الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

«الإنترنت» تضع الحكومات غير وشبه الديمقراطية في موقف الدفاع

السبت 4 يوليو 2009 5:42
«الإنترنت» تضع الحكومات غير وشبه الديمقراطية في موقف الدفاع

في وسائل الإعلان القديمة تعاني التقنية سمعة سيئة. في الكتب والأفلام غالباً ما تكون التقنية هي الآلية التي تستخدمها الحكومات لقمع الجانب الفردي في الإنسان.

رواية جورج أورْوِل التي تحمل العنوان ''1984'' تجري أحداثها في دولة قمعية خيالية، وكانت وزارة الحب تستخدم الشاشات الكبيرة لمراقبة سكان منطقة أوشينيا (مجموعة جزر متناثرة في جنوب غرب المحيط الأطلسي): ''أصغر شيء يمكن أن يدُلَّ عليكم. طرقة بنوع من التوتر، نظرة غير واعية من القلق، أن تعتاد التمتمة إلى نفسك، أي شيء يحمل معه ما يوحي بالشذوذ أو بوجود أمر تريد إخفاءه.''

في فلم ''المحادثة''، الذي أخرجه فرانسس فورد كوبولا في عام 1974، يمثل جين هاكمان دور خبير مراقبة وجد نفسه جزءاً من مؤامرة لارتكاب جريمة حين كان ينصت على زوجين شابين. وقد مثل هاكمان في عام 1998 فلماً آخر بعنوان ''عدو الدولة''، حول مجموعة من العملاء الحكوميين الفاسدين، يستخدمون الأقمار الصناعية ومراقبة الهواتف لاصطياد وقتل الناس.

خلال هذه الفترة هناك أمر مضحك أصاب الأوضاع السيئة التي تنتج عن التقنية الرقمية. فالإنترنت، التي هي أبعد ما يكون عن كونها أداة للقمع، أصبحت السبيل الذي تقوم الناس من خلاله بالتخلص من رقابة الدولة.

الإنترنت وضعت الحكومات في البلدان غير الديمقراطية وشبه الديمقراطية في موقف الدفاع. كانت هذه الحكومات قادرة على التحكم في حركة المعلومات، على التلفزيون وفي الصحف، بسهولة نسبية. لكنها تشعر الآن بالإحباط من قدرة أي شخص لديه هاتف جوال أو كاميرا فيديو على البث حسب رغبته.

''توِيتر'' Twitter ، وهي شبكة اجتماعية تتيح لأي شخص وضع رسائل قصيرة على الإنترنت بحدود 140 حرفاً، هي أقل ظاهرة من ظواهر الإنترنت يمكنها أن تقذف بالقوة في أيدي المواطنين. لكنها في إيران كانت برميل البارود الذي أشعل شرارة الثورة بين مؤيدي حسين موسوي، المرشح الرئاسي الذي خسر الانتخابات، وحولها إلى مظاهرات واحتجاجات ضد نتيجة الانتخابات.

لكن لا تستبعد الاستخدامات القمعية للتقنية. كل من يتابع رسائل ''توِيتر'' أو يتابع التطورات على شبكة ''فيس بوك'' Facebook حول الاحتجاجات الشعبية في إيران أو الصين، أو يقوم بتحميل أفلام فيديو قصيرة على موقع ''يو تيوب'' YouTube، فإنه يعطي إشارة حول ميوله الثورية. هذا ليس فقط خبراً جديداً للمفكرين الأحرار، ولكنه أحد مصادر الاستخبارات التي يمكن أن تعتمد عليها الأجهزة الأمنية في الدول.

لا يوجد أي خلاف على أن الإنترنت وظهور خدمات الإعلام الاجتماعية مثل ''تويِتر'' كان من شأنها تغيير ميزان القوى بين الحكومات والمواطنين. هذا أمر واضح في كل من إيران والصين، حيث تجهد كل منهما مع سياستها بالسماح بالوصول إلى الإنترنت وفي الوقت نفسه تعمل على غربلة ومراقبة حركة المعلومات.

أحدث مبادرة للصين كانت إصرارها على أن كل جهاز حاسوب شخصي يباع في الصين يجب أن يأتي مزوداً ببرنامج ''السد الأخضر لرعاية الناشئين''، الذي يمنع ظهور المواقع الإباحية أو التي تشتمل على مواد عنيفة. ومنذ ذلك الحين أخذت الحكومة تتهاون في الشدة التي تريدها في فرض استخدام البرنامج.

مصادر الأخبار التقليدية يمكن السيطرة عليها على نحو أسهل من السيطرة على الإنترنت، التي تتسم بوجود عدد لا يحصى من المقالات والأفلام والمدونات اليومية. يمكن وقف دخول إشارات البث الإذاعي والتلفزيوني، ويمكن للرقابة أن تمنع نشر مقالات معينة غير مريحة للحكومة، (وأحياناً يتم قصها من الصحيفة بالمعنى الحرفي)، ويُفرَض على الصحفيين الأجانب البقاء في غرف فنادقهم أو مواجهة الترحيل.

