اشترى المزارع Mulualem Tegegn حمار العام الماضي. وباعتباره مزارعا إثيوبيا يعمل بجد ويبلغ الثامنة والخمسين من العمر، كان يعتبر شراء الحمار عودة إلى الأوقات الأفضل بعد عدة مواسم أجبره فيها الجفاف وارتفاع الأسعار على بيع ماشيته وإخراج أحفاده من المدرسة للعمل في المزرعة. وسيكون لديه هذا العام ما يكفي من الحبوب لشراء عنزة أو اثنتين، وسيساعد الحمار في نقل الأطفال إلى المدرسة البعيدة. هكذا يفترض أن تكون الأمور.
وقد ارتفعت أسعار الغذاء العالمية في عام 2007 - 2008، مما دفع بمئات الملايين من الناس إلى الفقر. ولكن كان هناك –كما قال الناس في ذلك الوقت- جانب مشرق: الأسعار المرتفعة ستكون مفيدة للمزارعين، خاصة صغار المزارعين في الدول الفقيرة مثل Tegegn. والعائدات الأعلى ستجتذب الأموال إلى الزراعة، مما يؤدي إلى زيادة الغلة والمحاصيل وثبات أو انخفاض أسعار الغذاء. وفي النهاية، وفقا لهذا الافتراض، سيكون المزارعون والمستهلكون أفضل حالا.
وكان يبدو أن هذا الوضع السعيد سيتحقق في النصف الثاني من عام 2008. فقد أبلغت إثيوبيا عن محصول حبوب كبير جدا في كانون الثاني (يناير) الحالي، بزيادة 10 في المائة عن العام السابق. وكانت الصورة مماثلة في جميع أنحاء العالم. فبعد الارتفاع الكبير للأسعار في النصف الأول من عام 2008، حصد المزارعون 2.3 مليار طن من الحبوب عام 2008/2009، وهو أكبر محصول على الإطلاق. وبدأت كبرى الدول المصدرة برفع الحظر التجاري الذي فرضته لمنع الأسعار المحلية من الارتفاع، لذا أصبحت المزيد من المواد الغذائية متاحة للأسواق العالمية. وأسهم الانخفاض الحاد في سعر النفط، الذي حدث في الوقت نفسه، في زيادة الإمدادات الغذائية لأنه حين أصبح النفط أرخص من الإيثانول، شجع ذلك المزارعين على بيع الذرة كغذاء والتي كان سيتم بغير ذلك تحويلها إلى وقود حيوي. وزادت الإمدادات الغذائية (وتوقف الطلب بسبب الركود العالمي)، وانخفضت الأسعار. وبين ذروتها في تموز (يوليو) ونقطة الحضيض التي وصلت إليها في كانون الأول (ديسمبر) 2008، انخفض مؤشر أسعار الغذاء لـ " الإيكونوميست" بنسبة 40 في المائة.
وكل هذا يبدو عقلانيا ومشجعا إلى حد ما. إلا أن التغييرات التي حدثت هذا العام كانت مثيرة للحيرة. وبين كانون الأول (ديسمبر) ومنتصف حزيران (يونيو)، انتعش مؤشر الغذاء بنسبة الثلث، على الرغم من أنه من المتوقع أن يكون إجمالي محصول الحبوب لهذا العام كبيرا أيضا (2.2 مليار طن كما تقول منظمة الأغذية والزراعة). ومن جهة أخرى، ارتفعت أسعار فول الصويا والسكر بنسبة النصف تقريبا من نقطة الحضيض إلى الذروة وارتفع أيضا مؤشر "المحاصيل غير الغذائية" (نباتات مثل القطن أو المطاط) بنسبة الربع بين كانون الأول (ديسمبر) ومنتصف حزيران (يونيو). وترتفع الأسعار في وقت الوفرة.
ليس من المفترض أن تكون الأمور هكذا
وقد يكون هذا مفهوما لو كان يحدث أثناء فترة ازدهار. إلا أن الركود يخفض عادة ارتفاعات الأسعار. فما الذي يفسر إذن تضخم أسعار الغذاء مرة أخرى؟ وهل يعني هذا عودة ما يسمى أزمة الغذاء العالمية؟
هناك مجموعتان من التفسيرات: العوامل الدورية - سمات من الدورة الزراعية والاقتصاد العالمي التي تتقلب من موسم إلى آخر- والعوامل المادية طويلة الأجل. وتشمل التأثيرات الدورية إعادة التخزين: تم استنفاذ مخزونات الحبوب حين ارتفعت الأسعار وتحتاج الآن إلى تجديدها. وفي عامي 2006 و2007، انخفضت المخزونات إلى أقل من 450 مليون طن، أي نحو 20 في المائة من الاستهلاك؛ وعادت الآن لتصبح أكثر من 520 مليون طن، أو 23 في المائة. وهذا أحد مصادر الطلب الجديد. وهناك مصدر آخر يأتي من الإيثانول. فمع ارتفاع أسعار النفط، أصبح الإيثانول تنافسيا من جديد (كقاعدة عامة، الإيثانول مربح حين تكون تكلفة البنزين 3 دولارات للغالون في أمريكا، وهو المستوى الذي تم بلوغه في كاليفورنيا). وأسهم كذلك انخفاض الدولار وأسعار الشحن في إبقاء تكاليف العملات المحلية لاستيراد طن الحبوب أقل من الأسعار العالمية بالدولار. وشجع هذا الكثير من الدول على زيادة الشراء.
وأخيرا، من المحتمل أن يكون انتشار الجوع على نطاق واسع، والناجم عن ارتفاع الأسعار - تقول منظمة الأغذية والزراعة إن مليار شخص سيعانون من الجوع هذا العام - بلغ ذروته بحيث قد يعود الفقراء إلى السوق ثانية لشراء الحبوب. ولعل هذا يبدو مستبعدا، حيث إن المستهلكين الفقراء لم يسبق أن كان لهم تأثير يذكر على أسعار الغذاء العالمية، إلا أن النمو الاقتصادي استمر في أكبر الأسواق الناشئة (خاصة الصين والهند) كما أن الحكومات في معظم أنحاء العالم النامي توسع نطاق برامج المساعدات للفقراء، مثل مخططات تحويل الأموال المشروطة. وقد يكون هذا زيادة الطلب؛ وسيفسر سبب ارتفاع أسعار الحبوب، التي يأكلها الجميع، هذا العام واستمرار انخفاض أسعار اللحوم - طعام الأغنياء والطبقات الوسطى.
أفاع مختبئة
إلا أن أزمة الغذاء عام 2007 - 2008 أظهرت أن أسعار الأغذية لا تتأثر فقط، أو حتى بصورة رئيسية، بالعوامل الدورية. فالسبب الرئيسي في ارتفاعها هو الاتجاهات البطيئة التي لا يمكن عكس مسارها: النمو السكاني؛ التحضر؛ التحول من تناول الحبوب إلى تناول اللحوم في الدول النامية. وليس ثمة ما يشير إلى تراجع هذه الاتجاهات.
ويبلغ عدد سكان العالم حاليا 6.7 مليار نسمة فيما يولد 750 مليون شخص كل عام. وعلى الرغم من أن معدل الزيادة آخذ في الانخفاض، إلا أن الجمود يعني أن مجموع السكان سيواصل ارتفاعه حتى عام 2050، حين يبلغ عدد السكان 9 مليارات شخص. وفي إثيوبيا مثلا تتم ولادة 18 مليون طفل كل عام، وسيرتفع العدد إلى 24 مليون شخص بحلول عام 2040. وسيضاعف هذا عدد سكانها من 80 مليون نسمة إلى 160 مليون نسمة.
وتعتقد منظمة الأغذية والزراعة أنه لمواكبة هذا العدد يجب أن تزيد كمية الغذاء المتاح في الدول النامية بنسبة النصف بحلول عام 2050، أي ما يعادل زيادة بنسبة 70 في المائة في إنتاج الغذاء العالمي. وإذا لم يحدث هذا، يخشى Joachim von Braun، رئيس المعهد الدولي لأبحاث السياسات الغذائية في واشنطن العاصمة، أن تعود النزاعات على الغذاء التي حدثت عام 2007-2008 وتسببت بأعمال شغب في أكثر من 60 دولة وفي الشروع بالاستيلاء على الأراضي بصورة مثيرة للجدل في جميع أنحاء العالم- اندفاع الدول الغنية المستوردة للغذاء لشراء مساحات واسعة في إفريقيا وجنوب شرق آسيا لزراعة الطعام عليها. وحتى لو تمت زيادة الإنتاج ولكن بطريقة "خاطئة"، فقد تحدث مشكلات بما أن المياه في بعض المناطق أصبحت نادرة، وزيادة إنتاج الأغذية سيجعلها أكثر ندرة.
ويقول Alexander Mueller، من منظمة الأغذية والزراعة، إن الطريقة الصحيحة هي أن يزيد المزارعون في الدول الفقيرة غلتهم. وسيكون هذا أفضل للدول نفسها، بما أنه سيجعلها أكثر ثراء. وسيكون أيضا أفضل للعالم لأن احتمالية زيادة الغلة ستكون أكبر في المناطق التي تنخفض فيها الآن، خاصة في إفريقيا. وفي الوقت الراهن، تبلغ غلة الحبوب في إفريقيا نحو طن للهكتار الواحد، مقارنة بثلاثة إلى أربعة أطنان في أوروبا وآسيا الغنية. ومن المفترض أن يكون من السهل الحصول على طن إضافي للهكتار الواحد عن طريق زيادة الغلة الإفريقية إلى 2 طن للهكتار الواحد بدلا من زيادة الغلة الأوروبية أو الغلة في شمال شرق آسيا الكبيرة أصلا (المياه أكثر وفرة في بعض أنحاء إفريقيا أيضا). وبالتالي فإن الأمل هو أن تحث الأسعار المرتفعة في عام 2007-2008 المزارعين في الدول الفقيرة على الاستجابة عن طريق زيادة الغلة. وللأسف ليس هناك ما يشير إلى حدوث ذلك حتى الآن.
