الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

تحديات الصناعة الرائدة

صلاح البلالي
صلاح البلالي
الاثنين 22 يونيو 2009 3:59
تحديات الصناعة الرائدة

تحدثت في مقالاتي السابقة عن الميزات التنافسية التي تتميز بها المملكة فيما يتعلق بوجود الطاقة وتوافر الغاز الذي تنبني عليه الصناعات البتروكيماوية، ثم ذكرت في أحد المقالات عاملا مهما لقيام اقتصاد صناعي وهو إنشاء سكك الحديد وتكوين شبكة القطارات. أما هذا المقال سيكون لذكر بعض المعضلات والتحديات التي قد تقف في طريق التنمية الصناعية.

وفي اعتقادي أن أهم وأخطر معضلة قد تبطئ ظهور النتائج، هي معضلة توافر الكهرباء في المناطق الصناعية. إنني كنت أخجل من الشركات الصناعية العالمية عندما أناقش معهم دراسات الجدوى للمصانع التي نود إقامتها سنوياً، وأذكر لهم أنه يجب علينا شراء مولدات للكهرباء لتشغيل المصانع، حيث لا تتوافر كهرباء في بعض المناطق الصناعية، حيث أرى بعض الدهشة تعتلي وجوههم، وحتى و أنا أكتب هذا المقال ينتابني بعض الخجل أيضاً. إنني قد أفكر في شراء مولدات لبناء مشروع استراحات، أو لعمل مخيم في البر، ولكن ليس لبناء اقتصاد يريد الاعتماد على الصناعة. أعلم أن هناك جهودا كبيرة تبذل من قبل المسؤولين في جميع القطاعات المسؤولة، غير أن بناء اقتصاد صناعي سيحتاج إلى مضاعفة الجهود وخاصة من هذه الناحية، فالوقت يمر بسرعة، والدول الصناعية تتنافس بقوة، فإذا أردنا التفوق علينا أن نكون بحجم المنافسة ولن ننافس العالم.. (بمواطير كهرب).

أما المعضلة الثانية فهي معضلة سهولة أو صعوبة الدخول و الخروج من وإلى المملكة، فكثيراً ما تؤثر هذه المشكلة في بعض المشاريع، وكثيراً ما تؤدي إلى إلغاء بعض المعارض أو المنتديات المراد إقامتها في المملكة، أو يتم تحويلها لبعض الدول المجاورة. إن السعودية هي أكبر سوق اقتصادي في المنطقة بلا شك، وصاحبة المركز الأول لمبيعات أغلب القطاعات الاقتصادية، غير أن المعارض والمنتديات المهمة لا تقام إلا في الدول المجاورة ونضطر لدفع تذاكر وفنادق يستفيد منها الآخرون ونحن أحق بها وأهلها، لو وضع نظام يراعي بدقة تنشيط المعارض والمنتديات التجارية، ويتم توفير تأشيرات الدخول لها بسهولة لاستفاد القطاع السياحي والخدمي بشكل كبير.

كذلك أحد أهم التحديات التي يواجهها القطاع الاقتصادي هو نقل التقنية، فعندما نستعرض أي نمو صناعي حدث خلال الأعوام الـ 20 الأخيرة, نجد أن أهم الأشياء الملاحظة على نتائج هذا النمو هو نقل التقنية بشكل فاعل. فلو نرى التوسع الصناعي في الصين، أحد أهم عمالق الصناعة التي نمت خلال السنوات الماضية، نجد أن خلفه نجاحا كبيرا في نقل التقنية، أو إن شئت قل نسخ المنتجات المصنعة في الدول الأخرى. بل أصبحنا نرى نسخ التقنية بشكل عجيب، فشركة مثل هواوي الصينية نجحت في اختراق أغلب أسواق العالم في مجالات الاتصالات وشبكات التقنية، وذلك لأنها نجحت في تصنيع منتج بجودة المصنع نفسها في الولايات المتحدة وأوروبا بسعر رخيص جداً.

وعندما نرى المصانع التي بنيت في المملكة وحتى التي في قطاع البتروكيماويات الذي نتغنى به، نجد أن عقود بناء وتشغيل هذه المصانع لا تحتوي على حق امتلاك التقنية وتطويرها، ومن الأشياء التي لا يعلمها أغلب الناس هي أن قدرة المصانع السعودية في الصناعات البتروكيماوية محصورة في منتجات محددة، وأن هناك كثيرا من المنتجات لا يتم إنتاجها في المملكة بسبب غياب التقنية علماً أن تلك المنتجات ذات هامش ربح عال، وهذه المصانع الأوروبية والأمريكية بطبيعة الحال تمتنع عن إعطاء التقنية. إن الوقت الحالي (بعد الأزمة الاقتصادية) هو أفضل وقت للتفاوض مع أصحاب التقنية لبناء المصانع ونقل التقنية، فالشركات العالمية في أمس الحاجة إلى زبون وهي على استعداد أكثر من ذي قبل للقبول ببعض الشروط مقابل دخل يغطي تكاليفها السنوية.

أما الجانب الآخر للتقنية فهي الجامعات ومراكز الأبحاث، فإنه من المفيد ربط كثير من الشركات بأقسام البحوث في الجامعات، حيث يستفيد الباحث مادياً من الشركة وتستفيد الشركة من الأبحاث التي تتفق مع عملها في الجامعة، فتدعم كل شركة الأبحاث الموجهة لمنتجاتها، غير أن هذا الخيار سيحتاج إلى وقت طويل يتكون من خلاله تجمع بحثي تقني يربط مجموعة كبيرة من الجامعات ومراكز الأبحاث بالتجمعات الصناعية، ولذلك أعتقد أنه ستمضي عشرات السنوات قبل أن يكون لدينا قطاع منافس في التقنيات الحيويةBiotechnical ، لأن هذه القطاعات التقنية المتقدمة تستند إلى تجمع مراكز الأبحاث والجامعات الراقية مثل تجمع وادي السيليكون، وتجمع بوسطن في أمريكا، كذلك تجمع بانقلور وحيدر أباد في الهند، وقِس عليها سنغافورة وبريطانيا وغيرها، لذلك أخشى أن يحبط كثيرون ممن يراهنون على قطاع التقنية الحيوية في المملكة، فإننا ننافس في مجال لا نمتلك الميزة التنافسية فيه، ولكن ربما بعد سنوات طويلة (أكثر من 20 عاما) قد تتكون بيئة تتوافر فيها البنية التحتية للتطوير التقني والحيوي التي أهم عناصرها وجود تجمع للعقول البحثية في إحدى مناطق المملكة.

وهذه كلها تحديات، غير أن الإرادة الصادقة لا تقف أمامها تحديات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية