تحدث الأزمات دائماً بحثاً مؤلماً وغاضباً عن الأسباب والمجرمين. والأزمة الحالية ليست استثناء. وأشارت الأصابع إلى المنظمين فاتري الهمة، والمصرفيين والمستثمرين الجشعين، والمستهلكين الساذجين، والسياسيين العاجزين. لكن هناك مجموعة واحدة تفادت التدقيق الحذر هي المجتمع الأكاديمي، وتحديداً دوائر علم الاقتصاد ومدارس إدارة الأعمال. ورغم كل شيء، فإن العديد من الأساسيات الفكرية لأسباب الأزمة الحالية ـ سواء المبتكرات المالية وقابلية تحويل حساب رأس المال، أو تخفيف الأنظمة، أو خيارات الأسهم ـ تجيء من جانب أفضل وألمع الأكاديميين في الولايات المتحدة، وليس من جانب البيروقراطيين في بلدان العالم الثالث المستنزفة. وفي حقيقة الأمر، في الوقت الذي نما فيه حجم ونفوذ القطاع المالي بسرعة بالغة خلال ربع القرن الماضي، فإن مدارس إدارة الأعمال ودوائر الاقتصاد جنت حصاداً غنياً. فالأموال ـ ومعها الرواتب، والهبات، والسلطة المؤسسية ـ تحركت لصالحها.
وفي حين أن هناك اعترافاً واسع الانتشار بأن الأكاديميين (مع قليل من الاستثناءات المهمة) أُخذوا على حين غرة مثل الجميع، يدور القليل من النقاش حول سبب كون الحال كذلك. والسبب المرجح هو نوع المعارف التي يتمتع بها مركز الأكاديمي. كان ينظر إلى المعارف الأساسية للاقتصاد على أنها عتيقة الطراز، وأنشطته غير ملفتة للنظر. وأعادت الأزمة هذا الأمر ليصبح الطراز السائد مرة أخرى، وفي هذا المعنى، فإن الأكاديمية تصحح ذاتها.
السبب المقلق على نحو أكثر والذي يكمن خلف فشل الأكاديميين في الأزمة الحالية، هو طبيعة حوافزهم المالية وتضارب المصالح الناتج عن ذلك ـ لا يختلف عما واجهه العديد في وول ستريت. الأكاديميون أكدوا على الأهمية الحاسمة للحوافز في تشكيل السلوك الإنساني، لكنهم كانوا محجمين عن تسليط الضوء على الكيفية التي يمكن أن يتأثر بها سلوكهم.
هناك عامل واحد تحديداً ينبغي تسليط الأضواء عليه: تضارب المصالح المالية المخفي الذي يواجهه عدد متزايد من الأكاديميين. والعديد منهم، وتحديداً أولئك الذين يأتون من مؤسسات تتمتع بمكانة وسمعة عاليتين، لديهم الآن مصالح تجارية جدية، ومجموعة من الروابط المالية مع المؤسسات ذاتها التي تتناولها دراساتهم. وتراوح هذه المصالح من رسوم محاضرات مربحة، وأدوار استشارية في المؤسسات المالية، وأدوار إدارية، وحصص في شركات الأسهم الخاصة وصناديق التحوط، إلى أدوار غير تنفيذية في الشركات.
كان ينظر إلى هذا التزاوج بين الأفكار والعالم الحقيقي على أنه ميزة كبيرة من جانب الجامعات، وهناك الكثير لإدانة هذه الترتيبات. لكن إذا كانت الحوافز المالية هي التي تشكل سلوك الكائنات البشرية الفانية بشكل محض، ألا يمكنها أن تشكل سلوك الأكاديميين أيضاً. فإذا كان الأكاديمي يكتب ويحاضر بشأن مزايا تحرير حساب رأس المال وإدارة صندوق التحوط الخاص به، فربما يطبق ببساطة أفكاره الخاصة.
لكن من المحتمل على الأقل في مرحلة ما يمكن أن يكون الأمر بالعكس تماماً. ستكون هناك فرصة ضئيلة لدعوة الأكاديمي لإلقاء محاضرة مربحة في سيتي جروب، إذا كان يؤيد مسامحة الديون السيادية في ثمانينيات القرن الماضي، وضد تحرير حساب رأس المال في تسعينيات القرن ذاته، أو ضد خيارات الأسهم في بداية الألفية الثالثة.
يتمحور عمل الجامعات حول الأبحاث والتعليم – ولكنه أصبح أيضاً يتمحور حول تحقيق الأرباح الكبيرة. وهي علاقة تكافلية ولا يجب أن تكون لدى المرء أوهام بشأن مدى صعوبة إنجاز الأمور الأولى دون الحصول على الثانية. وإن اتخاذ المخاطر الفكرية، وتوافر حرية البحث والنشر حول أي موضوع يختاره المرء، والحق في ارتكاب الأخطاء، جميعها أمور تشكل دم الحياة للقطاع الأكاديمي. لكن هل يجب ألا يطلب المرء من الأكاديميين المعايير ذاتها من الشفافية التي نطلبها في أي مكان آخر؟ وهناك سبب جيد لضرورة أن تكون المعايير أعلى بالنسبة للقطاع الأكاديمي: يتمتع أعضاؤه بامتياز نادر على نحو متزايد بالحصول على منصب مدى الحياة. وربما نقوم بالتبشير للحكومات والشركات عن مزايا مرونة سوق العمل، لكننا حذرون إلى حد ما في تطبيقه على أنفسنا. في السنوات الأخيرة تحركت العلوم البيولوجية على نحو مهم كي تضمن شفافية أكبر حين يكون هناك تضارب مصالح محتمل بين الأبحاث والمكافأة المالية، وتوفير آليات للمراقبين للتقرير عن وجود تضارب في المصالح. وعلى نحو مؤسف، هذه المتطلبات ضعيفة للغاية في كليات العلوم الاجتماعية وإدارة الأعمال. وكان المقصود من تولي المنصب مدى الحياة هو ضمان الحرية الأكاديمية، وليس حماية الأكاديميين من التعاملات المالية. إن القطاع الأكاديمي سيبلي بلاءً حسناً إذا ما سأل كيف يجب أن يتغير ذلك.
يحمل الكاتب درجة مادان لال سوبتي للأستاذية في جامعة بنسلفانيا.