الخسارة في كلتا الحالتين
وقد جاءت معظم الزيادة في إنتاج الحبوب عام 2008 من الدول الغنية: زاد الحصاد في تلك الدول 11 في المائة. ولم تزد النسبة عن 1 في المائة في الدول النامية؛ وباستثناء الصين والهند والبرازيل، نجد أن إنتاج الحبوب في الدول الفقيرة انخفض فعليا. وبالتالي، في حين أن الفقراء هم الذين تحملوا تكاليف أزمة الغذاء، زادت فوائد المزارعين في الدول الصناعية. ولم تكن هناك دلائل في أي مكان تشير إلى ارتفاع الغلة (الناتج للدونم الواحد). وزادت المحاصيل لأن المزارعين أخذوا المزيد من الأراضي لحراثتها.
وألغى الاتحاد الأوروبي برنامج كان قد أجبر المزارعين على ترك 10 في المائة من أراضيهم دون زراعة؛ وألغت الصين مخططا كان قد سمح بتحويل جزء بسيط من الأراضي الصالحة للزراعة إلى غابات. وأسهمت هاتان الخطوتان في زيادة مساحة الأراضي الزراعية. ولم يكن هذا سيئا بحد ذاته، وكان أسرع طريقة لزيادة الإنتاج. ولكنه خطوة أولى فقط. فلا يمكن زيادة إنتاج الغذاء العالمي بنسبة 70 في المائة فقط عن طريق زيادة المساحة: ليس هناك ببساطة مساحات كافية من الأراضي غير المستغلة التي يمكن استخدامها.
وعدم استجابة المزارعين في الدول الفقيرة لمؤشرات الأسعار لا يعني أنهم لا يدركونها، بل إن الإشارات التي يحصلون عليها غالبا ما تكون مشوشة أو صامتة. وفي الكثير من الأحيان، لم يكن يتم دفع السعر العالمي بالكامل للمزارعين لقاء محاصيلهم، لأن الحكومات كانت عازمة على إبقاء الأسعار المحلية منخفضة من أجل التخفيف عن المستهلكين الذين يتعرضون لضغوط شديدة. ومنعت بعض الحكومات صادرات الغذاء أيضا.
وحتى في الدول الغنية، يستجيب المزارعون للكثير من الأمور إلى جانب أسواق الغذاء. خذ مثلا أسعار النفط: فهذه الأسعار (والإعانات الحكومية) تحدد كمية الذرة التي ستتم زراعتها للإيثانول. ويؤثر هذا بدوره في مساحة الأراضي المزروعة بفول الصويا، الذي يعتبر مثل الذرة تماما بالنسبة للمزارعين الأمريكيين. ويستجيب المزارعون أيضا لتدفق رأس المال الاستثماري إلى الزراعة نتيجة للانهيار المالي العالمي. فالغذاء يقاوم الركود، وبالتالي فإن الزراعة هي أحد القطاعات الأقل تضررا من التباطؤ العالمي. ويقول Abdolreza Abbassian من منظمة الأغذية والزراعة إن تزايد الروابط بين الزراعة وأجزاء أخرى من الاقتصاد يصعّب على المزارعين حساب ربحية أي محصول مقدما، لذا فإن المنطقة التي يزرعونها تميل للتقلب بصورة أكثر حدة من عام إلى آخر. وقد أصبحت الزراعة- كما أظهر العامان الماضيان- قطاعا أكثر تقلبا، سواء من حيث الأسعار أو المساحات المزروعة.
وظاهريا، كانت الأسواق العام الماضي تتكيف كما تتنبأ النظرية الاقتصادية بالضبط: ارتفعت الأسعار، مما اجتذب الاستثمار إلى المزارع؛ ثم زادت الإمدادات زيادة حادة، مما تسبب في خفض الأسعار. إلا أن هذا لا يعبر عن القصة كلها. فتقلبات الأسعار في الأعوام 2007 - 2009 تشير إلى زيادة عدم اليقين في عالم الزراعة تحت تأثير أسعار النفط وتدفقات رأس المال. وتوخي حقيقة أن الأسعار لا تزال أعلى من متوسطها لعام 2006، حتى في فترة الركود. إن الارتفاع عام 2008 لم يكن يعكس فقاعة فقط- بل عدم توافق حقيقي بين العرض والطلب. وتعني زيادة الأسعار لهذا العام أن معالجة عدم التوافق الكامن هذا سيستغرق وقتا طويلا. ويقول Abbassian: "لا أعتقد أن أي شيء قد تغير بشكل جذري. وهذا يعني أننا لا نستطيع العودة إلى حيث كنا في عام 2007".
