الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

إذا كانت الأسواق غير تنافسية، أو إذا كانت، خلافاً لذلك فاشلة في العمل بصورة صحيحة، فإن الأمر يتطلب الذراع الطويلة للحكومة لحماية "اليد الخفية".

هذه المرة، تجري أمريكا بأقصى سرعة كي تلحق بالاتحاد الأوروبي. بفرضها غرامة قياسية على شركة إنتل، أعلنت السلطات المسؤولة عن المنافسة في الاتحاد الأوروبي، للجميع أنها لن تتساهل مع المحاولات التي تبذلها شركة مهيمنة لسحق الشركات المنافسة لها عبر تهديد العملاء، أو التلاعب بالأسعار. ويعتبر فريق الرئيس باراك أوباما الجديد في المراحل الأولى من قول: "نحن موافقون". فبعد سنوات سمحت فيها إدارة بوش للشركات المهيمنة بأن تفعل ما يحلو لها، تجوب كرستين فارتي، شرطية الرئيس الجديد المختصة بمكافحة الاحتكار، أنحاء واشنطن لتخبر الشركات أن فجوة تطبيق القوانين بحق المخالفين انتهت.

هذا الأمر ذا أهمية خاصة بالنسبة لصناعات التكنولوجيا العالية. التحول الجديد "سيكون خبراً سيئاً بالنسبة للشركات الكبرى العاملة في الصناعات التكنولوجية، من أمثال جوجل ومايكروسوفت"، كما يقول هربرت هوفنكامب، أستاذ القانون في كلية جامعة أيوا، ولعله مصيب في ذلك. وإذا كان مصيباً، فإن أي شخص يؤمن بقدرة الأسواق الحرة التنافسية على إنتاج معدل سريع من الابتكار والأسعار التي لا تنطوي على أرباح احتكارية، يمكن أن يضيف إلى ما قاله هوفنكامب "هذا شيء جميل".

لقد درست وكتبت عن المنافع التي يجنيها المجتمع من المنافسة القوية على مدى عقود قبل أن أصبح مستشاراً لشركة آدفانسد مايكرو ديفايسس Advanced Micro Devices ، ولم أشارك مباشرة في الطعونات القانونية التي تقدمت بها الشركة ضد إنتل. إن العملاء يستفيدون من الأسعار العادلة ومن الابتكار الذي لا تعترض سبيله العوائق، ويستفيد المجتمع من الحراك الاجتماعي الذي ينشأ عن ذلك؟ أصحاب المشاريع الذين تحولوا من الفقر إلى الغنى، غالباً ما يقامرون بمدخراتهم الشخصية لتنفيذ فكرة جديدة. لكن صناعات التكنولوجيا العالية أقنعت في السنوات الأخيرة مسؤولي تطبيق القوانين في الولايات المتحدة أنها مختلفة - بمعنى أن كل القوانين الخاصة بمكافحة الاحتكارات تناسب الصناعات التي تتصاعد الأدخنة من مداخنها لكنها لا تناسبها هي.

لنترك جانباً مسألة كيف نعرف، أو نحدد صناعة التكنولوجيا العالية. إن الربوتات والبرمجيات في أي مصنع للسيارات لا تصدر دخاناً يخرج من المدخنة. ولنركز بدلاً من ذلك على ما يحتاج إليه المجتمع من المشاريع الموجودة في وادي السيليكون. إنه يحتاج إلى ابتكار سريع وهذا يأتي من القادمين الجدد إما بصورة مباشرة عندما يدخلون إلى السوق، وإما بصورة غير مباشرة من الضغط الذي يمارسونه على الموجودين قبلهم كي يبتكروا، أو يتنازلوا عن حصة السوق، أو الأسوأ من ذلك أن يختفوا من المشهد.

ومن المؤكد أن هناك حاجة كبيرة، أو حتى أكبر، للإبقاء على باب الدخول إلى السوق مفتوحاً، أو منع إجبار العملاء على التحول إليهم، أو معاقبة التسعير الذي يمنع المنافسة وغير ذلك من الممارسات عندما نتعامل مع قطاع الاقتصاد الذي يقوم بالابتكار. إن أصحاب رؤوس الأموال المغامرة الذين كثيراً ما يقدمون الدعم لأصحاب المشاريع الجدد يعرفون هذا – وبدون طمأنة القادمين الجدد بأنه لن يتم سحقهم بصورة غير عادلة، فإنهم سيغلقون محافظ نقودهم ولن يمولوا أية مشاريع جديدة.

وهذا هو سبب الترحيب الكبير بالأسلوب الجديد لإدارة أوباما الذي هو في حقيقة الأمر رفض للتسوية الناعمة التي تفاوضت عليها إدارة بوش مع شركة مايكروسوفت. إن التنفيذيين المتوترين ومحاميهم يقولون إن كل هذا لا يعدو كونه رداً على منافسين ينتحبون، يحاولون أن يفوزوا في قاعات المحاكم لأنهم غير قادرين على المنافسة في السوق. غير أن السيدة فارني تستطيع أن تفرز الغث من السميد، وألا تتابع إلا الشكاوى التي ترى أنها مبنية على مخاوف مشروعة بشأن الممارسات المناهضة للمنافسة. وكون الشكوى تأتي من شركة غير مهيمنة ليس مدعاة لاستبعادها.

ولذلك هذا النقد المتكرر لبيروقراطية الاتحاد الأوروبي وميله إلى التنظيم عندما يكون من الأفضل ترك الأسواق تعمل لتحسين كفاءتها ذاتياً، ينبغي أن يثير الإعجاب مرتين بالسيدة نيلي كروس، مفوضة المنافسة. ولكن مرتين فقط. فربما أخطأت بالإدعاء أن الغرامة التي فرضت على شركة إنتل تفيد دافعي الضرائب في الاتحاد الأوروبي. فقد أعطى ذلك سبباً للمنتقدين كي يشتكوا من أنها في حقيقة الأمر تفرض ضريبة على شركة أمريكية لتخفف مآزق الأوروبيين الذين يعانون من العبء الضريبي الذي يثقل كاهلهم. وبدلاً من ذلك، كان يتعين على السيدة كروس أن تجد طريقة لتوزيع أية أموال يمكن أن تحصل عليها على المستهلكين الذين تضرروا من الممارسات التي تبين لها أنها غير قانونية – ربما عن طريق الدفع للمستهلكين بما يتناسب مع مشترياتهم من شرائح شركة إنتل. وهذا أمر ليس سهلاً من الناحية الإدارية، لكنه يساعد في كسب الدعم في الولايات المتحدة لمزيد من تطبيق القوانين الخاصة بمكافحة الاحتكار.

خذوا ذلك عن اقتصادي محافظ يفضل التقليل من التدخل الحكومي: إذا كانت الأسواق غير تنافسية، أو إذا كانت، خلافاً لذلك فاشلة في العمل بصورة صحيحة، فإن الأمر يتطلب الذراع الطويلة للحكومة لحماية "اليد الخفية". ودعونا نأمل بأن تحمل مرشحة الرئيس أوباما للمحكمة العليا، سونيا ستومايور، وجهة النظر هذه، وأن تكون على استعداد لأداء المهمة الهائلة، وتحترم بدلاً من ذلك القاضي أنتونين سكالي الذي لا يستخدم قوانين مكافحة الاحتكار إلا قليلاً.

الكاتب مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد هدسون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية