الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

تتطور السياسة العراقية مثل مراهق متغير الهرمونات. خذ مثلا الأسابيع الماضية. فقد انتعش التمرد وبلغ ذروته في سلسلة من الهجمات الجريئة الدموية في قلب بغداد. وقلب هذا حظوظ رئيس الوزراء، نوري المالكي، رأسا على عقب. فبعد أن كان مرشحا من المرجح فوزه في الانتخابات المقبلة، والرجل الذي يفترض أن يروض الإرهابيين يبدو الآن كأنه سيصبح من الماضي. ويصطف المنافسون للتغلب عليه وبدأت التحالفات القديمة بالتفكك. وكل ما يعرفه العراقيون على وجه اليقين هو أنهم وصلوا إلى نقطة تحول أخرى في تاريخهم المليء بالاضطرابات في فترة ما بعد الغزو.

والمفاجأة الكبرى، كما يقول تقرير لصحيفة «الإيكونومست»، هي انقسام المؤسسة السياسية الشيعية. فالأغلبية الشيعية الذين تم قمعهم في عهد صدام حسين، استولوا على السلطة خلال الانتخابات الحرة الأولى وصمدوا على الرغم من الأزمات التي لا تنتهي. واستفادت حكومتهم من الوحدة الطائفية، التي حافظوا عليها من خلال الترهيب والمساومات. ولكن في الرابع والعشرين من آب (أغسطس)، تخلى الحزب الشيعي الرئيسي، المجلس الإسلامي الأعلى في العراق، وبعض حلفائه عن المالكي، وهو شيعي أيضا. وشكلوا قائمة جديدة، هي التحالف الوطني العراقي، الذي سينافس حزب الدعوة في الانتخابات الوطنية المقررة في كانون الثاني (يناير).

وكان الحافز الذي دفعهم إلى ذلك هو تفجيرات بغداد الأخيرة التي دمرت وزارتي الخارجية والمالية، وتسببت في مقتل ما لا يقل عن 95 شخصا. وقد نصب المالكي نفسه باعتباره الضامن لإنشاء عراق آمن ومستقر، مدعيا أنه واجه المسلحين وصد الإيرانيين وأرسل الأمريكيين إلى ثكناتهم. وقد أكسبه هذا شعبية كبيرة خلال العام الماضي. وكان يعتقد أن إعادة انتخابه أمر مؤكد، بعد أن كان شخصية سياسية مجهولة قبل أربع سنوات. ولكن خلال الأسبوع قبل الماضي، عرض التلفزيون العراقي مرارا وتكرارا لقطات لشاحنة تقترب من وزارة الخارجية وتنفجر. ويسمي العراقيون هذا شريط «9/11» الخاص بهم. وخلال أيام معدودة، خسر المالكي دعم تحالفه.

إلا أن شيوخ الشيعة لم يحبوه أبدا ولم يثقوا به. وقد أوصلوه إلى السلطة عام 2006 لأنهم لم يتمكنوا من الاتفاق على شخص منهم. وكانوا يأملون أن يكون ضعيفا سهل القيادة؛ وبدلا من ذلك حصلوا على قائد جريء ولكن متهور. وكانت الفترة التي أعقبت تفجير وزارة الخارجية فرصة نادرة لتقزيم المالكي، مما لم يترك لديه خيارا آخر سوى شطب نفسه من القائمة.

وهكذا أعلن المالكي عن خطة لتشكيل تحالف متعدد الطوائف، مستفيدا بذلك من المأزق الذي وجد نفسه فيه. وبعد إبعاد الأكراد والسنة على مدى السنوات الثلاث الماضية، يحاول الآن اجتذابهم. فقد التقى أخيرا بشيوخ العشائر من محافظة الأنبار، الذين أيدوا في البداية التمرد المناهض للشيعة؛ وقال أيضا للأكراد الذين كانوا معرضين للاضطهاد إنه «يشعر بآلامهم».

ومع ذلك، ليس لدى المالكي فرصة كبيرة للاحتفاظ برئاسة الوزراء العام المقبل. وقد كان أداء حزبه جيدا في انتخابات المحافظات في كانون الثاني (يناير)، ولكن حتى مع ذلك سجل معدلا وطنيا يبلغ 15 في المائة فقط. وعزاؤه أن الأحزاب التي تشكل الآن التحالف الوطني العراقي فازت بنسبة 17 في المائة فقط. والتحالف الجديد مموّل جيدا ولكنه يعاني عدم وجود قائد واضح. ويقول المنتقدون إنه ليس أكثر من مجرد أداة لبارونات الحزب الطموحين، الذين يمقت معظمهم بعضهم بعضا. ويتوق إبراهيم الجعفري، رئيس الوزراء السابق، للعودة للمنصب. فقد قال: «إذا كان الشعب العراقي يريد ذلك، فلن أخذلهم». ولكن يقف في طريقه عادل عبد المهدي، نائب الرئيس الحالي. ولكنه تضرر من جراء سرقة سبعة ملايين دولار من أحد المصارف تورط فيها بعض حراسه الأمنيين. وقد يكون أحمد الجلبي مرشحا توفيقيا، الذي يعد الحليف الغامض السابق لوزارة الدفاع الأمريكية والمقرّب الآن من إيران، أو قاسم داود، المستشار السابق في شؤون الأمن القومي الذي يحبه الأمريكيون ورجال الدين على حد سواء. وقد انتقد داود علانية رئيس الوزراء بسبب قراره بإزالة الجدران الأسمنتية في بغداد قبل أيام من الهجوم الأخير.

ولا تزال هناك فرصة كي يتصالح حزب الدعوة للمالكي والتحالف الوطني العراقي، إلا أن الفجوة تبدو عميقة. ويصر المالكي على أنه المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء. وقد يسمح له هذا، إذا تم انتخابه، بتعزيز موقف حزب الدعوة والتفوق على الأحزاب الطائفية الأكثر تشددا. وأفضل فرصة أمام المالكي الآن هي قمع التمرد السني مرة أخرى وكسب التأييد الشعبي ثانية. وكخطوة أولى، استبدل مدير الاستخبارات وبث اعتراف العقل المدبر المزعوم وراء تفجيرات السفارة.

إلا أن هناك حاجة لأكثر من هذا بكثير. فقد اهتز العراقيون بسبب تجدد العنف. وفي بغداد، الشوارع شبه خالية فيما تغلق المحال التجارية في وقت مبكر. ولم يتمكن أي من الأحزاب السياسية حتى الآن من معرفة كيفية تهدئة مخاوف الشعب. هل يجب عليها التحول إلى السياسية الطائفية المجربة، أم إظهار القيادة عن طريق التخلص منها تماما؟ والحزب الذي سيجد الإجابة عن هذا السؤال سيفوز على الأرجح في الانتخابات المقبلة ويسيطر على العراق بعد خروج الأمريكيين. ولكن في الوقت الراهن، كل شيء في تغير مستمر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية