الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

تعرضت سوق الصكوك، أو السندات الإسلامية، إلى اختبار عسير خلال الـ 18 شهراً الماضية فبعد خمس سنوات من النمو في الإصدار، والحجم، وشهية المستثمرين، سجل العام الماضي انكماشاً بنسبة 50 في المائة في قيمة الصكوك التي تم إصدارها. وشهد النصف الثاني من عام 2008 والربع الأول من هذا العام إغلاقاً لهذه السوق من الناحية الفعلية.

وبينما كانت الحكومات والشركات من الدرجة الاستثمارية في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا تصدر مبالغ قياسية من السندات في الربعين الأول والثاني من هذا العام، كانت نظيراتها الشرق أوسطية تصدر هي الأخرى – لكن في الأسواق التقليدية وليس في سوق الصكوك.

وكثيراً ما يلقى باللائمة في جفاف هذه السوق على انتقاد شهير وجهه لهيكل صكوك المرابحة عالم الدين البارز، الشيخ تقي عثماني، عام 2008. بيد أن الأمر الذي كان له أثر سلبي أكبر هو أزمة الائتمان العالمية التي ضربت ضربتها بعد ذلك بوقت قصير.

لكن الأشهر الأخيرة شهدت تطورات تدل على وجود تحول كبير في هذه السوق له مضامين عميقة. فقد ظهر مشترون وبائعون جدد في الوقت نفسه الذي اكتشف فيه المشاركون التقليديون مرة أخرى شهيتهم للدَين الإسلامي.

ومن الناحية الفعلية، أعادت الصكوك التي أصدرتها إندونيسيا بقيمة 650 مليون دولار في نيسان (أبريل) افتتاح السوق من جديد. ومنذ ذلك الوقت جمعت البحرين 750 مليون دولار، وبعدها طرقت شركة الكهرباء السعودية باب السوق المحلية لجمع 1.9 مليار دولار عبر طرح صكوك بالريال السعودي.

لكن إذا درسنا تفاصيل هذه الإصدارات لوجدنا أن هناك توجهات جديدة بدأت بالظهور. ولعل أهم هذه التوجهات ظهور الولايات المتحدة مصدرا للمستثمرين في الصكوك.

من الناحية التاريخية، لم يكن للولايات المتحدة وجود بارز في قوائم المستثمرين الذين تتمنى الجهات المصدرة وجودهم. ذلك أن عملية التوعية المطلوبة لإقناع المستثمرين الأمريكيين بشراء فئة الموجودات هذه كانت مستهلكة للوقت ومكلفة جداً، دون أن يكون هناك ضمان لنجاحها. وفي أوقات الرخاء، كان هناك طلب كبير على هذه الصكوك من منطقة الشرق الأوسط ومن آسيا، إذن من كان في حاجة للمستثمر الأمريكي؟ هكذا مضت الحكمة المتصورة.

ورغم ذلك، عندما كان بنك HSBC يسوّق الصكوك السيادية الإندونيسية هذا العام، تلقى طلباً قوياً من المؤسسات الأمريكية دون أي توعية مسبقة بالصكوك.

وما كان ينبغي لهذا الطلب أن يكون مفاجئاً. فقد صدرت الصكوك متقيدة بأحكام المادة A144 التي تسمح بتسويق العملاء الخارجيين في الولايات المتحدة. وكانت هذه الصكوك ثالث إصدار يعرض متقيدا بالمادة المذكورة، وهي تدل على تنامي استعداد الجهات المصدرة لتقديمها في الولايات المتحدة.

وعبر تقيد الصكوك بالمادة A144، تصبح مساوية للسندات التقليدية من حيث التوثيق، والإطار القانوني، ومستويات الإفصاح. والآن الجهات المصدرة للصكوك تتجه الى عمليات طرح متوافقة مع أحكام المادة A144 كأمر بدهي، ما يبشر بخير لهذه السوق.

والولايات المتحدة ليست قطاع المستثمرين الجديد الوحيد الذي دخل على الخط. فقد أصبحت البنوك الاستثمارية الخاصة مهتمة هي الأخرى، خاصة إذا علمنا أن 10 في المائة من إصدارات الصكوك تكتتب فيها هذه الفئة. ولعله من غير المفاجئ أن يجد المستثمرون أن هناك جوانب مغرية في الصكوك، في ضوء تذبذب فئات الموجودات الأخرى. لكن على غرار قاعدة المستثمرين الأمريكيين، فقد ظهرالطلب فجأة.

وأوضح نتيجة نشأت عن دخول هؤلاء المستثمرين الجدد إلى السوق هي مستوى الاكتتابات. فقد تمت تغطية الاكتتاب في الصكوك التي طرحتها البحرين بقيمة 750 مليون دولار خمسة أضعاف ما هو مطلوب، والصكوك الإندونيسية سبعة أضعاف، إذ تلقت التزامات قيمتها 4.6 مليار دولار. وفي كلتا الحالتين سمح هذا الاهتمام القوي للمقترض بإصدار صكوك بأسعار أكثر تشدداً مما ورد في النشرة الإرشادية. وفي حالة البحرين سمح بزيادة الإصدار من 500 إلى 750 مليون دولار. وكان الإقبال على الصكوك التي أصدرتها شركة الكهرباء السعودية أكبر، إذ تلقت التزامات تزيد قيمتها على 20 مليار ريال سعودي (5.3 مليار دولار).

إذن، ما الذي يمكن أن نستخلصه من هذه التطورات وكيف ننظر إلى تطور السوق؟ أولاً، سيصدر مزيد من الصكوك وفقاً لأحكام المادة A144 التي يعمل توثيقها ومستويات شفافيتها على تعزيز الطلب من مختلف البلدان والمستثمرين.

ثانياً، ستصبح الولايات المتحدة هدفاً رئيسياً لمصدري الصكوك. ومع زيادة معرفتها بفئات هذه الموجودات، ستتسع قاعدة المستثمرين.

أخيراً، ظهور البنوك الاستثمارية الخاصة يفتح الباب على شريحة أخرى من المستثمرين تتطلب هي الأخرى أن يتم التسويق في أوساطها ومراعاة أسلوب عملها. وهذه التطورات تعني أن سوق الصكوك عادت بقوة.

الكاتب مدير أسواق مال الدين في «إتش إس بي سي أمانة» HSBC Amanah.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية