"إن موجة من الشر تجتاح كل مؤسساتنا"..قالها رالف إيمرسون متحدثا عن الولايات المتحدة، ويبدو أن مجموعة الشركات الدوائية الكبرى من ضمن تلك المؤسسات، فهي مستحوذة إلى درجة كبيرة على المجال الطبي وأبحاثه.
ففي صحيفة هافنجتون بوست Huffington Post الإلكترونية المعروفة كتب الدكتور بروس ليفين (عالم نفس إكلينيكي وعضو المجلس الاستشاري للمركز الدولي لدراسات طب وعلم النفس) عن التلاعب والتحايل الذي تقوم به تلك الشركات للتسويق لأدويتها، وقد خص بالحديث العقاقير التي "تعالج" اضطراب نقص الانتباه مع فرط الحركة ADHD في الأطفال خاصة. ويقول ليفين إن المسؤول عن ثورة تخدير الأطفال بالعقاقير النفسية هو الطبيب النفسي جوزيف بيدرمان من جامعة هارفارد والذي حقق معه الكونجرس الأمريكي في قضية تسلمه 1.6 مليون دولار من شركات مصنعة للأدوية على مدى الفترة من عام 2000 إلى عام 2007 ، وقد تسلم هذه المبالغ دون إعلام الجامعة التي يعمل بها ,مما يعتبر خرقا فاضحا للقوانين ولشرف المهنة. وقد اضطر بيدرمان خلال التحقيقات إلى كشف وثائق توضح معاملاته مع شركة جونسون و جونسون الدوائية ,وكان من ضمن تلك الوثائق ملخصات للعمل الذي كان يقوم به في مركز أبحاثه التابع لهارفارد والذي كانت تموله الشركة المذكورة. وقد نشرت الـ "نيويورك تايمز" في 20 آذار (مارس) الماضي، تقريرا جاء فيه أن بيدرمان وعد الشركة الدوائية بأن تكون نتائج بحثه على عقار ريسبردال Risperdal المضاد للذهان "ملائمة " ومرضية للشركة, وبالفعل وفَّى بيدرمان بوعده.كما وعد نفس الشركة نفس الوعد فيما يخص عقار كونسرتا Concerta لعلاج نقص الانتباه وفرط الحركة عند المراهقين , وذلك حسبما نشرته الـ "نيويورك تايمز" عام 2005.
أما في عام 2006 فقد شارك بيدرمان في دراسة استنتجت أن تناول الأطفال لعقار Concerta لمدة طويلة لا يؤثر في معدل نموهم ,وقد كانت مسألة النمو مدعاة للقلق فيما يخص هذا العقار, وقد ظهر لاحقا أن العقار يؤثر فعلا في نمو الأطفال,ففي عام 2007 قام المعهد القومي للصحة العقلية بدراسة على علاجات نقص الانتباه وفرط الحركة شملت 579 طفلا بين سن السابعة والعاشرة وعلى مدى ثلاث سنوات,ووجدوا أن معدلات نمو الأطفال الذين انتظموا على العقاقير كانت أقل بشكل واضح من أقرانهم الذين لم يتعاطوا العقاقير. ويضيف ليفين أنه وعلى مدى عقود صدّق غالبية الأطباء وعلماء النفس والإعلام وعامة الناس دعاوى بيدرمان الذي روج لإعطاء الأطفال عقاقير نفسية قوية. وقد بدأت تظهر المشاكل المترتبة على هذه الموجة ,ففي العدد الأخير من "مجلة ساينتفك أميريكان مايند" العلمية Scientific American Mind نقرأ موضوعا بعنوان (هل تؤذي عقاقير اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ADHD المخ؟, وهو تقرير شامل عن الأخطار بعيدة المدى لهذه العقاقير مثل
Ritalin,Concerta,Adderall,Vyvanse. كما جاء في الموضوع الذي ألفه الدكتور إدموند هيغينز بروفيسور الطب النفسي في جامعة ساوث كارولينا أن المركب الأساسي في تلك العقاقير يشبه الكوكايين ويفعل فعله في المخ، وقد ثبت هذا بالتجارب على الفئران في جامعة روكفيلر والتي قام بها علماء المخ والأعصاب في شباط ( فبراير) الماضي. ويضيف الدكتور هيجينز أن ثلاث دراسات على الأقل تشير إلى أن تناول هذه العقاقير تعبث في المخ وترفع احتمال الاكتئاب في الكبر.كما أن دراسات أخرى تشير إلى تأثير العقاقير في سلامة العقل فتحدث الهلوسات كما تؤثر في الذاكرة.كما أن مجموعة من الباحثين في جامعة جون هوبكنز قاموا بتجربة العقاقير على قردة فوجدوا تلفا في ناقلات الدوبامين في المخ، إضافة إلى انخفاض مستويات الدوبامين في المخ , وهذا مرتبط بالإصابة بمرض باركنسون . وينهي ليفين حديثه بأن يحذر الآباء و الأمهات من الانصياع لرأي أي طبيب حين يتعلق الموضوع بصحة أطفالهم دون أن يبحثوا بأنفسهم ويتعلموا لأن مجموعة الصناعة الدوائية والمستفيدين منها أو العاملين لديها لن يتوانوا عن تسويق منتجاتهم بغض النظر عن خطرها. وجدير بالذكر أن بروس ليفين هو مؤلف كتاب Surviving America's Depression Epidemic:How to Find Morale ,Energy,and Community in a World Gone Crazy.

