بدأ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بشعر المناسبات حيث كتب قصيدة ''بكاء الأبد'' والتي نشرت في مجلة ''الرسالة الجديدة'' عام 1955م، ولما تخرج في معهد المعلمين عمل في الصحافة بعد أن نشر عددا من القصائد في مجلة ''روز اليوسف'' بمؤازرة من النقاد الذين ساعدوه وهم أنور المعداوي، رجاء النقاش، د. عبد القادر القط وبدأ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي تجربته الحقيقية في الشعر من القاهرة، وتأثر حينها بالشعراء الرومانتيكيين فكتب قصيدة ''المخدع''، بشكل تقليدي على البحر الطويل .
وعن طفولته قال '' كان والده صارما فعهد به إلى الكتاتيب وهو في الرابعة من عمره وأتم حفظ القرآن الكريم كاملا وهو لم يتجاوز من العمر التاسعة بعد، وعاش في فترة الثلاثينيات التي شهدت أوج عطاء الحياة الأدبية في مصر وهي تعايش أبرز أعلامها كطه حسين والعقاد والإحيائيين كالبارودي ومحرم ونشوء مدرسة أبوللو ''شكري، العقاد، والمازني'' التي لم تكن مصرية فحسب وإنما اتسعت لشعراء آخرين من الأقطار العربية.
بسؤاله عن ماذا يعني الشعر له وهل الشعر قادر على البقاء قال '' الشعر فن لبناء الوجدان ولذلك يبقى ،القصيدة تُقال لتبقى , لأنها تتجه ليس إلى بناء وجدان فردي فقط بل تتجه إلى بناء ، الإنسان في بيئة معينة, في ثقافة معينة, لأنها ذات لغة, في هذه اللغة هي لغة قوم بالذات, لكن الشعر يستخدم لغتين, اللغة التي يستخدمها المجتمع, ولغة أخرى هي لغة الشعر, يعني طريقة الشعر في استخدام اللغة, ولذا هو قادر على البقاء, لأن طريقة الشعر في استخدام اللغة تصلح لليوم والغد وبعد الغد, اللغة العربية في القرن العشرين, مختلفة عن العربية في القرن التاسع عشر, مختلفة عنها في القرن الخامس عشر, أو العاشر, لكن لغة الشعر, لغة المجاز, ولغة إيقاع, اللغة الانفعالية, اللغة الكاشفة, لغة النبوءة هذه التي يملكها الشاعر, تتجاوز العصور والأجيال, هذا هو الشعر.
وعن تعريف الشعر وسؤاله هل الشاعر يعرف الشعر أم الشعر هو الذي يعرف الشاعر ومن يعطي الآخر؟ قال''الشعر هو الذي يعرف الشعراء، لأن الشعراء يبدأون مدينين للتراث الشعري في لغتهم، وفي اللغات الأخرى التي يقرؤون بها فلا يستطيع شاعر أن يكتب قصيدة ما لم ينطلق من آلاف القصائد التي كتبها الشعراء قبله، فالشاعر مدين للشعر بالقدر الأكبر من شهرته ومن عمله ويضيف ''إن الشاعر الموهوب يستطيع بعد ذلك أن يرد الدين للشعر بأن يضيف إليه، ولكن إضافة أي شاعر مهما بلغت لا تزيد على النسبة التي يمثلها في تاريخ الشعر ،فالشاعر الفرد واحد من آلاف الشعراء الذين ظهروا في اللغة وشعر الفرد حتى لو كان عبقريا فهو قبل كل شيء مدين للغة التي يكتب بها، واللغة هي نتاج تواريخ متعددة متوالية وليس تاريخا واحدا.
وما الذي يضيفه الشعراء للحياة ''نحن نستطيع أن نضيف رؤية، أن نفتح بابا في العمل في ديوان الشعر، وتراث اللغة لكننا مدينون بالقدر الأكبر مما تحقق, أكتب عما يمكن أن نسميه بالانكسار العام الذي أصيبت به حياتنا في مختلف مجالاتها، أكتب عن التاريخ، أو عن وعينا بالتاريخ، وحين نتحدث عن التاريخ لا أقصد الماضي بالطبع، وإنما أقصد فكرتنا ووعينا عن التاريخ، سواء كان هذا التاريخ ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا، وأكتب عن الوعي والانتماء، هذا الوعي الذي تعرض لتذبذبات وضعف كثير، وأكتب عن علاقتنا بالآخرين، وموقفي وموقف الإنسان بشكل عام في مواجهة الأسئلة الكبرى، في مواجهة مصيره وتاريخه، وهنا لا أتحدث عن المصير بالمعنى السياسي أو الاجتماعي، وإنما عن المصير بالمعنى الفلسفي، أكتب عن الموت.
وفي المقابل لهذا أكتب عن الحياة، وأقصد الكيان الإنساني الفرد لا من حيث هو إنسان اجتماعي فقط، أو سياسي وإنما هو من حيث كائن حي، أكتب عن الجسد الإنساني، وعن المرأة وبالطبع أكتب عن الصنف، أي الظواهر السلبية الخطيرة التي يواجهها الإنسان، عن التطرف وحرية التفكير، وحقوق الذين صنعوا اللغة والذين سبقونا طبعاً يوجد تعدد ثقافات، وهناك أسئلة مختلفة على كل ثقافة، وهناك قضايا ملحة هنا، وليست ملحة في مكان آخر، ولكني أتحدث كشاعر، والشاعر يهتم بالمشترك أكثر مما يهتم بغير المشترك، وحين يتحدث عن قضية مشتركة فهو يتحدث عنها من خلال وعيه الخاص بها، عن الصور، هذه الصور موجودة هنا وليست موجودة هناك، فمثلاً عندما أتحدث عن تجربة الحب، فلا شك أن هذه التجربة الإنسانية في مصر تختلف عن أي مكان آخر، فما يحيط بتجربة الحب والعلاقات بين الرجل والمرأة في العالم العربي لا يحيط بها في أوروبا او أمريكا، لا شك أن الكتابة تتلون بألوان خاصة، ولكن الموضوع الجوهري مشترك.
وحول تقييمه للشعراء والإنتاج الشعري الحالي قال '' الإنتاج الشعري الراهن في معظمه يدل على معرفة سطحية باللغة وأنا الآن أستمع إلى شعراء فأراهم يلحنون وهم على المنابر لحنا لا يغتفر لأنه ظاهر أنهم لا يقعون في أخطاء بسبب أنهم ينشئون علاقات غريبة أو غير معهودة أو يستخدمون قواعد صعبة إنما في الجمل البسيطة يخطئون أما علاقتهم بالمعجم فهي سطحية لأنهم لا يعرفون للكلمة تاريخا ويستخدمون الكلمة التي قرأوها مرة أو مرتين ولم يقرؤوا كيف كانت تستعمل في عصر سابق فهي فقيرة لم يستطيعوا تفجير معانيها عن طريق الاستعارات ولم يستطيعوا إنشاء لغة مجازية منها أنهم يعقدون علاقات عشوائية غريبة بين كلمة وأخرى ويظنون أنهم قد أنشأوا لغة مختلفة عن النثرية واللغة دائما يشترط فيها أن تكون (أداة تفاهم) لا أن تكون لغة شعرية فقط والفرق بينها وبين لغة المقال أنها تستعين بأدوات أخرى وتنشئ فهما مختلفا وتخرج معاني غير المعاني المعروفة.
من ناحية ثانية استخدام المفردات والتراكيب بشكل سطحي من خلال التنازل تماما عن الشرط الآخر (الموسيقى) فلا شك أن الإيقاعات تختلف ومن المؤكد أن البحر التام في دواوين القدماء يختلف عن الأرجوزة والموشح يختلف عن قصيدة الشعر الحر وبإمكان الشاعر المجد أن يستخرج إشكالات وإيقاعات لا تحصى وقواعد الوزن كالآلة الحاسبة تستطيع أن تستخرج منها أرقاما لا تحصى كذلك الحال مع أوزان الخليل التي يمكن التلاعب بها.
وعن الدور الذي يمكن أن يلعبه الشعر في حياة الناس، قال ''الشعر يفتح الآفاق أمام الإنسان ويعطيهم الإحساس بأنهم قادرون على كل شيء فالفروسية التي ارتبطت بالشعر هي قدرة على الإبداع والشعر له وظيفة لا يؤديها أي فن آخر فهو لغة كلية لأن الشاعر المجد مغن وفيلسوف ورسام وعالم في الوقت نفسه . وبسؤاله إن كان دور الشعر تراجع في حياة الإنسان العربي قال ''لم يتراجع الشعر لدينا بل نحن لم نتقدم ولم نصبح مجتمعا صناعيا وحديثا ومع ذلك فالشعر موجود في (فرنسا) أكثر مما هو موجود في بلداننا التي لا توجد فيها مجلة متخصصة في الشعر بينما في فرنسا توجد أكثر من مائة مجلة متخصصة في الشعر أما الشعراء الألمان فيعدون بالعشرات،وحول ما إذا كان راضيا عن مستوى التناول النقدي لتجربته قال ''كبار النقاد كتبوا عني وأعطوني حقي إلى حد كبير, فمصطفى ناصف أصدر كتابا عن ديوان واحد لي وهناك من أصدر كتابا عن (الأمير المتسول) ومن الأسماء التي كتبت عني محمد مندور ولويس عوض ورجاء النقاش وجابر عصفور وصلاح فضل ومحمد عبد المطلب, إضافة إلى الرسائل الجامعية التي قدمت عن تجربتي في العراق والسودان ومصر والجزائر وفرنسا وترجم شعري إلى كافة اللغات الحية كالفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية ولكن هل قيل كل شيء؟ لا بالطبع لأن كل ناقد قد ينظر إلى جانب وهناك نقاد يتمتعون بالنزاهة والعلم ولكنهم قليلون جدا وتأثيرهم محدود يستطيع أن يقول ما نقوله جميعا في قصيدة واحدة فالشعر غناء وعلم وفلسفة وتقرير.
