الأثرياء ما عساهم أن يفعلوا لحماية صورتهم؟

كاميرات الصحافة مصوبة دائمة نحو هدفها المفضل: الأثرياء والنجوم.
حين يراجع المؤرخون السوق العظيمة الصاعدة التي كانت خلف أزمة الائتمان التي بدأت عام 2007، فإن إحدى الحقائق التي يمكن أن يتوقفوا عندها هي قائمة الأثرياء.
منذ أواخر الثمانينيات تطرقت مثل تلك المواضيع في المجلات والصحف إلى الافتنان المفرط بالثروة. غير أن اللهجة التي اتخذتها في السنوات الأخيرة تشير إلى الابتعاد عن التقليد المطول للغاية من حيث النظر إلى الثروة بعين الحسد من جانب الجماهير.
بعد أن كانت في الماضي شارة للشرف، يقول إيان مونك، رئيس شركة استشارات العلاقات العامة في لندن، إيان مونك أسوشييتس Ian Monk Associates، تبدو الآن قوائم الأثرياء «أشبه إلى حد كبير بقائمة الاغتيالات بالنسبة لرجل الضريبة، والمجموعات المتطرفة التي ظهرت خلال الحرب الأهلية البريطانية، والزوجات اللواتي يفكرن في الطلاق». وبدلاً من أن يكون سبباً للاحتفال، يبدو الأمر الآن وكأنه «شيء قذر أن تكون ثرياً».
في عام 2008 أعلنت قائمة مجلة فورتشين Fortune لأصحاب المليارات أن عددهم تزايد ليصل إلى رقم قياسي يبلغ 1125، مقارنة بـ 140 عام 1986. وحين جمعت المجلة الأمريكية هذا العام قائمة أقصر، على أية حال، كانت هناك مقالات مستحسنة مثل «نساء نحسدهن»، و»ماذا يتطلب الأمر كي تصبح ملياردير؟» التي حلت مكانها عناوين مثل «أكبر الخاسرين»، و»حالات سقوط جديرة بالذكر».
أما مثيلتها البريطانية التي تم نشرها في صحيفة صنداي تايمز Sunday Times، فإنها رددت العرض الزمني لأحداث حقبة ماضية، التي كتبها توم وولف حول الجشع والتجاوز بوصفها «شعلة أصحاب المليارات».
كان مهنيو العلاقات العامة في الماضي يغذون قوائم الأثرياء بتفاصيل عن أصول زبائنهم، حسبما يقول مونك. أما في هذا العام، فإنهم عملوا جاهدين للتأكيد على خسائر زبائنهم.
يوافق ريتشارد كونستانت، الرئيس التنفيذي لكريب غافين أندرسون Kreab Gavin Anderson، شركة استشارات الاتصالات الدولية على ذلك بقوله: «إن ما تغير حسب خبرتي هو أن الكثير من الأشخاص يحاولون تفادي وجودهم في قائمة الأثرياء».
ويطرح رئيس شركة اتصالات مالية أخرى طلب عدم الكشف عن اسمه، الأمر بمزيد من الصراحة قائلاً: «الأثرياء يكرهون الصحافة».
انهيار الثروات الذي شهدناه منذ أن استسلم بعض أكبر المؤسسات في وول ستريت خلال أزمة الائتمان، جعل المصرفيين ومديري صناديق التحوط والتنفيذيين، والآخرين الذين كانوا في وقت ما موضوع الملفات التمجيدية لمجلات الأعمال، جميعهم أهدافاً للغضب والحسد.
هذه المجموعة المتنوعة من الأفراد الأثرياء تتحد الآن بسبب قلقها الكبير بشأن صورتها، وبشأن حالة محافظها المالية. فإذا كان الأثرياء يكرهون الصحافة، فإن الأمر بدأ يبدو وكأن الشعور متبادل.
يقول مونك، وهو محرر أخبار سابق في صحيفة ديلي ميل Daily Mail البريطانية: في الآونة الأخيرة على أية حال «هناك اتجاه مخيف يتمحور جميعه حول كون الثروة أمراً سيئاً، وأن الأمر برمته خطأ الأثرياء، وأطلقوا النار على المصرفيين».
في الوقت الذي ظهرت فيه شركة استشارية متطورة لتقدم المشورة إلى الشركات والمؤسسات المالية الكبيرة حول الاتصالات، لا توجد شركة مماثلة في مجال العلاقات العامة، شركة راسخة جيداً ترعى بشكل حصري الاحتياجات الإعلامية للأفراد الأثرياء.
تنصح مجموعة الأعمال الخيرية العالمية Global Philanthropy Group، التي يرأسها تريفور نيلسون، مدير الشؤون العامة السابق في مؤسسة بيل وميلندا جيتس، الأفراد الأثرياء بمن فيهم نجمة البوب الكولومبية شاكيرا والممثلة أنجلينا جولي، بالتركيز على أنشطتهم الخيرية. وقام عدد قليل من المستشارين الأفراد من ذوي الصلات الجيدة على جانبي الأطلسي، بجمع قوائم الزبائن التي تشمل المشاهير والرؤساء التنفيذيين الذين تسلط عليهم الأضواء، وعدداً قليلاً من السياسيين، لكن بالنسبة لمعظم الأسماء في أسفل قوائم الأثرياء تبقى استراتيجية اتصالاتهم غامضة.
إن الخوف الذي ينظر به العديد من الأشخاص الأثرياء إلى وسائل الإعلام تلخصه مواد التسويق التي تقدمها شركة استشارات أخرى صغيرة. تحذر شركة بي إتش إيه ميديا PHA Media في لندن الزبائن بقولها: «يمكن أن تضرب وسائل الإعلام ضربتها في أي وقت، مع قليل للغاية من التحذيرات. وبالنسبة للأفراد الذين تسلط عليهم الأضواء كثيراً، ولديهم صافي ثروة عالٍ، تغطية وسائل الإعلام المضرة يمكن أن تدمر صدقية العمل وتقضي على عروض التلفزيون المربحة، أو تدمر صفقات الرقابة من موقعك كأنموذج للشخص الكريم».
أحد الردود الشائعة هو محاولة الاختفاء. ويقول كونستانت: «لقد عملنا لأجل العديد من أصحاب المليارات، وهم جميعاً يحاولون تفادي الحديث عن ثروتهم الشخصية، ويفضلون كثيراً الحديث عن أعمالهم. ويميل المديرون المالكون تحديداً إلى أن يتم تركيز جميع الاتصالات على أعمالهم».
حين تم تعيين كونستانت وشركته من قبل ماركوس إيفانس لتقديم المشورة إلى الملياردير بشأن ملاحقته لنادي إيبسويتش تاون فوتبول كلوب Ipswich Town Football Club، مثلا، اعترفت بأن جزءاً من دورها كشركة كان التأكد من أنه «لا يعلن عن كل شيء للصحف».
أما إيفانس، فهو معروف بعدم إعطائه أي مقابلات: فعبارة «المليونير الكتوم» تتبع العديد من أسماء أفراد قائمة الأثرياء في المقالات الجديدة.
يقول روبي فورهاوس، وهو متخصص في اتصالات الشركات والأزمات في نيويورك، إن الزبائن الذين يريدون إبقاءهم بعيداً عن الصحافة هم في الغالب الذين يرتبطون بثقافة لم تعد محبوبة في الاستهلاك الواضح. لكنه يضيف أن الآخرين يقولون «استخدمني كمثال: الأثرياء يتم الافتراء عليهم عندما يعطي أشخاص مثلنا الكثير من الأموال، وتعليم الكثير من الأشخاص، وتحويل التركيز عما كان باستطاعتنا استهلاكه، إلى ما نستطيع المساهمة به».
في عالم المال المحفوف بالمخاطر، حسبما يضيف فورهاوس، العديد من الزبائن يريدون البقاء في نظر الجمهور أثناء استكشافهم لوظائف جديدة. وأولئك الذين لديهم قصة إيجابية يروونها «يمكنهم أن يجعلوا الأمر يبدو وكأنهم ما زالوا ذوي صلة».
ويتفق عدة مستشارين آخرين على أن الاختباء من الصحافة أمر غير مستدام، ولا يُنصح به.
قدم كونستانت المشورة إلى عدة شركات أسهم خاصة أدركت أنها بحاجة إلى وجه عام عندما تم استدعاء مديريها للمثول أمام السياسيين للمساءلة بشأن ما كان ينظر إليه على أنه جشع أشعلته الديون في ذروة طفرة الائتمان. ويتذكر قائلاً: «كانوا في غاية الحماس لوضع أنفسهم في مركز المالكين الجيدين، وكانت الصحافة العادلة في تفكيرها على استعداد للنظر إلى حقائق الوضع».
أما الآن، حيث المشرعون يفرضون عبئاً ضريبياً أعلى، وتدابير أخرى من شأنها أن تفرض تكلفة على الأكثر ثراء في المجتمع، فربما تكون هناك حالة متجددة للمشاركة في الجدل العام. فالشركات المالية الصغيرة الجديدة التي تنهض من دمار وول ستريت والحي المالي في لندن أكثر وعياً للحاجة إلى وجود استراتيجية صحافية منذ البداية، حسبما يقول كونستانت.
يضيف مونك قائلاً: «هناك رسائل معينة يجب أن يلتفت إليها الأثرياء ومبتكرو الثروات»، مجادلاً بالقول إن حالات ابتكار الثروة وإنفاقها يجب أن يتم نقلها وكأنها فضائل. ويضيف: «لا أعتقد أن معظم الأشخاص الذين يحققون الأرباح يريدون بصدق أن يكونوا أصحاب ملايين منعزلين. ويفضلون الحديث في عالم يقول فيه الناس: هذا الشخص أبلى بلاءً حسناً للغاية. والخطر الماثل هنا هو أنهم يصبحون في غاية الخجل بشأن الأمر».
يقول مونك إن عدداً قليلاً من الأشخاص الأثرياء نجحوا في هذا الأمر، حتى أننا نجد في الأسواق الرديئة أن ثروة السير ريتشارد برانسون، مؤسس فيرجين جروب Virgin Group تجتذب القليل من الحسد، حسبما يجادل مونك، بسبب إدراك أنه تم تحقيق الثروة بالعمل الشاق الذي أفاد الزبائن.
ويتابع مونك: «إن بعض الأشخاص مباركون بالموارد والقدرة على ابتكار الموارد. وتلك رسالة يمكن تمريرها. فالعديد منهم يبتكر الثروة، والكثير منهم يمنح الثروة».
تم ترديد هذه الحجة في أواخر العام الماضي من قبل رونالد لاودر، أحد ورثة إمبراطورية إستي لودر Estée Lauder للمنتجات التجميلية، والمعروف عنه مجموعته الفنية، وإمبراطورية الإعلام الأوروبية المركزية. قال لاودر لـ «فاينانشيال تايمز»: «الأمر الذي أجده مذهلاً هو أن الناس يستخدمون كلمة ملياردير بالشكل السلبي. أحد الأمور التي جعلت مدينة نيويورك قوية للغاية هو الرجال والنساء الذين لديهم الدافع لجعل المدينة كما هي عليه. ورأيت شخصياً مدناً لم يكن فيها أشخاص أثرياء، وتظهر تلك المدن هذا الأمر».
مثلما هو الحال في حقبة آل فانديربيلتز وروكفلر، فإن تلك المدن لا تقدر دائماً الأمر في حينه. ويشير مونك إلى الزبائن بأن «يبقوا التجاوزات خارج نطاق الصحافة، على فرض أن هناك تجاوزات».
إن المشاهير، حتى لسبب جيد، ما زالوا هدفاً سهلاً لوسائل الإعلام. واجتذب منتدى الثروة Fortune Forum، وهو تجمع خيري عقد أوائل هذا العام، وجمع أمثال تيد تيرنير، مؤسس المجموعة الإعلامية سي إن إن CNN، وفينسنت تكينجويز، رجل الأعمال المتخصص في العقارات، تغطية هازئة حول الشمبانيا التي تدفقت في وسط أزمة مالية.
لكن يمكن أن تكون الأزمة المالية أتاحت فرصة علاقات عامة بالنسبة للأثرياء، حسبما يقترح مونك الذي يشير إلى قدرتهم على الخدمة كحزم تحفيز مختلفة للاقتصادات المتعثرة حولهم. فإذا كان إنفاقهم متهوراً للغاية، فإن ذلك يحدث رد فعل سلبي، حسبما يحذر، لكن «من هو الشخص الأفضل من الثري كي ينفق؟».






لا يوجد تعليقات