الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

بؤرة الأزمة وصناع القرار

جراتسيانا ديل كاستيللو
الأحد 5 يوليو 2009 4:23

يناقش صناع القرار السياسي والصحافيون الأزمة المالية العالمية والحرب في أفغانستان والعراق عادة وكأن الأمرين يحتلان مسارين متوازيين. إلا أن الارتباط قوي ووثيق بين الأزمة المالية التي يشهدها العالم اليوم وأزمة الشؤون الخارجية. والواقع أن الطريقة التي سعى بها العالم إلى حل الأزمة المالية تقدم لنا رؤى مثيرة للاهتمام بشأن الكيفية التي ينبغي علينا أن نتعامل بها مع أزمة الشؤون الخارجية.

إن أزمة الشؤون الخارجية الحالية ترجع إلى ما هو أبعد كثيراً من أفغانستان والعراق. والحقيقة أن سجل البلدان التي تنتقل من الصراع إلى السلام الهش من خلال التدخل العسكري أو التسويات القائمة على التفاوض كئيب للغاية: ذلك أن ما يقرب من نصف هذه البلدان يعود إلى الصراع من جديد، الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من المآسي الإنسانية والمزيد من اللاجئين. فضلاً عن ذلك فإن الدول الفاشلة تعمل كحواضن للإرهاب، وتجارة وتهريب المخدرات والبشر، والقرصنة، وغير ذلك من الأنشطة غير المشروعة. أما الغالبية العظمى من بلدان النصف الآخر التي تظل محافظة على السلام فينتهي بها الحال إلى الاعتماد على المساعدات الخارجية ـ وهو نموذج غير قابل للدوام في سياق الأزمة المالية العالمية.

لقد تسببت هاتان الأزمتان في قدر هائل من المعاناة الإنسانية في مختلف أنحاء العالم: فخسرت مئات الأسر معيليها وأحبائها في الحروب، وخسر الناس وظائفهم وسبل عيشهم وأصولهم ومعاشات تقاعدهم وأحلامهم بسبب الأزمة المالية، هذا فضلاً عن تفاقم الأوضاع سواءً فيما يتصل بالأمور المالية والديون في أغلب البلدان الصناعية. ونتيجة لهذا فإن دافعي الضرائب في البلدان المانحة يطالبون بالمزيد من الشفافية والمساءلة فيما يرتبط بالكيفية التي تنفق بها الحكومات أموالهم سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي ـ وهذا حق لا ينبغي لأحد أن ينازعهم فيه.

وهناك صلات ملحوظة بين الأزمتين. فقد أسهمت الحرب في العراق جزئياً في ارتفاع أسعار النفط من 35 دولاراً للبرميل في عام 2003 إلى 140 دولاراً في عام 2007. ولقد فرضت هذه الزيادة ضغوطاً على أصحاب العمل والمستهلكين، كما شكلت عاملاً رئيساً في ارتفاع أسعار المواد الغذائية على مستوى العالم. ومع استمرار الأسعار في الارتفاع وتزايد الضغوط المرتبطة بالركود، فقد عجز العديد من مالكي المساكن عن تسديد أقساط رهنهم العقاري. وكان الرهن العقاري الثانوي في الولايات المتحدة أول ضحايا الأزمة المالية، التي انتشرت إلى غيره من القطاعات بعد ذلك.

إن كلاً من الأزمتين يتطلب نوعاً من القرارات السياسية التي تبتعد عن أسلوب "العمل كالمعتاد". ذلك أن الأمر يحتاج إلى تبني سياسات طارئة قصيرة الأمد للتعامل مع معدلات البطالة المرتفعة، وحالات حبس الرهن العقاري، وإفلاس الشركات والأعمال التجارية، فضلاً عن التعامل مع الجوع والمرض وعدد من المحن الأخرى في كثير من الأحيان. إن السياسات الطارئة أو الإنسانية قد تساعد في تحسين الاستهلاك الأساسي في الأمد القريب، ولكنها قد تعمل أيضاً على تثبيط الاستثمار، وزيادة معدلات التضخم، وانخفاض التوقعات الاقتصادية في الأمد البعيد. ونتيجة لهذا فلابد من وقف هذه السياسات في أقرب وقت ممكن.

إن التعافي من كل من الأزمتين سيتطلب إعادة بناء الهيكل الاقتصادي من أجل خلق فرص العمل. وإضافة إلى إعادة هيكلة القطاع المالي فإن برامج الإنعاش في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرهما من البلدان الصناعية الأشد تضرراً بالأزمة المالية لابد وأن تشتمل على برامج إغاثة لمالكي المساكن وأصحاب المشاريع التجارية، وإنشاء الوظائف عن طريق الاستثمار في مشاريع البنية الأساسية، وتقنيات الطاقة النظيفة، وتحسين الرعاية الصحية والتعليم.

ومن الأهمية بمكان ألا تقتصر مشاريع إعادة التعمير في العراق وأفغانستان على إعادة تأهيل الخدمات والبنية الأساسية، بل لابد وأن تشتمل على تأسيس الاقتصاد الكلي، وإنشاء الهياكل القانونية والتنظيمية اللازمة لصنع القرار على نحو فعّال. ولتجنب استمرار الصراع والاعتماد على المعونات والمساعدات، فإن التركيز الرئيس لالتزامات المعونة الدولية لابد وأن ينصب على إعادة تنشيط المشاريع التجارية الصغيرة والترويج للشركات البادئة في العديد من القطاعات من أجل خلق اقتصاد قابل للاستمرار وتمكين الناس من اكتساب أسلوب حياة قانوني يعينهم على العيش الكريم.

على الرغم من الجوانب المشتركة بين التوجهات الساعية إلى حل هاتين الأزمتين إلا أن التناقض بينها كان صارخاً. ففي حين خضعت البرامج التي تبنتها البلدان الصناعية والبلدان ذات الاقتصاد الناشئ في معالجة الأزمة المالية لمناقشات واسعة النطاق على المستويين الوطني والدولي، فقد ركزت المناقشة بشأن أفغانستان والعراق على القضايا العسكرية والأمنية، وتجاهلت الحاجة إلى بذل جهود كبرى في مجال إعادة التعمير.

ومن المثير للاهتمام أنه على الرغم من وعي أغلب الأمريكيين بمبلغ الـ 700 مليار دولار الذي خُـصِّص لإعادة هيكلة البنوك، ومبلغ 787 مليار دولار المخصصة لحزمة التحفيز، إلا أنهم لم ينتبهوا كثيراً إلى مبلغ التريليون دولار الذي أنفق على حربي أفغانستان والعراق. ويفترض العديد من الناس أن التكاليف باهظة لأن إعادة التعمير مكلفة بطبيعة الحال. غير أن 6 في المائة فقط من هذا المبلغ تم تخصيصها لإعادة التعمير وغير ذلك من برامج المعونات. أما ما تبقى من المبلغ فقد خُـصِّص لوزارة الدفاع الأمريكية كمكمل لميزانيتها السنوية، والتي كانت تراوح بين 500 إلى 650 مليار دولار في الأعوام الأخيرة.

يتعين على زعماء العالم أن يدركوا أن زيادة الاستثمار في إعادة التعمير، إلى جانب تبني استراتيجية شاملة ومتوازنة لضمان المساءلة والسياسات القانونية الملائمة لتشغيل العمالة، كان من شأنها أن تمنع مثل هذه النفقات العسكرية الهائلة، سواء في العراق منذ عام 2006 أو في أفغانستان منذ الإطاحة بحكومة طالبان في عام 2001.

وكما أدار زعماء العالم المناقشة العالمية بشأن السياسات الرامية إلى حل الأزمة المالية، فيتعين عليهم أن يؤسسوا لمناقشة عريضة القاعدة بشأن مشاركة المجتمع الدولي في المستقبل في أفغانستان والعراق، وغيرهما من البلدان التي مزقتها الحروب، حيث يحتاج الأمر إلى تحسين مستويات المعيشة من أجل منح السكان المحليين حس المشاركة في عملية السلام. كما يتعين على المجتمع الدولي أن يدرك أن العمليات العسكرية والأمنية وعمليات حفظ السلام مكلفة ولن يتسنى لها النجاح في غياب الاستراتيجيات الجديدة والمبتكرة والمتكاملة لإعادة بناء الاقتصاد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية