنسبة 4 في المائة سنوياً، بالأسعار الحقيقية (من المؤكد أن الحد الأدنى يمكن أن يتوقع من الولايات المتحدة في الأجل الطويل)، فإن الدين العام الصافي يمكن أن يستقر عند نسبة 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع وجود عجز مالي بنسبة 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه ليست توصية، وإنما هي ملاحظة.
أخيراً، التوسع في ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، بما في ذلك قفزة احتياطيات البنوك التجارية، لن يؤدي سوى إلى توليد التضخم بمجرد أن يبدأ الإقراض والإنفاق في الانطلاق. غير أن هذه بالضبط هي الظروف التي ستكون هي الأسهل على الاحتياطي الفيدرالي لسحب السيولة الفائضة. والواقع أن ذلك يمكن أن يستغرق وقتاً طويلاً للغاية، لكن الاحتياطي الفيدرالي ليس مضطراً إلى فعل ذلك.
افترض الآن أنه بدلاً من أن تحافظ السلطات على هدوئها، فإن حالة من الخوف ستدفعها إلى تشدد نقدي ومالي سابق لأوانه. وفي ظل الهشاشة الشديدة للقطاع الخاص، من شأن ذلك التسبب في تراجع اقتصادي آخر. وستكون النتيجة الحتمية جولة أخرى من الإجراءات المالية والنقدية الطارئة. إن هذا الأمر أساسي: الإجراءات النقدية والمالية الاستثنائية لم تكن هي المصدر الرئيسي للخطر، بل ضعف الاقتصاد الخاص هو في صلب أسباب ذلك. أما إجراءات السياسات فهي نتيجة.
من شأن كل هذه الأمور جعل تنفيذ ''استراتيجيات خروج'' مسألة خاضعة للتقدير المختار بعناية. ويكاد يكون في حكم المؤكد ارتكاب أخطاء. لكن من الواضح تماماً ما الذي يجب أن تكون عليه العناصر الرئيسية: بنوك مركزية ذات استقلال يتسم بالصدقية، والتزام ذو صدقية بالمسؤولية المالية في الأجل الطويل، وإعادة التوازن إلى الطلب العالمي بعيداً عن الاعتماد على البلدان المعروفة ذات الإنفاق العالي.
هل سيكون هذا الأمر سهلاً؟ من المؤكد أنه لن يكون كذلك. هل يمكن حتى أن يتم؟ أخشى ألا يحدث. غير أن صانعي السياسة منحونا، على الأقل، فرصة مناقشة الخروج من الأزمة. وهذا يمثل نجاحاً. ونحن الآن بحاجة إلى تأسيس تعاف عالمي قوي على ذلك.


