دأب الاحتياطي الفيدرالي على مدى عقود كثيرة، وبخاصة في الأزمة المالية الراهنة، على استخدام ميزانيته العمومية ليكون مقرض الملاذ الأخير التقليدي. غير أن قدرته على القيام بذلك تعتمد على صدقيته الاقتصادية وعلى استقلاله السياسي، وهما صفتان تنازل الاحتياطي الفيدرالي عن جزء منهما في هذه الأزمة.
وعندما تفاقمت الأزمة في نهاية عام 2007، أوجد الاحتياطي الفيدرالي تسهيلات سيولة جديدة استفاد من بعضها متلقون جدد كالبنوك الاستثمارية والشركات التي تصدر الأوراق التجارية أو السندات. إضافة إلى ذلك، قدم الاحتياطي الفيدرالي قروض ''إنقاذ'' استثنائية، تجنباً لفشل المؤسسات التي تشكل أهمية بالنسبة للنظام – قرض بدون حق الرجوع قيمته 30 مليار دولار ومليار دولار قابلة للحسم من الوعاء الضريبي، لتمكين بنك جيه بي مورغان تشيز من الاستحواذ على بنك بير شتيرنز، وأوجد تسهيلات ائتمانية بمبلغ 85 مليار دولار تقدم على سنتين لشركة التأمين الأمريكية AIG. وقام الاحتياطي الفيدرالي أيضاً، بالاشتراك مع وزارة الخزانة والمؤسسة الاحتياطية الفيدرالية لضمان الودائع، بضمان خسائر قدرها 424 مليار دولار نشأت عن فئات الموجودات الرديئة لبنك سيتي جروب وبانك أوف أميركا.لقد كان لهذه الإجراءات أثر كبير في الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي . ففي حزيران (يونيو) 2008، زادت موجوداته الإجمالية إلى أكثر من 2000 مليار دولار، مقارنة بـ 852 ملياراً في 2006، وكانت نسبة 29 في المائة فقط من هذه الموجودات سندات خزانة، مقارنة بـ 91 في المائة في عام 2006. وفي العادة تكون القروض التقليدية المقدمة من مقرض الملاذ الأخير مضمونة بدرجة كافية لمنع الخطر الأخلاقي بالنسبة للمقترضين وتقليل الخطر بالنسبة للبنك المركزي. لكن كفاية ضمان مراكز الاحتياطي الفيدرالي الجديدة هذه غير واضحة.هذه الإجراءات لم تزد الخطر الذي يمكن أن يتعرض له الاحتياطي الفيدرالي فحسب، بل إن نقص سندات الخزانة أعاق قدرة الاحتياطي الفيدرالي على القيام بمهمته المركزية، وهي السياسة المالية. ومن أجل مواجهة الأثر التضخمي المحتمل لتوسعه في الائتمان، طلب الاحتياطي الفيدرالي أن تقوم وزارة الخزانة ببيع الإصدارات الخاصة من السندات بموجب برنامج التمويل الإضافي – ولم يكن ذلك بهدف جمع الأموال، بل جزءاً من سلوك السياسة النقدية. وفي الثالث من حزيران (يونيو) 2009، كان حساب التمويل الإضافي 200 مليار دولار، مقارنة بـ 475 مليار دولار لدى وزارة الخزانة، ما يدل على أن هذه الوزارة أصبحت لاعباً مهماً في السياسة النقدية.
واستند جزء كبير من القروض الطارئة التي قدمها الاحتياطي الفيدرالي إلى المادة 13 (3) من قانون بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يسمح للبنك في ''الظروف غير العادية والملحة'' بأن يقرض ''أية شركة فردية أو شركة عادية مقابل سندات مؤمنة بصورة ترضي بنك الاحتياطي الفيدرالي''. وشكك رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق، بول فولكر الذي يعمل الآن رئيساً للمجلس الاستشاري للتعافي الاقتصادي التابع للرئيس، كما شكك أعضاء في الكونغرس ممن لم يكونوا راضين عن إنقاذ البنوك، في صلاحية الاحتياطي الفيدرالي بموجب المادة المذكورة في تقديم جزء كبير من القروض.
وبعيداً تماماً عن المشكلة القانونية، فإن تحمل الاحتياطي الفيدرالي لخطر الائتمان عبر الإقراض دون الحصول على ضمانات كافية يمكن أن يؤثر في استقلاليته من خلال جعله أكثر اعتماداً على وزارة الخزانة، كي تدعمه في سلوك السياسة النقدية، على النحو الذي اتضح في تسهيلات التمويل الإضافية، وتعريض قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تمويل عملياته للخطر، الأمر الذي يقتضي منه أن يطلب من الحكومة أن تدعم ميزانيته، وتلطيخ صدقيته المالية إذا لحقت به خسائر كبيرة، وجعله بصورة عامة أكثر عرضة للضغوط السياسية.
بناء على هذه المخاوف، أوصت لجنة تنظيم أسواق رأس المال بضرورة تحويل القروض الحالية التي قدمها الاحتياطي الفيدرالي للقطاع الخاص من دون ضمانات كافية إلى الميزانية الاتحادية. وفي حين أن البنك لا يمكن أن يتعرض للإفلاس، فإن أية خسائر تلحق بالاحتياطي الفيدرالي يتحملها في النهاية دافعو الضرائب الأمريكيون وينبغي أن تعتبر مباشرة وبشفافية أجزاء من الميزانية الاتحادية. وللسبب نفسه مستقبلاً، ينبغي أن تكون وزارة الخزانة وحدها المسؤولة عن القروض التي تقدم بضمانات غير كافية.
لكن بدلاً من تعزيز استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، كما يفعل مقترحنا، يوصي مشروع الإصلاح الذي تقدمت به إدارة أوباما بأن يتطلب تعديل المادة 13 (3) الحصول على موافقة خطية من وزارة الخزانة على أي تمديد للائتمان تفرضه الحالات الطارئة. ومن شأن هذا أن يكون توسعة مذهلة لسلطة وزارة الخزانة على استخدام الاحتياطي الفيدرالي لتسهيلات السيولة في الأوضاع التقليدية لمقرض الملاذ الأخير – أي حيث وجد ضمان كاف. وبدلاً من ذلك، فإن خطوط الصلاحية ينبغي أن تكون واضحة. وينبغي أن يكون لدى الاحتياطي الفيدرالي صلاحية الإقراض مقابل ضمانات كافية في الحالات الطارئة. ولا ينبغي أن تكون له أية صلاحية حتى بموافقة وزارة الخزانة، لتقديم القروض مقابل ضمانات غير كافية.إن الاحتياطي الفيدرالي في حاجة إلى الصلاحية كي يقرض في الأزمة لتجنب فشل المؤسسات المالية واحدة تلو الأخرى، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى حدوث انهيار اقتصادي كامل. على أن سبب التصرف هذا لا ينبغي أن يعرض صدقية الاحتياطي الفيدرالي واستقلاليته للخطر. وبدلاً من ذلك، يمكن تحقيق هذه الأهداف بإعطاء الاحتياطي الفيدرالي صلاحية كاملة لتقديم القروض مقابل ضمانات جيدة – وهي صلاحية تقليدية لأي بنك مركزي – في حين تترك عمليات الإنقاذ للحكومة. وسيعزز هذا التغيير صدقية الاحتياطي الفيدرالي واستقلاله ويجعل حكومتنا تتحلى بحس مسؤولية أكبر.
هوبارد هو عميد وأستاذ التمويل والاقتصاد في مدرسة كولومبيا للأعمال. وسكوت أستاذ لأنظمة التمويل الدولية في مدرسة الحقوق فيجامعة هارفرد. وثورنتون رئيس مؤسسة بروكنغز، وهو أيضا يتناوب مع هوبارد على رئاسة لجنة تنظيم أسواق رأس المال التي يوجهها سكوت.
