اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية للتو الخطوة التاريخية المتمثلة في اقتراحها الداعي إلى إيجاد نظام ضوابط يسند فيه لبنك الاحتياطي الفيدرالي دور الجهة التنظيمية العامة. وتثير هذه الخطة ثلاثة أسئلة: هل نحن في حاجة إلى جهة تنظيمية عامة؟ هل ينبغي أن يكون «الاحتياطي الفيدرالي» هو هذه الجهة؟ وهل هناك مخاطر في هذا الاقتراح على «الاحتياطي الفيدرالي» وعلى مهمته الأساسية المتمثلة في وضع وتنفيذ السياسة النقدية الكفيلة بمكافحة التضخم وتعزيز أقصى درجات التشغيل المستدام؟ الجواب على جميع هذه الأسئلة هو نعم.
هل نحن في حاجة إلى جهة تنظيمية عامة؟ كان التنظيم المالي في جميع البلدان تقريباً قبل الأزمة الراهنة مصمماً لضمان سلامة المؤسسات الفردية، خصوصا سلامة البنوك التجارية من خطر خسارة موجوداتها. لكن هذا التركيز يتجاهل تفاعلات مهمة، عندما تكون هناك إمكانية لأن تؤدي محاولات تبذلها مؤسسات مالية فردية من أجل البقاء قادرة على الوفاء بجميع ديونها خلال أزمة ما، إلى تقويض استقرار النظام ككل. وكما رأينا في هذه الأزمة، فإن فشل مؤسسة مالية واحدة يمكن أن يتسبب في حدوث خسائر جسيمة تهدد قدرة كثير من المؤسسات الأخرى على البقاء. وعلاوة على ذلك، التركيز على المؤسسات الفردية يمكن أن يجعل الجهات التنظيمية تغفل إجراء تغييرات مهمة في النظام المالي عامة. مثلاً، رغم أن الأسواق الخاصة بالموجودات المورقة ونظام الظل البنكي للمؤسسات المالية ذات الأنظمة الخفيفة نمت نمواً كبيراً في السنوات التي سبقت الأزمة الحالية، إلا أن الهياكل التنظيمية القائمة لم تواكب ذلك.
إن الحاجة لجهة تنظيمية عامة تشرف على عافية واستقرار النظام المالي العام لم تكن في أي وقت مضى أعظم منها الآن. وينبغي أن يشتمل الدور الذي تقوم به هذه الجهة على جمع وتحليل المعلومات الخاصة بالتفاعلات الكبيرة والمخاطر الموجودة في أوساط المؤسسات الفردية والإبلاغ عنها، وتحديد المؤسسات التي تعرض النظام المالي إلى خطر شامل، وتصميم وتنفيذ الأنظمة حول المتطلبات الرأسمالية الأعلى واللازمة لمواجهة الدورات الاقتصادية، وذلك بالنسبة للمؤسسات ذات الأهمية العامة، وعلى التنسيق مع الوكالات التنظيمية الأخرى ومع السلطات المالية لإدارة الأزمات العامة والشاملة.
هل ينبغي أن يكون «الاحتياطي الفيدرالي» هو الجهة التنظيمية العامة؟ هناك أربعة أسباب تجعل من المعقول أن يناط دور الجهة التنظيمية العامة بالبنك المركزي. أول هذه الأسباب أن للبنك المركزي علاقات تعامل يومية مع المشاركين في الأسواق، وذلك جزء من وظيفته الأساسية المتمثلة في تنفيذ السياسة النقدية، وهو في موقع مناسب يمكنه من مراقبة ما يجري في الأسواق وتلمس المشكلات التي على وشك أن تعتري النظام المالي. ولا توجد أية مؤسسة عامة أخرى في الولايات المتحدة (ولا في البلدان الأخرى) تتمتع بنفاذ البصيرة والقدرة على معرفة مجريات الأمور في النظام المالي التي تتوافر في البنك المركزي.
والسبب الثاني أن المهمة الموكلة للبنك المركزي للمحافظة على استقرار الاقتصاد الكلي تعادل دوره في ضمان استقرار النظام المالي. وأسوأ الانكماشات الاقتصادية تقترن دائماً بالأزمات المالية، لذلك كان من الطبيعي أن يفكر الاحتياطي الفيدرالي في التفاعل بين السياسة المالية والسياسة النقدية في معرض قيامه بمهمته الأساسية.
وثالث هذه الأسباب أن التنظيم الشامل الناجح يقتضي التركيز على المدى الطويل، ولذلك الاحترام والاستقلال اللذين تتمتع بهما البنوك المركزية كـ «الاحتياطي الفيدرالي» يجعلها الجهات الطبيعية المرشحة لأن تكون الجهة التنظيمية العامة.
والسبب الرابع أن البنك المركزي هو الهيئة الوحيدة التي يمكن أن تعمل باعتبارها مقرض الملاذ الأخير، أي أنها تستطيع أن تستخدم ميزانيتها العمومية لتوفير التمويل الطارئ في أوقات الأزمة. وبصفته جهة تنظيمية عامة، سيكون «الاحتياطي الفيدرالي» قادراً على الحصول على معلومات مباشرة يتم جمعها من عمليات الفحص الموقعية المباشرة التي يقوم بها للمؤسسات ذات الأهمية العامة والشاملة، التي سيكون في حاجة إليها لاتخاذ القرار الصائب حول ما إذا كان ينبغي عليه أن يقرض الأموال لإحدى المؤسسات من أجل إنقاذها.
هل هناك مخاطر من اقتراح وزارة الخزانة الداعي إلى جعل «الاحتياطي الفيدرالي» الجهة التنظيمية العامة؟ ينطوي تسليم هذه المسؤولية إلى «الاحتياطي الفيدرالي» على ثلاثة مخاطر. الخطر الأول، أن الغموض يمكن أن يكتنف التركيز الواضح على تحقيق استقرار الناتج والأسعار بعد أن يدخل البنك المركزي في حساباته أيضاً أهداف الاستقرار المالي. والثاني، أن هناك خطر تعرض «الاحتياطي الفيدرالي» إلى مزيد من الضغط السياسي، الأمر الذي يمكن أن يطعن في استقلاليته عندما يتخذ الإجراءات اللازمة لكبح إقدام المؤسسات ذات الأهمية الشاملة على المخاطرة. والثالث، لا توجد لدى الاحتياطي الفيدرالي في الوقت الراهن موارد كافية للاضطلاع بهذا الدور الجديد. وفي غياب الموارد الكافية لن تكون الجهة التنظيمية العامة قادرة على تحديد الأخطار الشاملة ووضع الأنظمة اللازمة لمواجهتها. وكما تعلمت عندما كنت عضواً في مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» إبان الأزمة الحالية، فقد وصل عدد موظفيه إلى الحد الأقصى. ولذلك تكليفه بأن يصبح الجهة التنظيمية العامة يشكل ضغطاً على موارده الضعيفة أصلاً، وربما يكون ذلك على حساب قدرته على تنفيذ السياسة النقدية.
لكن رغم هذه المخاطر، وفي ضوء أهمية الاستقرار المالي وضرورة وجود مؤسسة تقوم بدور الجهة التنظيمية العامة، أعتقد بقوة أنه ينبغي على «الاحتياطي الفيدرالي» أن يضطلع بهذه المهمة الجديدة رغم الصعوبات التي تشكلها. وهناك بعض وسائل التحوط التي يمكن أن تخفض من هذه الصعوبات. مثلا، استخدمت بعض البنوك المركزية أهدافاً رقمية واضحة للتضخم في المدى الطويل للمحافظة على هدف استقرار الأسعار. وكما قلت من قبل على هذه الصفحة، ينبغي على «الاحتياطي الفيدرالي» أن يمضي قدماً في هذا الاتجاه. ويتعين على الكونجرس أيضاً أن يدعم استقلال «الاحتياطي الفيدرالي» وتمويله.
أحد الدروس المهمة التي تعلمناها من الأزمة الحالية أننا في حاجة ماسة إلى وجود جهة تنظيمية عامة، ويعتبر «الاحتياطي الفيدرالي» الخيار المنطقي الوحيد.
الكاتب أستاذ المالية والاقتصاد في مدرسة الدراسات العليا لإدارة الأعمال في جامعة كولومبيا وعضو سابق في مجلس محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي. وهذا المقال مأخوذ من ورقة عمل للجنة Squam Lake الخاصة بتنظيم القطاع المالي.

