الأزمة الاقتصادية والجريمة الإلكترونية
منذ بداية الأزمة الاقتصادية التي هزت أركان الاقتصاد العالمي، كان هناك اعتقاد عند كثير من المحللين في المجال الاقتصادي وفي غيره من المجالات بأن تداعيات هذه الأزمة ستطول كثيرا من جوانب حياتنا, فالمهتمون بالقضايا الإنسانية ساورهم قلق كبير بخصوص ما سيلحق البرامج في هذه المجالات من تخفيض في الاعتمادات المالية المخصصة لها، وهذا ستكون له ارتدادات سلبية على الأمن والاستقرار الاجتماعي. وعلى المستوى العالمي تبرز مشكلة الفقر وما ستسببه هذه الأزمة من إرباك للبرامج الدولية التي اعتمدتها المنظمات الدولية لتقديم المساعدات الغذائية والإنسانية لفقراء العالم. فهناك دعوات متصاعدة تحث قادة العالم على عدم التقليل من دعمهم المالي للدول الفقيرة على الرغم من التكلفة العالية التي ستتحملها هذه الدول للخروج من أزمتها الاقتصادية. والموضوع البيئي من وجهة أناس آخرين، هو الآخر بحاجة إلى ضمانات من ألا يتأثر بالأزمة الاقتصادية، لأن هناك قضايا ومشكلات بيئية باتت ملحة ولا تحتمل الانتظار في معالجتها لأن العواقب ستكون مؤلمة والتكلفة الاقتصادية والإنسانية لمعالجتها في المستقبل ستكون باهظة.
وإلى جانب كل هذه الموضوعات المهمة، هناك موضوع في غاية الأهمية وهو أثر الأزمة الاقتصادية في جانب الأمن الاجتماعي, فهناك كثير من الخبراء ممن يعتقدون أن مستوى الجريمة سيتصاعد مع ازدياد شدة الأزمة وامتدادها, فازدياد البطالة واتساع رقعة الفقر وشيوع حالة التوتر بين الناس ستجعل الظروف أكثر تمهيدا لوقوع الجرائم. فهناك مَن يعتقد أن الجريمة المنظمة لم تظهر في أمريكا إلا في ظل الكساد العظيم الذي عانته أمريكا عام 1929م، وأن هذه العصابات المنظمة في عالم الجريمة انكمشت وتقلص دورها ومساحة تأثيرها بفضل فترات الازدهار الاقتصادي التي أعقبت هذا الكساد.
واليوم يعيش العالم أزمة اقتصادية لا تقل عن الكساد العظيم، بل إنها في نظر كثير من أهل الخبرة هي أزمة أكبر وأشد على العالم مما حدث في عام 1929م. وهناك خوف من أن تتسبب الأزمة الحالية في ازدياد معدلات الجريمة في العالم بشكل عام ومنها الجريمة الإلكترونية المنظمة. وقد لوحظ أن ذلك هو ما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية بشأن ارتفاع مستوى الجريمة بشكل عام, فبسبب ضغوط وتبعات هذه الأزمة وبالأخص موضوع البطالة نسمع يوميا عن حدوث جريمة فيها بُعد إنساني كبير يتمثل في قتل عدد من الناس الأبرياء والذين لا علاقة لهم بالمجرم وإنما كانوا ضحايا عشوائيين اختارهم القاتل فقط لارتكاب الجريمة والتعبير عما يعانيه من ضغوط نفسية أنتجتها الحالة المالية التي يمر بها ذلك الشخص. فهناك دلائل ومؤشرات كثيرة تشير إلى تصاعد الجريمة العامة بسبب الأجواء المتوترة التي خلقتها الأزمة الاقتصادية الحالية.
اعتقد البعض أن أجواء الأزمة الاقتصادية كان من المفترض أن تخفف من نسب الجريمة الإلكترونية، ربما للاعتقاد بأن الناس أكثر حذرا من الوقوع في شراك المجرمين, ولكن واقع الحال هو العكس، كما يؤكد ذلك كثير من الخبراء في هذا المجال. فمن جانب ينشط المجرمون ذوو الخبرة في المجال الإلكتروني في مثل هذه الظروف، لأن الناس في هذا الوقت وبسبب الإحباط الذي يعيشونه بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة هم أكثر إهمالا وأقل حرصا على الحفاظ على معلوماتهم الإلكترونية. والسبب الآخر ربما هو رغبة ذلك الإنسان المحبط والذي يعيش ظروفا صعبة في البحث عن أي فرصة للخروج من ظروفه الصعبة وتحسين ظروفه الاقتصادية, وهذه الرغبة القوية في البحث عن الفرص وطرق الأبواب تجعل منه فرصة سهلة لمن يريد الوقوع فيه والتعدي عليه ماليا.
هذا الإحساس بتنامي الجريمة الإلكترونية في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية دفع بالسلطات في كثير من الدول إلى التشديد في قوانينها والاهتمام بشكل كبير بتوعية الناس بطرق التحايل الإلكتروني. فالولايات المتحدة بادرت إلى إنشاء جهاز خاص للدفاع الإلكتروني وعينت عليه ضابطا برتبة جنرال، وهذه يدل على تنامي الاهتمام بهذا الموضوع. ولعل جريمة انتحال الشخصية هي من أكثر الجرائم الإلكترونية شيوعا وأكثرها ضررا على الناس. ولا يقتصر انتحال الشخصية على الأفراد، بل إن الأمر يمتد حتى إلى المؤسسات والشركات على أنواعها، وبالتالي فالكل بحاجة إلى مزيد من الحذر منعا لوقوع مثل هذه الجرائم.
ونحن في المملكة في حاجة إلى تعاون الأجهزة الحكومية والبنوك والمؤسسات مع بعضها لمنع انتشار الجريمة الإلكترونية محليا. لا تكفي القوانين الرادعة وحدها، وإن كان وجودها مطلوبا، ولكن التشدد في تطبيق القوانين بات أمرا ضروريا، وكذلك من المهم اتخاذ الإجراءات الوقائية التي تمنع حدوث الجريمة مع الاستمرار في توعية المواطنين بأهمية الحفاظ على معلوماتهم الإلكترونية. ولما كانت الجريمة الإلكترونية هي جريمة عابرة للحدود، وأن الأزمة الاقتصادية هي أزمة عالمية، وأن المؤشرات في الدول الأخرى تشير إلى زيادة نسب هذه الجريمة، فإننا بالتالي سنتأثر بها، وعلينا أن نحصن أنفسنا إلكترونيا وتوعويا وتنظيميا للحد منها, وقد يكون من المستحسن إنشاء جهاز خاص للأمن الإلكتروني.







لا يوجد تعليقات