تحرص الدولة, من خلال أجهزتها المختصة, على مواكبة مستجدات الحياة الاجتماعية منها والاقتصادية وغيرها عبر قنوات تنظيمية ونظامية, ومن بين الأنظمة التي تصدرها الجهات الحكومية المختصة ما يهدف إلى ضبط السلوك العام في المجالات التي تتطلب ذلك, ومن أبرزها نظام المرور وغيره من الأنظمة العامة الموجهة للحفاظ على الصحة العامة والنظافة وغيرها ولا يدخل ضمنها ما يقتصر على تنظيم متطلبات الحصول على خدمة متاحة لمن يحتاج إليها فقط, إذ إن السلوك الاجتماعي القويم مطلب لا خيار في الالتزام به من عدمه لأنه يمثل منفعة عامة ومصلحة تقتضيها سلامة المجتمع, ولذلك حرصت الدولة على إيجادها وتطويرها وتهيئة الآلية المناسبة للإشراف على حسن تنفيذها.
الأنظمة العامة ذات العلاقة بالسلوك العام, تشتمل, في الغالب, على تحديد لما يجب وما لا يجب, وعلى تحذير من عواقب محددة لمن يخالف ما يجب أو ما لا يجب. وتلك العواقب مادية أو معنوية ليست مطلقة إنما هي مقيدة بحدود معينة حسب نصوص مفصلة في الأنظمة الخاصة بها. فلو أخذنا المرور كمثل للسلوك العام الذي تحكمه أنظمة خاصة به (والحديث عن هذا النظام لا يعني إلا أنه أكثر الأنظمة التصاقاً بحياة الإنسان ومصالحه, ولا يعني خصه بما سيبدى من ملاحظات أو تطلعات) لوجدنا أن الضرورة القصوى تفرض أن يكون جميع المواطنين والمواطنات والوافدين على اطلاع ودراية دقيقة بمتطلبات هذا النظام وأحكامه, بجانب أهمية تنمية الوعي لديهم بأهدافه وأسلوب التعامل مع الغير من قبل قائدي المركبات أو المشاة, ورفع درجة الإحساس وقيمة التقيد بأحكامه كمظهر من مظاهر الرقي الاجتماعي. ولتحقيق هذا المطلب، بالنسبة إلى نظام المرور, كواحد من أهم الأنظمة العامة وأكثرها شمولا للإنسان أينما كان في البلاد, ركائز, منها:
1- وضع الإشارات الدقيقة الواضحة في المكان المناسب بحيث تكون مرئية ومعروفة الغرض. ويجب ألا يكتفى برسمات رمزية ذات دلالات لا يعرفها إلا المتخصصون.
2- أن تكون الجزاءات (العقوبات) المحددة لكل مخالفة معروفة لدى كل من يمنح رخصة قيادة. ولمعرفة ذلك وغيرها من ضوابط المرور الضرورية من قبل المواطنين, فيجب أن تُدرج ضمن المناهج الدراسية, خصوصاً في مناهج المرحلتين المتوسطة والثانوية. وسيكون من المفيد إيضاح أسباب فرض الجزاءات من حيث المخاطر والأضرار التي تترتب على المخالفات، الشيء الذي يرفع درجة الوعي بها والثقة بأهمية موجباتها، ما ينمي الحس بأهمية التعاون فيما فيه مصلحة للفرد والمجتمع، ويحًول الناقدين لها بسبب عدم معرفتهم بأهميتها إلى مدافعين عنها. وبجانب المناهج الدراسية، يمكن أن تسهم وسائل الإعلام بأسلوب مناسب في بث الوعي المروري، وتعزيز قيمة الذوق في التعامل أثناء القيادة مسترشدين بأخلاقيات الإسلام الفاضلة. بجانب استخدام وسائل أخرى منها ما توفره التقنية الحديثة من وسائل للاتصال والتواصل. أما بالنسبة إلى الوافدين فهناك طرق عدة منها تزويدهم بالمناسب والضروري من تلك المعلومات عن طريق ملاحق ترفق بعقود العمل وتكون بلغاتهم، أو تُمنح لهم عند اجتيازهم متطلبات الحصول على رخصة القيادة. بجانب ذلك تُلزم جهات العمل المستقدمة لهم أن تعقد لهم لقاءات توعوية تركز على ما يجب أن يعرفه كل وافد من الأنظمة العامة للبلاد, خصوصاً ذات العلاقة بالسلوك العام، الشيء الذي يعزَّز احترامهم للجميع والتقيد بسلوكياته من ناحية، ويحول دون نشر ثقافات بعضهم الاجتماعية ذات الأثر السلبي في الوطن والمواطنين، خصوصاً ممن لا يزالون في مرحلة الطفولة أو الشباب الذين لم يحُصنوا بعد بالسلوكيات القويمة التي تعتد بها البلاد وتحرص على المحافظة عليها.
3- تهيئة الشوارع بما يتناسب وضوابط المرور بما في ذلك إيجاد المواقف العامة في الأماكن المناسبة.
4- وضع الآلية المناسبة والفاعلة لمتابعة التقيد بالسلوك المروري وتهيئة المستلزمات التي تتطلبها المتابعة الدقيقة, بما في ذلك رفع كفاءة ومهارات من تسند إليه مهام المتابعة. وبجانب هذه الوسائل وغيرها، فإن إعداد المواطن والمواطنة وتأصيل مبدأ احترام الأنظمة العامة والمحافظة عليها ودعم ذلك الاحترام بالتعامل الحسن مع الآخر سيكون أفضل وأسرع أسلوب لاحترام الوافد لها لأن المواطن الصالح سيكون القدوة والرقيب. وبما أن الأنظمة العامة، بطبيعتها تفاعلية مع المستجدات، فيجب أن ينقل كل جديد أو معدل منها إلى من هي موجهة إليه ليكون متفاعلاً معها بالقدر وبالوقت المناسبين.
