ما زال هناك عدد قليل من الناس الذين ينظرون إلى السياسة الخارجية للرئيس جورج دبليو بوش على أساس أنها نجاح منقطع النظير. من هؤلاء ديك تشيني، وبوش نفسه، ومراكز التفكير في واشنطن التي تضم أسرى الخط السياسي الأشد تصلباً. ويقول التحليل الأكثر تقليدية إن سنوات بوش انتهت بجعل السياسة الخارجية الأمريكية في حالة من الفوضى. فالولايات المتحدة كانت متورطة في حربين دمويتين وغير حاسمتين في أفغانستان وفي العراق، ومكانة وشعبية الولايات المتحدة كانتا قريبتين من مستويات دولية متدنية قياسية. وبالتالي السؤال الواضح: ماذا بعد ذلك؟ أدى فشل السياسة المحافظة الجديدة New – Conservatism، بما فيها من مزيج غريب من العدوان والمثالية الديمقراطية، إلى تهيئة الأرضية لمعركة جديدة من الأفكار والعقائد التي تنتهي بالمقطع ism. وتطرح ثلاثة كتب لكل من ستروب تالبوت، وليام جرايدر، وليسلي جيلب ثلاثة تحديات متنافسة، هي على الترتيب: الدولية، الانعزالية، والواقعية. ويساعدون جميعاً في تحديد الخيارات التي تواجه إدارة أوباما.
من جوانب كثيرة، يعتبر تالبوت المطلع الداخلي البارع على شؤون واشنطن. فقد كان شريك غرفة السكن، أيام الكلية، مع بيل كلينتون. وتربطه قرابة بعيدة بعشيرة بوش، إضافة إلى أنه يترأس الآن واحداً من أكثر مراكز التفكير احتراماً في واشنطن، معهد بروكنجز؛ مركز الليبرالية الوسطية. وفي ظل امتلاك مثل هذه المؤهلات، فإن الأمر الأشد مفاجأة هو أن تالبوت معتقد مندفع في الأفكار التي يُعتقد بها على نطاق أوسع في بروكسل مما يُعتقد بها في واشنطن.
حين كان لا يزال صحافياً في مجلة «تايم» عام 1992، كتب تالبوت مقالاً بعنوان «مولد أمة عالمية». ومما جاء فيه: «سأراهن أنه خلال الأعوام المائة المقبلة (...) الدولة كما نعرفها ستنتهي، وستعترف كل الدول بسلطة عالمية موحدة». مثل هذا النوع من الأفكار هو الذي يجعل كثيراً من الأمريكيين المتعصبين قومياً يحملون بنادقهم، ويصورون حدود السماء لطائرات الهيلوكبتر الأمريكية السوداء. وعلى الرغم من اعتناقه لهذه الأفكار الخطيرة، صادق الكونجرس على تعيينه في إدارة الرئيس كلينتون، التي شغل فيها منصب وكيل وزارة الخارجية في الفترة 1994 – 2001. وبعد 17 سنة من تناوله فكرة «الأمة العالمية» لأول مرة، عاد تالبوت إلى هذا المنهج الفكري في كتابه المعنون «التجربة العظيمة»* الذي ظهر بغلاف ورقي معه خلاصة لعهد أوباما.
لم تعمل خبرة تالبوت في الحكومة على إضعاف قناعاته، بل على العكس من ذلك يعتقد أن التحديات الثلاثة المتمثلة في التغير المناخي، والأزمة الاقتصادية العالمية، والانتشار النووي لم تعمل إلا على تعزيز قضية وفكرة «التعددية التي تتجاوز كثيراً أي شيء أنجزه العالم حتى يومنا هذا». ويشير تالبوت في أكثر من مناسبة في كتابه إلى «التعددية»، أو «الحكم العالمي»، أو في العنوان الفرعي لكتابه، إلى «الأمة العالمية». وأياً كانت الصياغة، فإن الفكرة واضحة وهي أن على الولايات المتحدة أن تنضم إلى بقية العالم لإيجاد هياكل جديدة لحكومة دولية تحل محل الأفكار التقليدية الخاصة بالسيادة الوطنية.
ربما تكون الولايات المتحدة قد رفضت المحكمة الجنائية الدولية، وامتنعت عن التوقيع على معاهدة كيوتو الخاصة بالتغير المناخي، لكن هذه الأمور ستكون نقاط البداية في عالم تالبوت المثالي. إنه يعتقد بقوة في منح الأمم المتحدة قوة عسكرية دائمة وجاهزة يمكن استدعاؤها للحؤول دون عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بل وحتى للتخلص من أنظمة الحكم الخطرة. وهو يريد أن يرى وكالات دولية قوية ومعززة لمواجهة الانتشار النووي. ويريد للولايات المتحدة أن تكون قدوة للعالم من خلال تقليص شديد للانبعاثات الغازية، حتى تهيئ الظروف الملائمة للتوصل إلى اتفاقية دولية شاملة حول التغير المناخي. وبينما تنظر معظم وجهات النظر التقليدية في واشنطن إلى الاتحاد الأوروبي على أساس أنه مسرحية هزلية ساخرة، يرى فيه تالبوت مصدراً للإلهام.
إن كتاب تالبوت مزيج مبهج من الفكر التاريخي، والذكريات الشخصية، والجدل العنيف. وهو يجادل بأن الأمور الخاصة بالحكم العالمي التي تشغله كانت على نحو أو آخر قضايا رئيسية في السياسة منذ أيام سقراط. وهو يتابع تطور هذه الأفكار من الفلسفة اليونانية، وصولاً إلى الولايات المتحدة في أيامنا هذه. وعلى الرغم من محاولته الخروج بملاحظة حول التفاؤل الذي يوحي به أوباما، إلا أن لديه ما يكفي من النزاهة كي يستخلص أن القصة الواردة في كتابه «أقل من إحداث الطمأنينة» حول قدرة بني البشر على الاستجابة الملائمة لتهديدات القرن المقبل.
والفيلسوفان اللذان يستشهد تالبوت بأفكارهما خصوصا، هما القديسان المخلصان للدولية، دانتي أليجيري (1265 – 1321)، وإيمانويل كانط (1724 – 1804). كان دانتي يحلم بـ «سلام كوني، بحيث يمكن أن يحكم بني البشر أمير بالغ التفوق».
وعلى النقيض من ذلك نجد أن كتاب ليسلي جيلب الذي يحمل عنوان «قواعد السلطة»** يحمل البيعة لبطل واقعيي السياسة الخارجية، نيكولو ميكافللي (1469 – 1527). ويبدي ليسلي إعجابه بميكافللي لأنه يعتقد أنه فهم طبيعة السلطة، وأن مثل هذا الفهم أمر حيوي لصنع سياسة خارجية أمريكية ناجحة.
كانت السيرة العملية لجيلب مشابهة للمسيرة العملية لتالبوت، تخللتها فترات من العمل الصحافي، والعمل الحكومي، وقيادة مركز فكري رائد في نيويورك هو مجلس العلاقات الخارجية. غير أن الرجلين مختلفان تماماً من حيث المزاج. تالبوت جاد ومثالي، بينما جيلب أقرب إلى الحكمة، إضافة إلى جانبه الساخر. والواقع أنه يركز بصورة كبيرة على المبادئ المطلقة من منطلق خطورتها في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية. وفي كتابه الموجه إلى كل من صانعي السياسة والجمهور العام، يجادل بأن المهمة هي «كسر شوكة أولئك الليبراليين المحافظين الذين يدفعون زعماءنا، بصورة متكررة، باتجاه التزامات يتعذر عليهم الوفاء بها». وإضافة إلى المبادئ المتجاوزة والمتطرفة، فإن مصدري الشر الآخرين عند جيلب هما «السياسة القبيحة واستبداد السلطة»، إذ يعترض كل منهما سبيل التعقل والإدراك السليم الذي يعتبره مفتاح إنقاذ السياسة الخارجية الأمريكية.
بينما يُعد ميكافللي البطل الفلسفي في نظر جيلب، فإن رجال الدولة الأمريكيين الذين يحترمهم هم «الواقعيون» من أمثال هاري ترومان، ودين أكيسون، وهنري كيسنجر، وبرنت سكوكروفت. ويشارك جيلب في الشك الواقعي بتشجيع الديمقراطية هدفا للسياسة الخارجية، مبدياً ملاحظته بأنه حين يتعلق الأمر بشؤون الحكم «فلا بد من وجود الشجاعة للتساؤل حول ما إذا كان بلد ما على استعداد للديمقراطية، وكذلك حول ما إذا كانت واشنطن تبالغ كثيراً في دفعها بهذا الاتجاه». ومن الأمور المربكة أن شك جيلب في كل النظريات المطلقة شمولي للغاية، إلى حد أنه ينتقد حتى مدرسته الفكرية الواقعية ذاتها. وهو يقول إن الرئيس بوش الأب «ارتكب أخطاء خطيرة باسم سياسة خارجية واقعية»، مثل رفض التدخل في البلقان لأن «إيقاف المذابح الجماعية لا يتماشى مع أيديولوجية بوش الواقعية».
ويجادل جيلب بأن على السياسة الخارجية أن تستند إلى تقدير ملائم للسلطة، وعلى «التعقل والإدراك السليم». وعلى الرغم من أن جيلب يعمل على إثارة التفكير، وافتراض إيجاد دليل مرشد للسياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن حجته في نهاية الأمر ليست مقنعة. كذلك هناك كثير من مشاكل السياسة الخارجية التي لا يتضح فيها ما هو الحل القائم على التعقل والإدراك السليم. فهل يقول التعقل والإدراك السليم إن من الحماقة التسامح مع الأسلحة النووية الإيرانية، أو أن من الحماقة قصف المنشآت النووية الإيرانية، وهل يقول التعقل والإدراك السليم أن من المحتمل ألا تستطيع التسامح إزاء الوضع القائم في دارفور، أو أنك لا تملك شيئاً تجاه ذلك الأمر؟
على الرغم من نظرتيهما المختلفتين إلى العالم، فإن جيلب وتالبوت عضوان قياديان في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية. ولذلك من غير المحتمل أن يتسامح أي منهما إزاء الانعزالية. غير أن هذه الفجوة يتم سدها، على أية حال، بالحماس الذي يبديه وليام جرايدر، الصحافي الاقتصادي المخضرم.
كتاب جرايدر خليط غريب من الحمائية الطاحنة للأرقام، والتصوف الباطني. وهو يجادل بأن العولمة كانت سيئة في غموضها بالنسبة إلى العامل الأمريكي العادي، وبأنه لم يعد بوسع الولايات المتحدة تحمل التزاماتها العسكرية في الخارج. وتعمل السياسة الأمريكية الخارجية على إرضاء الصناعيين الأمريكيين ورجال النفط، لكنها تعمل كذلك على استعداء الأجانب. وتبدو وصفة جرايدر لبلده بسيطة «بدلاً من محاولة إدارة العالم، دعونا نعالج مجتمعنا الجريح، ودعونا نتخلص من الادعاءات المضخمة بالهيمنة الدولية». ورؤيته للمستقبل الأمريكي تذكرنا بصورة غريبة بدعوة فولتير «إلى فلاحة حديقتنا». ويقول جرايدر لمواطنيه «ما إن نتخلص من أعباء الهيمنة الوطنية، حتى نجد أنفسنا أحراراً متفرغين لإعادة تطوير المناطق والمجالات الداخلية لبلدنا».
كان عنوان كتاب جرايدر، وهو «عودي إلى بيتك يا أمريكا»*** شعاراً عملت على استغلاله شعبوياً حملة جورج ماكجفرن الانتخابية الرئاسية عام 1972. وحقيقة هزيمة ماكجفرن الكارثية يمكن أن تفيد بأن الانعزالية لديها مستقبل ضئيل كحركة في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يشير جرايدر إلى استطلاعات للرأي تقول إن هذا الأمر دموي للغاية. وفي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2005، وافق نحو 84 في المائة من الأمريكيين على أن «حماية وظائف العمال الأمريكيين» يجب أن تكون على رأس أولويات الحكومة الأمريكية. غير أن الجهات الأمريكية المؤثرة من صحافيين، وأكاديميين، وغيرهم، لم توافق على ذلك. وهناك ثغرة مشابهة بين النخبة والرأي العام حول قضايا خلافية أخرى، مثل الهجرة غير الشرعية. كذلك هناك مجال واسع للسياسيين والشعبويين لاستغلال تلك الثغرة، وبالذات أثناء الانكماش العميق.
رفض الرئيس أوباما كلاً من الانعزالية والتوجه المحافظ الجديد، مجادلاً بأن «علينا ألا نتراجع بعيداً عن العالم، وكذلك ألا نكرهه على الاستسلام». ويبدو أن الأشهر القليلة له في الرئاسة تضعه في منتصف الطريق بين وجهات النظر العالمية الخاصة بتالبوت وجيلب. وتصميم الرئيس الجديد على «إعادة الانخراط» مع بقية العالم، وإصراره الكبير على ضرورة تشذيب المؤسسات متعددة الجنسيات، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتأكيده على أهمية التغير المناخي، وتودده للعالم الإسلامي، يفيد بأنه مؤيد للتفكير الدولي العزيز على قلب تالبوت.
غير أن أوباما أبدى في بعض الأحيان ملاحظات «واقعية»، وقلل من أهمية قضية حقوق الإنسان في علاقات الولايات المتحدة مع الصين، والتأكيد على أن الحرب في أفغانستان أمر متعلق بالأمن القومي للولايات المتحدة، بدلاً من أن تكون قضية ديمقراطية، أو حقوق إنسان. ومن المثير، وكذلك من الباعث على الشؤم، أن الكتاب الثلاثة الذين يكتبون انطلاقاً من مفاهيم مختلفة للغاية، متشائمون وقلقون من التورط الأمريكي المتزايد في الحرب الأفغانية. والقضايا المتعلقة بالمغامرة الأفغانية تعتبر عامل تذكير بأنه ليست الأفكار والغرائز الخاصة بالرئيس الجديد هي فقط التي تشكل السياسة الخارجية الأمريكية في عهد أوباما، بل الأحداث المتكشفة والوضع الاقتصادي الصعب الذي واجهه أوباما يشكلان كذلك الطريقة التي تتعامل بها أمريكا مع باقي العالم.
على الرغم من أن أوباما أثار أصواتاً حمائية خلال حملته الانتخابية، إلا أن هناك قليلا من الشك في أن الموقف الذي ينطلق منه أقرب بكثير إلى التنوعات الخاصة بالدولية ممثلة في كل من تالبوت وجيلب. غير أن ذلك يمكن أن يتغير. وليس من الصعب تصور سيناريو يستمر في ظله تدهور الاقتصاد الأمريكي خلال العامين المقبلين، وأن تزداد التوترات التجارية مع الصين، وأن تنهار محادثات التغير المناخي، وأن تصبح الحرب الأفغانية أسوأ. ووفقاً لهذه الظروف، من المحتمل أن تلقى الأفكار الانعزالية التي يبشر بها جرايدر، أذناً تصغي باحترام أكثر في الكونغرس، بل كذلك في البيت الأبيض الذي يسكنه أوباما.
The Great Experiment: The Story of Ancient Empires, Modern States and the Quest for a Global Nation
By Strobe Talbott
Simon & Schuster
Power Rules: How Common Sense Can Rescue American Foreign Policy
By Leslie H. Gelb
HarbeerCollins
Come Home America: The Rise and Fall (and Redeeming Promise) of Our Country
By William Greider
Rodale