وبسؤاله إن كانت ثقافتنا الراهنة تساعد على أن نعرف للشعر مكانه المؤثر في الحياة الإنسانية؟ وهل في وسع هذه الثقافة أن تزود فن الشعر بجمهور مثقف متابع متحمس قادر على أن يقرأ ويسمع ويفهم ويتذوق ويميز بين الشاعر والشعرور؟!
قال ''لكي يكون الجواب عن هذه الأسئلة بالإيجاب نحتاج إلى تربية لغوية صارمة تتكامل جوانبها ومراحلها, ولا تنهض بها المدرسة وحدها, بل تسهم فيها أجهزة الإعلام والثقافة وتراقبها الدولة والمجتمع كله, فاللغة القومية هي الأمة, والذين يفقدون لغتهم يفقدون أنفسهم.
ونحن نحتاج في نشر الشعر وتقديمه للقارئ ونقده لمنابر مختلفة متنوعة تدار بكفاءة فنية وضمير حي.
ونحتاج أخيرا إلى نقاد مثقفين موهوبين أمناء يستطيعون أن يقرأوا لغة الشعر ويكشفوا أسرارها ويضعوا أيديهم على ما فيها من خصوبة ومهارة وتفرد وجمال.
وعن رؤيته للمثقف العربي في العصر الراهن قال '' المثقف العربي اليوم, في حال سيئة جداً, من وجوه متعددة, فمصادر ثقافته مشوشة على كثرتها, مع أن الوصول إلى الثقافة, أصبح أيسر مما كان قبل ثلاثين أو خمسين سنة, فنحن الآن نتلقى الثقافة من مصادر مختلفة, وبسهولة وسرعة, عن طريق الكتاب طبعاً, والسينما والإنترنت, والتلفزيون والسفر والاتصال, يعني هناك بالفعل, ما يمكن أن نسميه أفضال العولمة, ليس على المثقف العربي وحده, بل على المثقف في كافة أنحاء العالم, ولكن التشتت السياسي, والأيديولوجي, وضعف المؤسسات التعليمية والثقافية, داخل بلادنا, وتراجعها, أدى بالمثقف العربي إلى أن تكون ثقافته مشوشة, ضعيفة, وأن تكون نتفاً من هنا وهناك''.
ولكن كيف تقوى الثقافة؟ ''طبعاً تقوى بالنقد, أي بأن نراقب ونمتحن أنفسنا, ونحن لا نمتلك حركة نقدية, فاعلة,مؤثرة, وبالتالي, يستطيع كل من هب ودب, أن يدعي أن له باعاً طويلة في هذا الفن أو غيره, دون أن تتأكد من ذلك , بل على العكس, قد نكون متأكدين من أن فلاناً من الناس ليس شاعراً, ولكن أحداً لا يستطيع أن يمنعه, أو يكفّه, عن خداع الناس بصورة مزيفة, وإلى جانب النقد الذي يمثل رقابة, و يستطيع أن يميز بين الخبيث والطيب في الثقافة, هناك أيضاَ امتحان الثقافة, في التطبيق, وفي العمل.
وحول رؤيته لمستوى الثقافة العربية قال '' الآن في تراجع, فنحن لا نستطيع القول إن لدينا في الكتابة, سواء الشعرية أم النثرية , الطاقات التي كانت قبل ثلاثين عاماً أو أربعين, وكذلك الأمر بالنسبة إلى أي فن آخر, فلا نستطيع القول إن المسرح العربي الآن مزدهر كما كان مثلاً في الخمسينيات, أو حتى في الأربعينيات أو نفكر مثلاً في مسرح نجيب الريحاني أو مسرح رمسيس في مصر العشرينيات, والذي لا نجد له مثيلاً في مصر, ولا أظن المسرح في أي بلد عربي آخر, يختلف عنه في مصر, كذلك السينما المصرية, التي كانت صناعة وطنية حقيقية ومصدرا من مصادر الدخل يحتل المرتبة الثانية في مصر, ماتت, أو هي تلفظ أنفاسها الأخيرة الآن. في مجال الموسيقى والغناء ما الأصوات التي ظهرت بعد عبد الوهاب وأم كلثوم؟ وهكذا. ما الألحان التي ظهرت بعد ألحان عبد الوهاب والقصبجي والسنباطي وزكريا أحمد؟

