لم أتوقع أن تظهر رسالة بهذا التقشف من قصر فرساي، حيث تحدث نيكولا ساركوزي، رئيس فرنسا، في الأسبوع الماضي، ملخصاً استراتيجيته الاقتصادية لباقي فترة ولايته. لم يدع مجالاً للشك في أنه غير مستعد لاتباع خطى أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، في اتجاه وضع ميزانية متوازنة. وبدلاً من ذلك، ميز بين العجوزات الحكومية "الجيدة" و"السيئة"، ومضى ليشرح أن العجز الجيد دوري، والعجز السيئ هيكلي، ومن ثم ذهب إلى تصنيف آخر: عجز مؤقت من الممكن القضاء عليه بواسطة النمو الاقتصادي الأعلى في المستقبل.
على الصعيد النظري، كل ذلك جيد. أما على الصعيد الواقعي العملي، فلدينا سبب للشك فيما إذا كان سيبذل جهودا حثيثة للتخلص من العجوزات، سواء كانت جيدة أو سيئة. وبإمكان المرء الدخول في نقاش لا نهاية له حول المزايا النسبية للمنهج القانوني لألمانيا، أو نسخة ساركوزي البديلة. وبغض النظر عن جانب الجدل الذي تدعمه، فإنك توافق على الأرجح على أنها ليست فكرة جيدة أن يتحرك أكبر عضوين في منطقة اليورو باتجاهين متعاكسين.
في حقيقة الأمر من شأن ذلك أن يبرهن أنه مزعزع بدرجة عالية لمنطقة اليورو. فألمانيا، كما جادلت شخصياً الأسبوع الماضي، تتجه في اتجاه مستوى الصفر من الدين الحكومي في الأجل الطويل، نتيجة لقانون جديد دستوري يتعلق بوجود ميزانية متوازنة. ولهذا الأمر ليس عفوياً على الأرجح، أن وجود ميزانية متوازنة لأجل غير محدد من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء التام على الدين العام. لكن هذا ما سيحدث.
في واقع الأمر، قانون ألمانيا الجديد يفرض سقفاً أعلى للعجز يبلغ 0.35 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الدورة الاقتصادية. لكن تذكر أن ذلك مجرد سقف بلا أرضية. وإذا وصل العجز المعدل دورياً إلى ذلك السقف تماماً، عاماً تلو عام، وعلى افتراض وجود معدل اسمي لنمو الإنتاج يبلغ 4 في المائة، فمن شأن ذلك أن يجعل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا مستقرة تحت أقل من 10 في المائة فقط. وبناءً عليه، إذا استمر هذا القانون الدستوري، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا ستستقر تقريباً بين صفر و10 في المائة في الأجل الطويل.
أما الآن، فإن ألمانيا بلد لديه فائض كبير في الحساب الجاري، أو فائض في المدخرات المحلية عن الاستثمارات المحلية – 6.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2008، و7.6 في المائة في العام الذي سبقه. فلا غرابة إذا أن بنوك ألمانيا تعرضت لضربة شديدة بسبب أزمة التورقة المالية. وكان عليها أن توجه مبالغ ضخمة من المدخرات الفائضة إلى الخارج. وأثناء سير العملية، اشترت هذه البنوك القروض العقارية الأمريكية المقدمة إلى ضعاف الملاءة والمنتجات المشتقة منها.
وهي لن تكرر الخطأ ذاته، لكنها رغم ذلك تواجه مشكلة. وإذا اقترب الدين الوطني في ألمانيا من الصفر سيتعين على مدخري الفائض فيها استثمار مبالغ ضخمة من مدخراتهم خارج ألمانيا، لأن العرض من السندات الحكومية الألمانية سيتلاشى مع مرور الوقت، عندما يتم استنزاف المخزون القائم من الدين.
في الوقت الحاضر تأتي العجوزات السيئة التي تحدث عنها ساركوزي من هذا المكان. وسيرغب معظم المدخرين الألمان، خصوصا صناديق التقاعد، في الاستثمار في الدين الحكومي الذي يهيمن عليه اليورو، والذي لأغراض عملية في هذا السيناريو، يعني الدين الفرنسي، لأنه لا توجد سوق سندات أوروبية محلية أخرى كبيرة وناضجة بشكل كافٍ. لذلك ربما تتمتع فرنسا بنسخة من الامتياز الأمريكي المكلف للغاية. إذا مضت ألمانيا بشكل أحادي في الاتجاه المنحدر من تخفيض العجز، وإذا مضت فرنسا بشكل أحادي في الاتجاه المعاكس، ستكون النتيجة اختلالاً خطيراً. وستجد فرنسا أن من السهل عليها بشكل متزايد، أن تمول عجز قطاعها العام، في الوقت الذي لن يكون فيه أمام المدخرين الألمان سوى شراء أدوات الدين الفرنسية. وسيصبحون محاصرين بالديون الفرنسية، تماماً مثلما تمت محاصرة الصينيين بالديون الأمريكية.
يعني هذا أن ألمانيا ستعاني من صفعتين متعاقبتين. الأولى هي التضحية بالنمو الاقتصادي نتيجة السياسات التي تؤيد الدورة اللازمة لإبعاد العجوزات إلى الأبد. ولمسنا شيئاً من هذا في الأسبوع الماضي، عندما أيد كلاوس زيمرمان، رئيس المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية، إحداث زيادة في ضريبة القيمة المضافة من 19 إلى 25 في المائة. ومن الواضح أن مثل هذا الإجراء سيكون كارثياً للنمو الاقتصادي. ومن شأنه أن يلقي بألمانيا في انكماش كامل النطاق. لكنه محق في المعنى الفني الضيق. فإذا عملت ألمانيا جاهدة على القضاء على عجزها الهيكلي بحلول عام 2016، فإن وجود بعض التدابير الجذرية أمر حتمي. وقالت ميركل إنها لن ترفع قيمة الضريبة المضافة، لكنها ستعمل إما على رفع الضرائب الأخرى، أو خفض الإنفاق. وعلى الصعيد السياسي، التدبير الأول أسهل من الثاني. حالما يتم تحقيق التوازن في الميزانية، بتكلفة اقتصادية ضخمة، سيعاني المدخرون الألمان عندئذ من الصفعة الثانية على شكل عوائد ضعيفة على الاستثمارات، إذ إن مدخراتهم الفائضة ستمول السياسات الاقتصادية الجيدة، والسيئة، والبشعة لساركوزي. إلى أي متى يمكن أن يستمر هذا الحال؟ يمكن أن تدوم الاختلالات فترة طويلة، لكنها لا تدوم إلى الأبد. ولا بد أن يحدث شيء ما. وربما يكون ذلك هو أن تكتشف الأجيال المقبلة من السياسيين الألمان طرقاً عبقرية حول قانون الميزانية المتوازن، أو يتوصلون إلى أغلبية الثلثين للإطاحة به. أو أن يتبع ساركوزي، أو خلفاءه خطى ألمانيا في مستقبل من التقشف. لكن طالما أن أياً من هذه الأمور الثلاثة لا يحدث، فربما تكتشف ألمانيا أن التقشف المالي أحادي الجانب في اتحاد نقدي يمكن أن يبرهن أنه مكلف للغاية.
من أجل استدامة اليورو، لا شك أن ما من أحد يريد الدخول في موقف يكون فيه لدى عدد كبير من الدول سبب اقتصادي منطقي للانسحاب. وبناءً عليه، إذا قامت ألمانيا وفرنسا حقيقة بما وعدتا به، فإنك على الأرجح بحاجة إلى تشغيل عداد الوقت.

