مع التغيير الجذري الجاري في الكيفية التي يخصص بها البنتاجون أمواله، فإن المتعاقدين مع القطاع العسكري يضطرون إلى التكيف مع عالم لم يعد فيه الكبير هو الأفضل
في خطابه الرئاسي الوداعي الذي ألقاه دويت إيزنهاور عام 1961، فإنه أعطى اللغة الإنجليزية عبارة جديدة هي – المجمع العسكري الصناعي.
كان الجنرال السابق الذي قاد القوات الأمريكية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، يشير إلى علاقة محرمة بين البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية)، وشركات الدفاع الأمريكية القوية بوجود مصالح متبادلة بينهما للإنفاق بمبالغ ضخمة من الأموال العامة من أجل شراء أسلحة لمحاربة الأعداء الحقيقيين والوهميين.
بعد أكثر من 40 عاماً، تولى روبرت جيتس عصا القيادة. ويريد وزير الدفاع الأمريكي الذي لا ينم وجهه عن أي تعابير، أن يغير جذرياً هذه العلاقة الحميمة بإعادة تشكيل أولويات الإنفاق، وإعادة صياغة عملية مشتريات الأسلحة.
لهذا التغيير تداعيات كبيرة على القطاع الخاص. وسينبغي على المقاولين التكيف، لكي يضمنوا الحصول على شريحة من الكعكة. والبعض أكثر تقدماً في العملية من آخرين غيرهم، ولكن التخطيط سوف يكون هو العامل الحاسم. وكان موردو الدفاع الكبار مثل شركة نورثروب جرومان Northrop Grumman، وشركة بوينج Boeing، يعملون على محاكاة حروب المستقبل لعدة عقود زمنية، ويبنون نماذج حاسوبية معقدة لتجربة المشاهد، وتقييم الحلول المحتملة قبل توصيلها إلى الخطوط الأمامية.
عندما اختار الرئيس باراك أوباما استبقاء جيتس في وظيفته - لأول مرة يتم الاحتفاظ بوزير للدفاع من الحزب المعارض - كان من الواضح أن التغيير كان قادماً لا محالة إلى البناية ذات الجوانب الخمسة التي تنفق أكثر من 20 ألف دولار (12,520 جنيه استرليني، 14,320 يورو) في الثانية.
أراد أوباما أن يصلح عملية مشتريات الدفاع لكبح التكاليف المتزايدة، وتقليل فترات التأخير في عمليتي الإنتاج والمشتريات، وهي مهمة متزايدة الأهمية في الوقت الذي وصل فيه الاقتصاد إلى الحضيض. وأعطى هذا الأمر إلى جيتس الذخيرة التي كان يحتاج إليها للدفع باتجاه التغييرات، وفي بعض الحالات بشأن الاعتراضات على الخدمات العسكرية التي تملك كل منها مصالحها ضيقة الأفق.
في العامين اللذين عين خلالهما جورج دبليو بوش جيتس في عام 2006، فإن القوات العسكرية- والجيش تحديداً - غيرت تركيز عملياتها، من الحرب التقليدية إلى الحرب غير النظامية، وعمليات مواجهة التمرد. وأما جيتس الخبير البيروقراطي الذي شحذ مهاراته في وكالة الاستخبارات المركزية، وأصبح محلل مستوى الدخول الأول، ويرتقي ليصبح مديراً، فإنه أراد من البنتاجون أن يعدل إجراءاته الراسخة منذ فترة طويلة بحسب التحول في العمليات عن طريق تغيير نظام المشتريات.
كتب جيتس في عدد شهر كانون الثاني(يناير)/شباط (فبراير) من مجلة الشؤون الخارجية"فورين أفيرز"، قائلاً إن البنتاجون في حاجة إلى موازنة الإنفاق على البرامج التقليدية التي تسعى إلى وجود "حل بنسبة 99 في المائة" – يتضمن النصر التام تقريباً – على مر السنوات، في حين أن الإنفاق على الاستقرار وعمليات مواجهة التمرد يقتضي وجود "حلول بنسبة 75 في المائة" – تتضمن، وربما تقهر، إلى حد كبير، عدواً كان يحتفظ ببعض القدرات – خلال فترة أسرع تتمثل في عدة شهور فقط.
كتب جيتس قائلاً: "إن التحدي الماثل هو ما إذا كان بالإمكان جعل هذين النموذجبن المختلفين يتعايشان في ظل الذهنية والبيروقراطية العسكرية الأمريكية. والعامل الرئيس هو التأكد من أن الاستراتيجية، وتقييم المخاطر، يدفعان عملية الشراء، بدلاً من أن يكون الأمر على العكس من ذلك". وأشار جيتس على سبيل المثال، إلى أن على البنتاجون أن يأخذ في الحسبان استخدام "طائرات بتكلفة وتقنية أدنى"، والتي يمكن أن يستخدمها أيضاً حلفاء أمريكا، التي يبدو من الواضح أنها أمر تافه مقابل الطائرات النفاثة إف 22 المكلفة.
عندما كشف جيتس الذي كان بنفسه ضابط سلاح جو سابق، عن ميزانية الدفاع لعام 2010 بعد ثلاثة أشهر، فإنه أوقف شراء طائرات إف 22 – وهو برنامج مشهور في كابتول هيل (مقر الكونجرس الأمريكي) لأن الإنفاق الذي يتطلبه ينتشر عبر معظم أرجاء الولايات المتحدة – بنحو 187 طائرة.
عند تخفيض البرامج، فإن نجاحه اعتمد جزئياً على علاقة أفضل من المعتاد مع كبار الضباط في القوات العسكرية. وضمن التغيرات الكبيرة الأخرى في الميزانية، فإن جيتس أمر بإجراء تخفيضات على الدفاع الصاروخي، وبرنامج أنظمة الحرب المستقبلية المكلف بشكل كبير. وقام بتأجيل تطوير القاذفات طويلة المدى التي جادل سلاح الجو بالقول إنها ستكون ضرورية لأي صراع مع الصين. وقرر أيضاً تقليل أسطول ناقلات الطائرات الأمريكي.
كجزء من الجهود لتحسين قدرة البنتاجون على تحمل الحرب غير النظامية، خصص وزير الدفاع ملياري دولار كأموال جديدة لبرامج "الاستخبارات، والمراقبة، والاستكشاف". ومن بين أشياء أخرى، فإن من شأن ذلك أن يدفع تكلفة 50 طائرة بريداتور Predator بلا طيار اللاسلكية من النوع الذي تستخدمه القوات العسكرية الأمريكية، ووكالة الاستخبارات المركزية في استهداف المسلحين في العراق، وأفغانستان، وباكستان.
قدم جيتس أيضاً مصادر جديدة لزيادة عدد الخبراء في الفضاء الإلكتروني في البنتاجون، في الوقت الذي تندفع فيه الحكومة الأمريكية باتجاه تطوير الدفاع، والقدرة على الهجوم، في الفضاء الإلكتروني. وأمر أوباما فريقاً من الخبراء بمراجعة أمن الولايات المتحدة في الفضاء الإلكتروني، ومن المتوقع أن تنشر نتائجه في الأسابيع المقبلة.
لا يقترح جيتس تخفيض البنود المكلفة للغاية في المستقبل القريب فحسب، وإنما أيضاً يروج لإحداث تغييرات جذرية في الطريقة التي يشتري البنتاجون بواسطتها معداته. وكان مؤيداً للتشريع الذي تمت الموافقة عليه حديثاً، والذي من شأنه أن يساعد وزارة الدفاع على تخفيض تكاليف الاستحواذ، جزئياً بالتشديد على ولع القوات العسكرية بـ – وميل الصناعة إلى بناء – التقنية المطلية بالذهب المكلفة، بدلاً من شراء البدائل القائمة الأدنى تكلفة.
في خطوة رمزية كانت تهدف إلى منع "زحف المستلزمات"، ألغى جيتس عقداً لتصميم طائرة هيلوكبتر رئاسية من قبل شركة لوكهيد مارتن Lockheed Martin، وشركة أوجستاويستلاند AgustaWestland، والتي كانت باهظة التكلفة بسبب المتطلبات الإضافية التي تمت إضافتها لاحقاً.
قال جيتس عندما أعلن عن الميزانية في شهر نيسان (إبريل): "إن أهداف التحديث التقليدية يجب أن تكون مرتبطة بالقدرات الحقيقة والمتوقعة لأعداء المستقبل المعرفين – وليس بما يمكن أن يكون مجدياً على الصعيد التقني لعدو محتمل، نظراً للوقت والموارد غير المحدودين".
وجد مكتب المساءلة العام، الذراع الرقابي للكونجرس، في العام الماضي أن هناك قرابة 300 مليار دولار من التجاوز في النفقات عندما قام بدراسة 95 مشروعاً دفاعياً كبيراً. وعند التوقيع على تشريع التكاليف الذي أيده جون ماكين، الذي خسر السباق الرئاسي، قال أوباما إنه كان يرفض أيضاً "الفكرة بأن علينا إهدار المليارات من دولارات دافعي الضرائب لإبقاء هذه الدولة آمنة". وأضاف الرئيس: "عندما يتعلق الأمر بنظام شراء الأسلحة وتطوير مشاريع الدفاع، فإن الخيار الذي نواجهه هو بين الاستثمارات المصممة لإبقاء الشعب الأمريكي آمناً، وتلك المصممة ببساطة لجعل شركة الدفاع أو المتعاقد ثرياً."
في حين أن الجهود لضبط التكاليف ستؤثر في عوائد شركات الدفاع في السنوات المقبلة، إلا أن التحول في تركيز جيتس باتجاه الحرب غير النظامية هو الذي سيكون له التأثير الأكبر.
يقول لورين ثومبسون، محلل الدفاع في معهد ليكسنجتون، وهو مؤسسة فكرية، إن البنتاجون سوف ينفق المزيد على الموظفين – على جيش أكبر، ومؤسسات للبحرية، ولكن أيضاً على التقنيات التي تحتاج إلى عمالة مكثفة والتي تراوح بين أجهزة الحواسيب المحمولة للمشاركة في الاستخبارات، إلى أجهزة البث الرقمية والتسلح الجسدي. وسوف يذهب المزيد إلى الخدمات، وبشكل أقل على نحو متناسب على الأجهزة.
يقول ثومبسون: "توقعت بعض شركات الدفاع هذا التغيير منذ سنوات مضت، وهي تجني الآن هذه المنافع. وتعتبر شركة لوكهيد مارتن نموذجاً لذلك الاتجاه. وطورت شركات الدفاع الأخرى قدرات رئيسة متخصصة. فعلى سبيل المثال، تعتبر شركة جنرال دايناميكس General Dynamics فاعلة للغاية في الدفاع في الفضاء الإلكتروني، حسبما يقول ثومبسون. ويضيف: "بعدئذ هناك شركات أخرى مثل بوينج، تعتبر متأخرة نسبياً في الإدراك أن مبيعات الأجهزة ستنخفض بسرعة للغاية".
كان المخططون في "نوررثروب جرومان" يدرسون الحرب غير النظامية منذ ثلاث سنوات حسبما يقول جون هافا، مدير الشركة في مركز التحليل في الشركة. وتدرس" نورثروب" ثلاثة مشاهد مختلفة: الصراع التقليدي ضد عدو متطور للغاية، من شأنه أن يستخدم أساليب "غير متناسقة (الضرب بأشد مما تفعل الولايات المتحدة في العادة، والصراعات غير النظامية، و"وحماية العوامل المشتركة"- بغض النظر عما يبدو عليه الصراع المستقبلي، فإنه يجب حماية عوامل الهواء، والأرض، والبحر، والفضاء الإلكتروني المشتركة جميعها.
يقول هافا: "كان جيتس يتحدث عن التأكيد على الحرب غير النظامية مع المحافظة على القدرات الأخرى في الوقت ذاته. وبناءً عليه، فإنه لا يتخلى عن برامج وأنظمة كبيرة. وثمة الكثير من التفكير الذي يجري حالياً، ولا يمكنك أن تطلق على ذلك حربا، بل عليك أن تطلق عليه عبارة الأمن. ونحن نحاول توفير بيئة آمنة للسكان في المشاهد الثلاثة المختلفة". ويقول إنه على الرغم من الشكوك، إلا أن هناك قدرات مؤكدة تعرف الشركة أنها ستكون مطلوبة، مثل المجسات، والقدرات المركزية للشبكات.
أجرت الشركة تمريناً مماثلاً عند نهاية الحرب الباردة الذي شكل المسودة لبعض الصفقات التي تولتها "نورثروب".
في "بوينج"، كان التنفيذيون يجرون تمارين مماثلة. ويقول جاي هيجينز، نائب رئيس التحليل، والتشكيل، والمحاكاة، والتجريب، إن التركيز أقل على التقنية بمقارنة بالقدرات، وقال إن "بوينج" تبدأ بالطريقة التي يتعامل بها الناس مع مشكلة محددة اليوم، ثم تحاول أن تبين الاختلاف بين ذلك، والطريقة التي يمكن التعامل بها معها في المستقبل.
يعتقد المحللون إن عديدا من مقاولي الدفاع البارزين سيسعون إلى تنفيذ استحواذات محكمة على الشركات خلال السنوات المقبلة، والتركيز على مجالات مثل تقنيات الأمن الداخلي، والاستخبارات، والمراقبة، والاستكشاف، والرجال الآليين. وينظر التنفيذيون إلى المركبات الجوية غير المأهولة على أنها مجال غني للتطوير أيضاً.
وفقاً لهيجينز، فإنه كان هناك ابتكار هائل في الصناعة خلال السنوات العشرين الماضية، ولكن في معظم الحالات كان ذلك يعني وضع التقنيات القائمة معاً بطرق جديدة من أجل ابتكار قدرات جديدة. ويقول إن على التقنية الحديثة فعلياً أن تبدأ عند مستوى البحث الأساسي.
حيث إن على القوات العسكرية أن تساعد على نحو متزايد في استقرار العمليات، على أية حال، فإنه ينبغي على الولايات المتحدة، وحلفائها، الاحتفاظ بقوات جوية، ومسلحة، تقليدية كافية. وسيكون لوجود ما يكفي من الأقدام على الأرض أهمية بالغة.
ليس جميع الخبراء على قناعة بأن جيتس يمهد الطريق الصحيح، على أية حال. ويقول ريتشارد أبو العافية، وهو خبير جوي في "تيل جروب" Teal Group، وهي شركة استشارات مقرها في ولاية فيرجينيا، إن وزارة الدفاع تدفع باتجاه الحرب غير النظامية، والسبب جزئياً هو تقليل التكاليف الكلية التي يعتقد أنها ستحدث تأثيراً معاكساً في نهاية المطاف.
يقول أبو العافية: "إن هذا الابتعاد عن الحروب الكبيرة يحدث كل بضعة عقود. وانتهى تخطيط حرب بريطانيا الفكتورية بحدوث الحرب العالمية الأولى، حسبما يقول البرنامج التلفزيوني بلاكادير Blackadder، عندما ظهر للعيان أربعة ملايين ألماني مسلحين بقوة. وحدث الأمر بعد فيتنام، عندما أصبح من الواضح أن الروس كانوا يشكلون تهديداً أكبر بكثير... وسيحدث ثانية عندما تتحدى دولة أكبر، وأفضل تسليحاً، قوة الولايات المتحدة بعد أن أعادت القوات المسلحة الأمريكية تشكيل نفسها لقتل الرجال في سيارات تويوتا.."

