لم يعد استخدام مصطلح التمويل الأصغر محصورا في تقديم الخدمات المالية إلى الفئات الفقيرة فقط، بل بات اليوم أكثر شمولاً فهو يشير كذلك إلى خدمات تقديم الائتمان والادخار والتأمين والتدريب والخدمات الاستثمارية.
اليوم وبعد كثير من الجهود المضنية في سبيل التغلب على ما تعانيه المجتمعات في كثير من دول العالم من مشكلات وخاصة مشكلتي الفقر والبطالة، أصبحت القناعة أكيدة لدى صانعي السياسة الاقتصادية والاجتماعية بضرورة اتباع نهج التشغيل الذاتي، وذلك من خلال تمكين الفئات المستهدفة ببرامج التصحيح الاقتصادي من إنشاء مشاريع متناهية الصغر وصغيرة ومتوسطة، كاتجاه رئيس نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وكآلية فاعلة في التخفيف من مشكلتي الفقر والبطالة.
#2#
يشير عيسى علي الزعبي المدير التنفيذي لمركز ريادة الأعمال في جامعة الملك سعود والخبير في تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلى فكرة استخدام أدوات التمويل الإسلامي في برامج التمويل المتناهي الصغر من خلال المؤسسات والهيئات الخيرية في محاولة منه لبث أفكار جديدة تحمل الطابع الإسلامي لهذه المشاريع المهمة، في هذا الحوار نستكشف بعضاً من هذه الجوانب:
## لديكم فكرة عن تمويل المشاريع الصغيرة بالتعاون مع الجمعيات.. حدثنا عن هذه الفكرة؟
الفكرة تدور حول تنفيذ مشاريع برامج للتمويل المايكروي (المتناهي الصغر) وذلك من خلال ''الجمعيات الخيرية'' والتي سيكون دورها هنا كمؤسسات وسيطة للمؤسسات المالية الإسلامية التي ستضطلع بجوانب التمويل كجزء من مسؤوليتها الاجتماعية، وفي موازاة ذلك سيتم تنفيذ برامج تدريبية لرفع قدرات المؤسسية للجمعيات المشاركة وتأهيلها لتنفيذ برامج تمكين ''خدمات تمويلية وغير تمويلية'' للفئات المستهدفة من أصحاب الأفكار الريادية الذين يرغبون في تأسيس أنشطة أعمال صغيرة، وربما متوسطة مدرة للدخل وبرامج تمويل صغير لتمويل شراء أثاث أو أجهزة منزلية أو إلكترونيات أو ترميم منازل وغيرها من الاحتياجات الاستهلاكية بمبالغ صغيرة يتم تحديدها بناء على دراسة احتياجات للمجتمع المستهدف، إضافة إلى تخصيص جزء من التمويل المتاح لتقديم قروض حسنة (تعليم وزواج).
أما أهداف المشروع فكثيرة يمكن أن نبرز بعضا منها في تقديم المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة الممولة من خلال هذا البرنامج دون تحمل تكاليف، وذلك أن إيراد تشغيل البرنامج سيحقق عائدا يغطي التكاليف ويحقق أرباح الترويج لخدمات المؤسسة المالية الإسلامية ورفع قدرتها على الوصول إلى جميع المناطق والتجمعات السكانية التي تعمل فيها الجمعيات.
وتنفيذ برنامج استثماري يحقق أرباحا عالية نتيجة لسرعة دوران رأس المال وبمخاطرة أقل، كما أن مثل هذه المشاريع قد تساعد على التوسع مستقبلا في تنفيذ البرنامج في الدول التي تطمح المؤسسة لإنشاء فروع فيها، ما يسرع في الترويج عالميا للمؤسسة، إضافة إلى ذلك سيعمل المشروع على تحقيق أهداف تنموية، وكذلك الاستثمار في الموارد البشرية من خلال بناء القدرات المؤسسية للجمعيات الخيرية وإحداث تغيير جذري في نمط تفكيرها وأدائها.
## ما الذي يمكن أن يساعد على تنفيذ هذا المشروع؟ أقصد المبررات؟
هناك بلا شك عديد من المبررات التي تدفعنا وتشجعنا لتنفيذ هذا المشروع وفي مقدمة هذه المبررات وجود طلب فعال ومتنام على خدمات التمويل المتناهي الصغر في جميع المجتمعات الإسلامية، ووجود تجارب ناجحة في مثل هذه البرامج في أكثر من دولة إسلامية، إضافة إلى انتشار الجمعيات الخيرية في معظم التجمعات السكانية، إضافة إلى حاجة الجمعيات الخيرية إلى تطوير بنيتها المؤسسية وإحداث تغيير جوهري في نمط التفكير التنموي لديها، وكذلك حاجة مؤسسات القطاع الخاص إلى إيجاد سبل حديثة وموثوقة وذات جدوى لتقديم مسؤوليتها الاجتماعية، والحاجة إلى إيجاد سبل استثمار أموال الصدقات والصناديق الخيرية وربما أموال الزكاة بكفاءة ضمن برامج صناديق تمويل مستدامة، لذا يتوقع أن يتم الحصول على تمويل كبير لمثل هذا البرنامج إذا ما توافرت له إدارة على درجة عالية من الشفافية والكفاءة، وأقول حقيقة إن مثل هذه البرامج تشكل فرصة دعوية فعالة في المجتمعات الفقيرة في العالم.