الوسائل الفجة التي من هذا القبيل ليس من السهل تطبيقها على الإنترنت. في مؤتمر لمجموعة التقنية والترفيه والتصميم، قال كلاي شيركي، وهو مؤلف ومستشار حول تقنية الإنترنت: ''إن جيلنا يمر الآن بأكبر زيادة في القدرة التعبيرية في تاريخ البشرية''.

وقال شيركي إن شبكة الإنترنت فريدة في تاريخ ابتكارات الإعلام والتقنية، مثل الهاتف والتلفزيون، من حيث إنها تتيح إمكانية الجمع بين القدرة على الاتصال والبث (وهو بالمناسبة ما كانت تقوم بها الشاشات الكبيرة في رواية أورْوِل). يستطيع الناس بمنتهى السهولة واليسر الانتقال بين التحدث مع أحد الأصدقاء، أو مع مجموعة من الأصدقاء، أو البث للملايين. هذا يؤدي إلى تعقيد مهمة الرقيب أضعافاً مضاعفة، نظراً للكم الهائل من المواد التي ينتجها المواطنون والتي تزيد بما لا يقاس على ما كانت تبثه وسائل الإعلام المتخصصة. في إيران تعتبر شبكة ''توِيتر'' من وسائل الإعلام ليس فقط للتعبير عن الغضب وإعطاء عناوين مواقع الإنترنت ونشر الصور والأفلام، وإنما هي تستخدم كذلك لتنظيم المظاهرات.

في عام 1995 تنبأ نيكولاس نيجروبونتِه، وهو أستاذ في معهد ماساتشيوسيتس للتقنية، بظهور ''ذي ديلي مي'' The Daily Me، التي هي كناية عن الصحيفة اليومية المخصصة لكل مواطن بحسب اهتماماته. لكال هذا يُغفِل أكثر الجوانب ثورية في التقنية، وهو أن بإمكان أي شخص أن ينشر صحيفة يومية مليئة بالأخبار عن نفسه.

الحياة اليومية لمعظم الناس لا تثير اهتماماً كبيراً لدى الناس الآخرين، وهذا هو السبب في أن المدونات اليومية لا يقرأها إلا قلة من الناس. مع ذلك يحدث أحياناً حين يضرب زلزال إحدى مقاطعات الصين، أو حين يبدو أنه تم التلاعب في أحد الانتخابات في إيران، يستطيع المواطنون أن يتحولوا إلى صحفيين، مع ما يصاحب ذلك من نتائج بالغة القوة.

الأحداث التي جرت في إيران تغرينا بالنظر إلى التقنية الرقمية على أنها قوة خالصة تسهم في انعتاق الناس. في عام 1993 أغضب روبرت ميردوخ الصين حين أكد أن ''التطورات في تقنية الاتصالات تثبت وجود تهديد واضح تماماً للأنظمة الشمولية في كل مكان''، ولكن وجهة نظره هي الآن الحكمة السائدة بين الجميع.

حتى الآن تبين أن هذا أمر صحيح. ولكن التقنية محايدة، فالقوة الموجودة الآن بين أيدي المواطنين الذين يستطيعون إرسال رسائل قصيرة حول نشاطاتهم السياسية يمكن في المستقبل أن تستخدمها الحكومات ضدهم. حين يأخذ المواطنون بالبث، فإنهم يعرِّفون أنفسهم على أنهم من المتمردين ويتركون بصمات أصابعهم الرقمية على الشبكات. وهذا حدث بطبيعة الحال للطرفين في إيران. فقد وُضِعت أفخاخ لمؤيدي موسوي لدفعهم للإفصاح عن أسمائهم الحقيقية، كما أن موضوع إيران على شبكة ''تويِتر'' مليء بالتحذيرات التي تنبه الإيرانيين من إعطاء معلومات تكشف هويتهم.

في المستقبل ستقوم أجهزة المراقبة بأكثر من ذلك. أجهزة أمن الدولة متخلفة عن وادي السليكون من حيث الابتكارات الرقمية، ولكنها قادرة على هذه الابتكارات حين يكون هناك ضغط عليها. الأنظمة الأخرى ستتعلم الدرس من مأزق إيران، ومن المرجح أنها ستكون أكثر استعداداً لوقوع الثورة ''التوِيترية'' المقبلة.

في رواية ''1984'' ظن ونستون سميث أنه ضلل مراقبة الشاشات الكبيرة، ولكن الكاميرا كانت بكل بساطة مخبأة خلف إحدى الصور. أجهزة وآلات الحكومة ستكون موجودة دائماً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية