خلال فترة الركود الاقتصادي، اكتسبت بلدان مجلس التعاون الخليجي أهمية جديدة على المسرح العالمي. ثراؤها المتجدد من النفط ضخ قدراً كبيراً وضرورياً من الأموال في الشركات المالية في أمريكا الشمالية وأوروبا، واستمرت أسواقها الاستهلاكية في النمو، بينما أسواق الدول الأخرى تعرضت للتقلص. إنها لحظة فاصلة بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي لينضم إلى دول نامية أخرى مثل الصين والهند واحتلال مكانة بارزة جديدة.
على الرغم من ذلك، يبقى هناك عامل مهم يقيّد آفاق نمو دول مجلس التعاون الخليجي: أنظمتها التعليمية. فبرغم الاستثمار السخي في مجال التعليم على مدار الـ 40 عاماً الماضية، تخلفت المنطقة عن نظرائها الدوليين. كافة دول مجلس التعاون الخليجي تقريباً تشارك إلى حدٍ ما في اختبارات دولية موحدة، مثل الاتجاهات في دراسة الرياضيات والعلوم الدولية، وهي تُصنّف بصورة ثابتة بالقرب من أسفل القائمة.
وهي تتسم بمعدلات فاقد تعليمي (ترك الدراسة قبل الحصول على الشهادة) عالية، خصوصا بين الذكور، وبعدد تسجيل متدن في الدراسة ما بعد المرحلة الثانوية، وبنقص في عدد خريجي العلوم والتكنولوجيا. ونتيجة لذلك تعتمد بكثافة على الوافدين لشغل الوظائف، بينما تبلغ نسبة البطالة بين المواطنين أرقاماً من خانتين.
لماذا قصرت الاستثمارات الحكومية في مجال التعليم عن تحقيق أهدافها؟
المشكلة الأولى هي أن استراتيجيات التعليم لم تكن يوماً مرتبطة بصورة واضحة بأية أهداف اقتصادية، وبالتالي فإن الموارد البشرية اللازمة لم تتوافر بين الخريجين الذين يتم إنتاجهم. وهم يفتقرون خصوصا إلى إتقان اللغة الإنجليزية والمهارات المهنية والتقنية. وهناك أيضاً تواصل ضعيف بين قطاع الأعمال ووزارات العمل ومجموعات المجتمع المحلي، مثل جمعيات الآباء.
ثانياً، لطالما غاص التعليم في قاع البيروقراطية. فإدارات المناهج الدراسية، وجمعيات المعلمين، والمؤسسات المهنية جميعها أثبتت عدم كفاءتها في إحداث أي تغيير. مثلا، لم يتم تأسيس المدارس المهنية لتدريب المواطنين في مجالات مثل السمكرة، والكهرباء، والكمبيوتر، وصناعات النمو، مثل السياحة حتى ما بعد فترة السبعينيات من القرن الماضي، وهي فترة وصل فيها الوافدون فعلياً للتنافس مع خريجي تلك البرامج.
أخيراً، تعاني دول مجلس التعاون الخليجي من نقص حاد في المعلمين المؤهلين. معظم المعلمين هم إما نتاج نظام المنطقة الذي يفتقر إلى الكفاءة، أو جاؤوا من دول عربية أخرى، وبجعبتهم مؤهلات محدودة وكذلك أساليب قديمة الطراز.
إضافة إلى ذلك، مرتبات المعلمين المتدنية وإدارة المدارس غير الفعالة يحولان دون انضمام أشخاص ممتازين وأذكياء إلى المهنة. مثلا، أظهرت دراسة أخيرة حول أجور دول مجلس التعاون الخليجي، أن من بين 16 صناعة تمت دراستها، احتل التعليم المرتبة 14 من حيث الأجور.
لكن هناك مؤشرات على أن النظام يتحرك نحو التغيير. هناك حقيقة تبعث على التشجيع، وهي أن أغلب دول مجلس التعاون الخليجي الآن تشارك في اختبارات دولية موحدة، برغم أنها تتخلف عن نظرائها. وثمة خطط على الطريق للبدء بمتابعة مؤهلات المعلمين ومكافأة المتميزين منهم. كما أن تصميم المناهج الدراسية الآن يركز على الرياضيات والعلوم أكثر من الدراسات الأدبية.
وكانت هناك مبادرات غير مسبوقة في التعليم للمرحلة ما بعد الثانوية. ففي قطر والإمارات تحاول الجامعات الدولية تحفيز الابتكار عن طريق تأسيس فروع جامعية في المدن العلمية، التي تستضيف شركات تكنولوجية وطنية ودولية. والمملكة العربية السعودية على وشك الانتهاء من جامعة أبحاث تصل تكلفتها إلى عدة مليارات من الدولارات، وهناك خطط لجذب أساتذة متميزين من مؤسسات مشهورة. وبالتأكيد، لا تزال دول مجلس التعاون الخليجي في بداية الطريق، وحتى لو سار كل شيء حسب الخطة، فإن تجارب دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية تشير إلى أن من الممكن أن يستغرق الأمر جيلاً ليعمل إصلاح التعليم على تحقيق تحسينات بارزة ومهمة.
وعلى الأرجح أن يكون العقد المقبل مهماً للسياسة التعليمية، وحتى الأخطاء الصغيرة يمكن أن تشكل تهديدات ضخمة من حيث الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. إن دول مجلس التعاون الخليجي، حين تجعل التعليم من أولوياتها، سيتعين عليها أن تخطط بعمق وأن تنفذ استراتيجياتها بحذر. فإذا فعلت ذلك، فعلى الأرجح أن تؤتي استثماراتها أُكُلها أكثر من أي وقتٍ مضى.
الكاتب مدير مركز Ideation Center, Booz & Company, Dubai.
