أحمد البخاري:
قرار القضاء المصري إلزام شركات صناعة الأسمنت بدفع غرامة 180 مليون جنية مصري (32 مليون دولار أمريكي) بواقع 10 ملايين جنية مصري لكل من الشركات الثمانية عشرة العاملة في السوق المصري يعد نقلة نوعية في مجال مكافحة الاحتكار حيث كانت تلك الغرامة من أكبر الغرامات التجارية التي يحكم بها القضاء المصري وأول تطبيق فعلي قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية الذي تم سنه في العام 2005 بعد ما تبين وجود اتصالات داخل كارتيل صناعة الأسمنت لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها.
يثير هذا الخبر عدة تساؤلات وملاحظات حول أوضاع المنافسة الاحتكار في مصر خاصة وفي الأسواق العربية بصورة عامة فقيمة الغرامة على ارتفاعها النسبي تظل أقل بكثير من الأرباح المتعدية التي استطاع كارتيل صناعة الأسمنت أن يحققها منذ قيامه بالممارسات الاحتكارية وحتى قيام القضاء بالفصل في المسألة. الملاحظة الثانية تتعلق بالتفاوت النسبي في مسألة التعامل مع الاحتكار فبينما قامت الحكومة بتغريم كارتيل صناعة الأسمنت فإنها غضت النظر عن شركات الحديد المصرية بل وتقاعست عن فتح باب الاستيراد لعدة أعوام بدعوى حمائية. قد لا تبدو الحمائية خياراً سيئاً في ظروف خاصة حيث اختارت الولايات المتحدة مثلاً الحمائية لدعم صناعة السيارات والبنوك والتأمين للحيلولة دون انتهار هذه الصناعات – وحتى الآن ما زال الجدل دائراً في الدوائر السياسية الأمريكية حول التأثيرات السلبية للحمائية على التنافسية حيث يري أقطاب النظام رأسمالي أن السوق الحر كفيل توليد شركات أكثر فعالية وتكيفاً مع المتغيرات السوقية – واختار الاتحاد الأوروبي حماية صناعة الطيران والفضاء ولذا قد يري البعض بأن سياسة حماية صناعات الكيماويات والأسمنت والحديد وغيرها مما لا تتسع المقالة لذكره ربما تكون خياراً مقبولاً من وجهة النظر الاقتصادية لكنني أختلف مع هؤلاء في الرأي فالحماية التي يتكلم عنها الأمريكان والأوروبيين هي الحماية التي تحفظ تنافسية شركات الداخل وتسمح لها ببناء قاعدة للمنافسة داخلياً وخارجياً دون التعدي على حقوق المواطنين أما الحمائية التي يتم من خلالها استغلال المواطنين دون زيادة في الوظائف أو التوسع الحقيقي – نحو الخارج – فإنها غير مقبولة دينياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً. الحقيقة أن تلك الشركات غير قابلة للاستمرار على هذا الحال وغالباً ماتزول بزوال الحمائية والأجدر بإدارات هذه الشركات أن تبحث عن الحل داخل هيكلها الإداري والمالي والتشغيلي.
أما الملاحظة الثالثة فإنها تتعلق باتساع الفجوة بين التطورات الأكاديمية والعلمية والتقنية من جهة والقوانين والتشريعات التجارية من جهة أخرى فعلى سبيل المثال لا تزال قوانين حماية الملكية الفكرية وقوانين تنظيم التجارة الإلكترونية وقوانين تنظيم عمليات الاستحواذ والاندماج وحماية الخصوصية أقل تنظيماً وفعالية من مثيلاتها في الدول المتقدمة وهذا يؤثر سلباً بطريقتين الأولى طرد الشركات متعددة الجنسيات والتي تبحث دائماً عن موطن آمن للاستثمار – علماً بأن الشركات متعددة الجنسيات تستحوذ على أغلب الاستثمارات الخارجية المباشرة حول العالم – أما الثانية فحرمان المستثمر المحلي من بيئة النمو الطبيعية المطلوبة وبالتالي تكبد خسائر اقتصادية وإستراتيجية على الصعيد الشخصي أولاً ثم على المستوى الوطني ككل.
مع احتدام المنافسة وغلبة العولمة لا يبدو أنه أصبح هناك الكثير من الخيارات أمام رجال الأعمال فالحمائية أصبحت من الماضي والآن إما الخروج من السوق أو إعادة هندسة الشركات لتصبح أكثر فعالية وربحية وهذا يعني الحاجة الماسة لنقل أفضل ممارسات التشغيل والتقنيات المساندة من الدول المتقدمة. كذلك لا يمكن لنا أن نغفل عن دور الحكومات في وضع الخطط التنموية المتكاملة لتدريب وتوطين المهارات والإمكانات البشرية وتوفير البنية التحتية الاقتصادية والتشريعية والتقنية وهذا ما يبدو أكثر نفعاً على المدى البعيد من العمل في بيئة حمائية تشبه إلى حد كبير التنفس الصناعي ... تنتهي حياة المريض بمجرد تجريده من خرطوم الهواء.
