صفعات أخرى لنظرية السوق الفاعلة

توني جاكسون
بصفتي شخصاً طالما انتقدت إخفاقات نظرية السوق الفاعلة منذ عهود، فإنني منزعج قليلاً بسبب المجموعة الأخيرة من المقالات التي تأخذ المنحى ذاته. لذا ومن منطلق التحدي، دعوني أغير صيغة السؤال رأساً على عقب.
ما الخطأ في نظرية السوق الفاعلة على أية حال؟
لاحظ أولاً، أن توقيت هذه المقالات لا يدعو إلى الدهشة، فالشكوك في كفاءة الأسواق عموماً تأتي في أعقاب الفقاعات. وأول انتشار أتذكره شخصياً – وربما أنني أكشف عن فترة شبابي هنا – جاء في أعقاب الانهيار في الأسواق الذي حدث عام 1987.
في مثل تلك الأوقات، فإن أولئك الذين تم تركهم وهم يحملون الحقيبة، يوجهون اللوم بطبيعة الحال إلى عدم عقلانية السوق لأنها دفعت الأسعار إلى الأعلى كثيرا. غير أن العكس لا يحدث. فحين نحقق ربحاً كبيراً وسريعاً في سوق مرتفعة، فإننا نعتمد على ذكائنا الخاص، وليس على عدم عقلانية الأسعار لأنها كانت متدنية للغاية.
وعلى نحو أكثر عمومية، حين نتحدث عن الأسواق الفاعلة علينا أن نحذر من أوهام معينة. أحدها أن النظرية تدّعي أن سعر السوق "مناسب". وفي واقع الأمر إنها تدعي فقط أن من المحتمل أن يكون السعر أعلى من أي بديل آخر متوافر.
سأعود إلى ما تعنيه كلمة "مناسب". وفي الوقت نفسه تتضمن النظرية أيضاً أن أسعار السوق تمثل إجمالي المعلومات كافة. وفي واقع الأمر أنها تمثل المتوسط فقط.
كي نأخذ مثالاً بسيطاً، دعونا نفترض أنني عرضت شراء صورة منك، وأنا أعرف (وأنت لا تعرف) أن لدي مشتر سيدفع ضعف السعر الذي أدفعه لك. أنت تقبل، لمعرفتك (وأنا لا أعرف)، أن الصورة مزيفة.
في هذه السوق تحديداً، الطرفان ليس لديهما المعلومات الكاملة. لكن هذا الأمر غير مهم. ويتابع كلاهما على أساس ما يعرفانه، ويظهر سعر ما.
هناك تأثير مماثل يعمل في الوقت ذاته، وهو ما يطلق عليه التوقعات بالإجماع. فإذا قال الإجماع إن "أ" سيحقق ربحاً مقداره 1.95 دولاراً مقابل السهم، فإن ذلك ببساطة متوسط توقعات المحللين. وبناءً عليه، بعيداً عن أولئك المحللين الذين يوافقون على ذلك، لا أحد يتوقع 1.95 دولاراً على الإطلاق.
يمكن المجادلة بالقول إنه إذا كان سعر السوق مجرد متوسط فقط، فيجب أن يكون معروفاً لأي شخص لديه معلومات أفضل من مجرد متوسط المعلومات كي يتمكن من هزيمة السوق. ولاحظ أننا لا نتحدث هنا عن معلومات داخلية، مجرد فهم أفضل لما هو معلن.
هذا الادعاء أبدته مجموعة البنوك الاستثمارية الأولى التي باعت أكبر كمية من الإصدار، على أساس أنها تستنبط ميزة من معرفة أكثر من أي جهة أخرى من عدد كبير من البنوك والشركات الأخرى في أسواق العالم.
استنادا إلى ذلك تأتي حقيقة أن مكاتب تداول العقارات في البنوك ازدهرت خلال فقاعة الائتمان. وحين جاء الانهيار، تضررت تماماً.
ثمة اعتراض منفصل إزاء الأسواق الفاعلة، وهو ما يمكننا أن نطلق عليه تأثير وارن بوفيت – حقيقة أن عدداً قليلاً من الأفراد أثبتوا أن بإمكانهم هزيمة السوق مع مرور الوقت.
على نحو ما، بدا لي ذلك على الدوام، وإلى حد كبير، أمرا لا يمكن اعتباره غير ذي علاقة أو غير صحيح. فبإمكان عدد كبير من الأشخاص في العالم أن يعزفوا على البيانو بعد عرض أزياء، لكن قلة قليلة فقط بإمكانها أن تعزف مقطوعة ليسزت "دراسات غامضة" Transcendental Studies.
لذلك بالنسبة لعازفي البيانو بشكل عام، يعتبر الواقع العملي هو أن تلك الدراسات لا يمكن عزفها، بغض النظر عن أن شخصاً ما في مكان ما يمكنه عزفها. فإذا لم تكن من تلك القلة، فإنك تهدر وقتك في المحاولة.
غير أن حجة بوفيت يمكن أن تكون ذات علاقة في المعنى الأوسع نطاقاً، وتشويقاً. لكن بشرط أن يكون سعر السوق مناسباً. لكن أيضا مناسب لمن، ومتى؟
يمكن صياغة السؤال بشكل مختلف. فمن الواضح أن المشاركين في السوق الذين حددوا بشكل جماعي الأسعار كان هدفهم تحقيق الأرباح، أو تفادي الخسائر. لكن في أي سياق، وبناء على أي جدول زمني؟
في فقاعة الائتمان، مرة أخرى، جميع فئات الضمانات كانت مدفوعة بالاستدانة، وهيمنت بقوة صناديق الأموال السريعة، ومكاتب تداول العقارات على التداول بحيث كانت هذه الجهات هي التي تحدد الأسعار بشكل فعال. وفي ضوء ذلك الأسعار الناتجة كانت مناسبة طالما بقيت الاستدانة قائمة، لكن ليس بعد ذلك.
بالنسبة لمؤسسات الأموال الحقيقية، كانت تلك الأسعار خاطئة. لكنها لم تكن سريعة الحركة بما يكفي لتحديها، وبناءً عليه بقيت الأسعار قائمة لفترة من الوقت.
تعاني المؤسسات من تشوهات خاصة بها. ففي فقاعة التكنولوجيا مثلا، كان مديرو الصناديق المنطقيون يعرفون أن الأسعار المدرجة لأسهم شركات الإنترنت مجنونة. لكن تعين عليهم شراؤها على أية حال، كون الطفرة استمرت سنوات عدة وكانت تقاس بأدائها الربعي.
في ذلك السياق، لمع بوفيت – ليس فقط لأنه كان ذكياً بما يكفي كي يبقى بعيداً، بل لأنه لم يفسح أمامه المجال للتورط.
هذا هو الإخفاق الجوهري في نظرية الأسوق الفاعلة. فلا يمكنك أن تهزم السوق اليوم أو في الأسبوع المقبل، لكنك تستطيع أن تهزمها في الأجل الطويل، شرط ألا تريد ما يريده العاديون – أو ليس في الوقت ذاته على أية حال.






لا يوجد تعليقات