## ما الخطوات التنفيذية التي يمكن الأخذ بها من أجل إنجاح مثل هذه المشاريع؟
ثمة خطوات تنفيذية مهمة في هذا الإطار أهمها تحديد المنطقة المستهدفة، وحصر الجمعيات والهيئات التطوعية العاملة في المنطقة، وإجراء تقييم مؤسسي للجمعيات لاختيار أكثرها كفاءة وفاعلية، وتقييم احتياجات الجمعية البنية المؤسسية - الهيكل التنظيمي والأنظمة الإدارية - والموارد المادية والمالية والبشرية والفنية، إضافة إلى تنفيذ برنامج بناء القدرات للجمعية وإجراء دراسة للاحتياجات والفرص للمجتمع المعني، وتصميم برامج التمكين وفقا لمخرجات الدراسة في البند السابق، ومن ثم وضع نظام متابعة ورقابة وضبط جودة للتنفيذ.
## هل ترى أن مشاريع التمويل المتناهي الصغر من الممكن أن تساعد على حل بعض المشكلات التي يعيشها العالم اليوم، وخاصة الفقر، ومشكلات الائتمان وغيرها؟
في الحقيقة أن هذا القطاع يمكن أن يلعب الدور المأمول به إذا ما تم تصميم وتنفيذ برامج دعم تتصف بالكفاءة والاستدامة والشمول وتعمل بهدف تمكين الرياديين من بناء وتطوير منشآت متناهية الصغر وصغيرة ومتوسطة خاصة بهم، توفر فرص عمل جديدة و/ أو تعزز من الفرص القائمة، وتحسن مداخيلهم، وتنمي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لديهم.
ومما يؤكد هذا القول هو تبني كثير من دول العالم لهذا النهج وإدخاله كأحد أساليب مواجهة الفقر والبطالة وقيام كثير من الحكومات بإنشاء مؤسسات الدعم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وإطلاق برامج تمويل متناهي الصغر لتمكين الفئات الأقل حظا من ممارسة العمل والإنتاج بهدف زيادة دخلها وتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، بل إن الأمم المتحدة ومن خلال البنك الدولي - مؤسسة التمويل الدولية أحد أذرع البنك المالية قد تبنت إنشاء ودعم كثير من مؤسسات التمويل المتناهي الصغر في مختلف دول العالم الثالث، كما مولت هذه المؤسسة مشاريع متناهية الصغر وصغيرة بشكل مباشر في إفريقيا وعدد من الدول الفقيرة.
وفي الحقيقة أن هناك مؤشرات أولية على أن بعض هذه البرامج بدأت تحقق فوائد اجتماعية كبرى، فالـ 500 قرية في إفريقيا التي تمثل جزءا من مشروع الأرجوحة الكبيرة التي تتبناه مؤسسة التمويل الدولية شهدت بالفعل تحسنا كبيراً في صحة الأسرة وفي معدلات الحضور المدرسي وفي قدرة النساء على القيام بمهام أخرى. ويفيد أحد مزودي خدمات رعاية الأطفال في إحدى القرى أن الأطفال الذين كانوا يُصابون بالإسهال والتقيؤ جراء المياه الملوثة هم الآن أحسن حالا وبكثير. كما يقولون إن البنات اللواتي كن غالبا ما يتغيبن عن المدرسة لجلب المياه يمضين أوقاتهن الآن في القراءة والكتابة.
وفي دراسة للجمعية العلمية الملكية حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية لقروض صندوق التنمية والتشغيل في الأردن تبين ارتفاع ملحوظ في دخل الأسر التي حصلت على تمويل من الصندوق وفي امتلاكها للأصول المنتجة وارتفاع المستوى التعليمي والصحي لأفراد هذه الأسر، وذلك من خلال مقارنة لظروفها قبل وبعد حصولها على التمويل .
أما فيما يتعلق بمشكلات الائتمان....فقد أحجمت كثير من البنوك التجارية في بداية الأمر عن المخاطرة في تقديم التمويل للمشاريع الصغيرة، وذلك لعدم ثقتها بأصحاب أفكار هذه المشاريع وخوفها من فشلهم، وبالتالي عدم قدرتهم على الإيفاء بالتزاماتهم تجاه الممول لافتقارهم إلى الأصول المادية التي يمكن أن يقدموها كضمانات علاوة على ذلك، فإن النظام المصرفي التقليدي ينظر إلى هذه المشاريع باعتبارها تحقق أرباحا أقل وتكون مخاطرها أكبر، وبالتالي يحملونها قدراً أكبر من مخاطر الإقراض. ولكن بعد أن بدأت مؤسسات التمويل المتناهي الصغر في تغيير استراتيجياتها في التعامل مع قضية تمويل مشاريع الفقراء الرياديين، وذلك بتبنيها مبدأ تحقيق الاستدامة المالية الذي أدى إلى ظهور مؤسسات تمويل متناهي الصغر عملاقة حققت إيرادات مالية ضخمة ومنها على سبيل المثال بنك غرامين الذي حصل ومؤسسه البروفسور محمد يونس على جائزة نوبل للسلام، ما أدى إلى تغيير في موقف البنوك التجارية تجاه تمويل المشاريع المتناهية الصغر وأخذت في استحداث برامج خاصة بهذا النوع من التمويل .
## ما المشاريع التي يمكن تمويلها في مثل هذه الفكرة؟
للإجابة عن هذا التساؤل لا بد من استعراض المبادئ والسياسات التي يتم بناء برامج التمويل المتناهي الصغر استنادا إليها فليس من الصعب وضع قائمة من المشاريع الصغيرة أمام المتقدمين للحصول على التمويل، ولكن يجب قبل البدء في تمويلها التساؤل حول هذه المشاريع: هل هي مناسبة لاحتياجات السوق المحلية وقدرات الفئة المستهدفة؟ وهل هناك فرص حقيقية لنجاحها..؟ وغير ذلك من التساؤلات التي يمكن الإجابة عنها من خلال معرفة الأسس والمبادئ التي تحكم بناء برامج ناجحة للتمويل المتناهي الصغر، ويمكن إيجاز هذه المبادئ بالتالي: أولا: إن برامج الدعم المطلوب توفيرها يجب أن تبنى وفقا لأسس ومبادئ خاصة لكي تكون فعالة وملائمة لاحتياجات المجتمع المستهدف، ومن أهم هذه المبادئ الاستدامة وصفة الاستدامة قد أصبحت من أهم ما تتميز به برامج التنمية الحديثة، بل أضحت شرطا لا بد من توافره لكي يقوم المانحون بتقديم الأموال للمؤسسات القائمة على تنفيذ تلك البرامج، وهي تعني قدرة البرنامج على الاستمرار والتوسع اعتمادا على إيرادات التشغيل التي يحققها نتيجة لتقديم الخدمات للمستهدفين، وهذا يتطلب أيضا أن تكون هناك ضمانات مناسبة لاسترداد المبالغ التي تقدم لتمويل المشاريع التي يؤسسها أو يديرها الرياديون مضافا إليها نسبة معينة يسميها البعض رسوم خدمة أو عمولة أو ربحا، وهي في كثير من البرامج فائدة ربوية واضحة تتلون بألوان عدة خاصة في الدول الإسلامية التي يحجم عدد كبير من الفئة المستهدفة عن التعامل معها مع أن هناك كثيرا من أدوات التمويل الإسلامية التي يمكن لنا نحن المسلمين اعتمادها في معاملاتنا المالية.
ثانيا:من المبادئ المهمة التي يجب أن تبنى برامج الدعم على أساسها مبدأ المشاركة، والمشاركة هنا لها أبعاد كثيرة يمكن تلخيصها بضرورة التعاون والتنسيق والتشبيك ما بين المؤسسات المالية المختصة بتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات التي تقدم الخدمات غير المالية لهذه المنشآت مثل التدريب بجميع أنواعه الذي يلزم أصحاب المنشآت الصغيرة والعاملين فيها .
## ألا ترون أن مثل هذه الأفكار بحاجة إلى كوادر مؤهلة؟ وهل من الأجدى تدريب بعض الكوادر التنفيذية قبل الشروع في تنفيذها على أرض الواقع؟
في الواقع لا بد من توفير الكوادر المدربة والمؤهلة تأهيلا خاصا للعمل على تصميم وتنفيذ برامج التمويل المتناهي الصغر، لأن هذه البرامج لها خصوصية من حيث الفئات المستهدفة التي تتشعب وتتعدد احتياجاتها فليس المهم هو توفير التمويل ومنح القروض، بل لا بد من توفير الخدمات المساندة لأصحاب أفكار المشاريع الصغرى مثل الاستشارات والتدريب والإرشاد والمتابعة والتأمين بمعنى آخر حزمة متكاملة من الخدمات المالية وغير المالية التي تؤدي إلى تحقيق هدف التمكين للفئة المستهدفة والتي عادة ما تكون من الفئة الفقيرة التي تحتاج إلى عناية خاصة.
وبالتالي فيجب أن تكون الكوادر العاملة في مثل هذه البرامج متنوعة الاختصاصات والمهارات لتلبي متطلبات العمل عليها وإنجاحها.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المجتمعات الإسلامية تحتاج إلى برامج تمويل متناهي الصغر خاصة بها تعمل وفقا للشريعة الإسلامية.


