الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

«عليك بالإنقاذ المالي حين تكون في حالة من الشك». هذه هي ترنيمة السياسات الجديدة بعد 11 شهراً من انهيار «ليمان براذرز» في أيلول (سبتمبر) 2008. وفي الوقت الذي يتعافى فيه الاقتصاد العالمي بصورة مؤقتة من حالة الانكماش، وكذلك في الوقت الذي يعوِّل فيه المستثمرون، على ما يبدو، على تحقيق أرباح رئيسية من عودة البنوك، فإن بعضهم بدأ في التساؤل: «هل نحن بحاجة فعلياً إلى كثير من المعاناة؟».

استنتج كثير من صانعي السياسة، والمستثمرين، والاقتصاديين، أن السلطات الأمريكية كان يمكنها هندسة خروج ناعم من اقتصاد الفقاعات، لو كان قد تم إنقاذ «ليمان براذرز». ويعتقد كثير منهم في الوقت الراهن أن أي تحرك باتجاه التنظيم المالي الأوسع يجب أن يقيّد بشدة، لأن الحكومة هي التي كانت قد أسقطت الكرة، وأن تطهير الابتكار المالي لن يعمل إلا على إبطاء النمو، مع منافع ضئيلة بخصوص القضاء على فرصة حدوث أزمات مستقبلية.

في مايلي مزيد من التفاصيل:

«عليك بالإنقاذ المالي حين تكون في حالة من الشك». هذه هي ترنيمة السياسات الجديدة بعد 11 شهراً من انهيار ليمان براذرز في أيلول (سبتمبر) 2008. وفي الوقت الذي يتعافى فيه الاقتصاد العالمي بصورة مؤقتة من حالة الانكماش، وكذلك في الوقت الذي يعوِّل فيه المستثمرون، على ما يبدو، إلى تحقيق أرباح رئيسية من عودة البنوك، فإن البعض بدأوا في التساؤل: «هل نحن بحاجة فعلياً إلى كثير من المعاناة؟».

استنتج كثير من صانعي السياسة، والمستثمرين، والاقتصاديين، أن السلطات الأمريكية كان يمكنها هندسة خروج ناعم من اقتصاد الفقاعات، لو كان قد تم إنقاذ ليمان براذرز. ويعتقد كثير منهم في الوقت الراهن أن أي تحرك باتجاه التنظيم المالي الأوسع يجب أن يقيد بحدة، لأن الحكومة هي التي كانت قد أسقطت الكرة. وإن تطهير الابتكار المالي لن يعمل إلاّ على إبطاء النمو، مع منافع ضئيلة بخصوص القضاء على فرصة حدوث أزمات مستقبلية. وإن من واجب البنوك المركزية منع حدوث اصطفافات على أبواب البنوك لسحب الأرصدة، من خلال رد فعل قوي في حالة حدوث أي أزمة تهدد النظام ككل. وعلى صانعي السياسة ألا يكونوا مهووسين بالخطر الأخلاقي، وألا ينسوا محاولة الإدارة الجزئية للقطاع المالي المبتكر.

#2#

هذا التشخيص المتفائل نسبياً أمر مغر، لكنه خطير. وهناك ثلاث مشاكل رئيسية فيما يتعلق بالرأي القائل إن تكاليف درجة أعلى من تنظيم البنوك تتفوق على المنافع، وإن المشكلة كلها كانت هي العمل الأخرق المتمثل في عدم إنقاذ ليمان براذرز.

المشكلة الأولى أن الاقتصاد الأمريكي لم يكن يسير بالسرعة المطلوبة في الفترة السابقة لأيلول (سبتمبر) 2008. ويرى المركز الوطني للأبحاث الاقتصادية أن انكماش الولايات المتحدة بدأ في نهاية عام 2007. وبدأت الأسواق المالية إظهار آثار سلبية شديدة ناتجة عن مشكلة الرهن العقاري بحلول صيف عام 2007. أما الفقاعة الإسكانية الملحمية، فقد بدأت الانفجار قبل ستة أشهر من ذلك. وفي ظل حقيقة أن المستهلك الأمريكي كان يحرّك الاقتصاد العالمي لربع قرن من الزمن، فهل كان من المنطقي الاعتقاد أن الانهيار الحتمي لسوق الإسكان الأمريكية سيكون حدثاً عابراً؟ وكما أجادل مع شريكتي كارمن راينهارت في كتابنا المقبل «الأمر مختلف هذه المرة: ثمانية قرون من الحماقة المالية» This Time is Different: Eight Centuries of Financial Folly، فإنه وفقاً لمعظم المقاييس الكمية كان الاقتصاد الأمريكي يتجه على مدى عدة سنوات قبل أزمة الرهن العقاري، نحو أزمة مالية عميقة في فترة ما بعد الحرب. والواقع أننا جادلنا بهذا الخصوص في أوراق عمل ذات صلة بذلك قبل انهيار ليمان براذرز.

المشكلة الثانية هي أن الفكرة الخاصة بشد لجام القطاع المالي تؤدي إلى كارثة على مستوى النمو المستقبلي يجب التقليل من شأنها. ومن المؤكد أن النمو المالي المعزز يتكامل مع تحقيق نمو واستقرار أكبر. لكن لدى الاقتصاديين من الأدلة التجريبية قدرا أقل مما قد نحرص على الاعتراف به، وهي أدلة تشكل نشاطات القطاع المالي العوامل الأكثر مساعدة فيها. وبصورة عامة العلاقات بين النمو والتنمية المالية معقدة. وكان من المفترض أن يكون الإبداع الرهني في الولايات المتحدة أمراً مساعداً، بتخفيض معدلات الفائدة التي يتحملها من يشترون المنازل. ومع ذلك، وكما كشفت الأزمة، كان الابتكار أيضا آلية لزيادة المعونات الضمنية التي يدفعها دافع الضريبة. وبصورة أوسع، كان من المفروض أن يجلب الابتكار المالي مزيداً من التنويع والاستقرار. لكن في إطار انهيار واسع النطاق على مستوى النظام، أدى كذلك إلى تغذية انتشار آثار الأزمة.

والمشكلة الثالثة هي أن من الأمور الخطيرة النظر إلى ما يحدث من استعادة طرية العود للأرباح على مستوى القطاع المالي على أنها دليل واضح على منفعة ناجمة عن ذلك للاقتصاد. وهناك عنصر مهم فيما يتعلق بموازنة سعر الصرف، بينما تقترض البنوك بمعدلات فائدة متدنية مقابل الضمان الضمني الذي يمثله إنقاذ حكومي في حالة حدوث أزمة. فهل يعتقد الناس، كما يجادل البعض، أن الخطر الأخلاقي قضية بسيطة؟ لماذا ينبغي السماح للمؤسسات الكبرى ذات الأثر الكبير على النظام المالي ككل، بوضع نفسها تحت الأعباء الثقيلة للاستدانة من خلال الاقتراض قصير الأجل؟ ما الذي يمكن أن نخسره إذا فرض المنظمون متطلبات رأسمال أشد لتثبيط نشاط عمليات موازنة سعر الصرف التي تعرِّض البنوك الأكبر من أن تفشل إلى مخاطر على مستوى النظام ككل؟ من المؤكد أن لدى الاقتصاديين نماذج حول سبب أن يكون بين الإجراءات الكفوءة للمقرضين، الإبقاء على وجود حبل قصير يربطون به المقترضين. ومع ذلك، فإن هذه النماذج لا تفسر لماذا ينبغي لف ذلك الحبل حول أعناق المقترضين 36 لفة، كما هي الحال بالنسبة لبنك عالي المديونية.

إن الحقيقة هي أن البنوك، ولا سيما الكبرى المهمة على مستوى النظام ككل، قادرة في الوقت الراهن على الحصول على السيولة بمعدل فائدة يقترب من الصفر، والدخول في نشاطات موازنة سعر صرف ذات مخاطر، انطلاقاً من أن حافظة النقود غير الواضحة الخاصة بدافعي الضرائب تقف خلفهم على سبيل الاحتياط. وفي الخلاصة، بينما تقول السلطات إنها تنوي زيادة متطلبات رأس المال على البنوك في وقت لاحق، فإنها تنظر إلى اتجاه مخالف لذلك في الأجل القصير، بينما تقامر البنوك تحت مظلة ضمانات دافعي الضرائب.

إذا كان المتفائلون على خطأ، فهل يعني ذلك أن النظام المالي السابق لانهيار ليمان براذرز كان بمثابة كارثة كبرى من مستوى سودوم وعومورا، بحيث إنه كان من المحتم عليه أن ينتهي؟ لن نعرف ذلك أبداً. وفي العودة مرة أخرى إلى العمل الذي أنجزه مع راينهارت، فإن النظرية والتاريخ يخبراننا بأن أي اقتصاد مثقل بالديون قصيرة الأجل، سواء كان ذلك على صعيد الحكومة، أو النشاط المصرفي، أو الشركات، أو المستهلكين، سوف يظل عرضة بصورة شديدة لأزمات الثقة. إن الحوادث المنتظر حدوثها، تحدث في العادة، لكن متى يكون ذلك؟ لا يستطيع التحليل الإحصائي للتاريخ، ولا النظرية الاقتصادية، تقديم حدود دقيقة لتوقيت الانهيارات، حتى ضمن عام واحد أو اثنين.

من المؤكد أن الاقتصادين الأمريكي والعالمي، كانا تحت ضغوط شديدة حين انهار ليمان براذرز. غير أن عمليات تكتيكية أفضل من جانب الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة، ولا سيما في عملية الصد والحماية الخاصة بسجل المشتقات في ليمان براذرز، كان يمكنها القضاء على حالة الذعر. وبالحديث استناداً إلى ما حدث بالفعل، من السهل القول إن السلطات كان يجب عليها أن تتخذ إجراءاتها قبل أشهر من الانهيار، لإجبار البنوك على جمع مزيد من رأسمال الأسهم. والانهيار الذي شهده في آذار (مارس) من عام 2008 خامس أكبر بنك استثماري، بير شتيرنز، كان يجب أن يكون مؤشراً على أن هناك حاجة إلى إجراءات طارئة. ويجادل مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة بأن إجراءات سياسية أشد كانت مستحيلة قبل انهيار ليمان. كان لا بد من سيلان الدماء على الشوارع لإقناع الكونغرس. وفي أي حادث في ظل التقلبات الموجودة ضمن النظام، والسونامي الوشيك الخاص بانهيار أسعار المنازل، من الصعب معرفة ما إذا كان تأجيل الأزمة يمكن أن يكون قد جعل الأمور أفضل أو أسوأ، ولا سيما في ظل الشلل الواضح للنظام السياسي.

سينجز الاقتصاديون تحليلات بأثر رجعي حول الأزمة لعدة عقود من الزمن. وأثناء ذلك يفرض الإدراك العام السليم الحاجة إلى قيود أشد على الاقتراض قصير الأجل من جانب المؤسسات المهمة على مستوى النظام ككل، إضافة إلى حدود تراقب بصورة منتظمة المراكز ذات المخاطر الكبيرة للغاية، مع الأخذ في الاعتبار أن بالإمكان أن تكون البنوك مترابطة بقوة في ظل تراجع اقتصادي. وهناك حاجة إلى إجراء حكيم على صعيد الاقتصاد الكلي، ولا سيما في ظل كبح جماح عجوزات الحساب الجاري المستدامة. وبينما يمكن تبرير مثل هذه العجوزات في بعض الأحيان، فإن الاختلالات المطولة تغذي المديونية، ويمكن أن تتسبب في وهم أن النمو المرتفع وأسعار المنازل يمكن جعلهما أمراً مستداماً. كذلك لا بد من مزيد من التنسيق الدولي للمراقبة المالية، لمنع البلدان من استخدام الضوابط اللينة لتقديم العطاءات للحصول على أعمال، ولتحصين المنظمين من الضغوط السياسية.

من الجيد أن يبدو الاقتصاد في اتجاه نحو الاستقرار، على الرغم من أن ذلك يتم على حساب طيف واسع من عمليات الدعم المالي غير الشفافة من أموال دافعي الضرائب، الموجهة للمؤسسات المالية. لكن لا ينبغي الاعتماد على هذه الاستراتيجية إلى ما لا نهاية، لأنها تهدد الصدقية المالية الواعدة لدى حكومات الدول الغنية. ووجهة النظر التي تقول إن كل شيء كان يمكن أن يكون على ما يرام، لو أن هانك بولسون الذي كان وزيراً للخزانة الأمريكية في ذلك الوقت، حرّر شيكاً بقيمة 50 مليار دولار لإنقاذ ليمان، إنما هي وجهة نظر مضللة بصورة خطيرة. وما زال النظام المالي بحاجة إلى إصلاح أساسي، وأن يبدأ ذلك خلال خمس سنوات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية