الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 18 يونيو 2026 | 2 مُحَرَّم 1448
Logo

خطاب أوباما .. اعتذار عن أخطاء الماضي وفتح صفحة جديدة

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الجمعة 5 يونيو 2009 14:11
خطاب أوباما ..  اعتذار عن أخطاء الماضي وفتح صفحة جديدة

اعتبر عديد من المراقبين أن خطاب الرئيس الأمريكي أوباما خطابا انقلابيا باختلافه عن خطابات السياسة الأمريكية التي سادت في المرحلة السابقة، داعيا لتناسي الماضي والبدء بـ "بداية جديدة بين أمريكا والعالم الإسلامي"، تأسيسا على إكراهات "وجود توتر شديد في المرحلة الحالية"، دون الحديث عن تنديده بالصور النمطية ضد الإسلام وموقفه المثير بخصوص وضعية حركة "حماس"، ومستجدات التعاطي مع الوضع في أفغانستان، وغيرها من القضايا التي توقف عندها بكثير تدقيق حاكم الإدارة الأمريكية، وأدهشت بالتأكيد أغلب المراقبين العرب والأجانب.

فضيلة الاعتراف

كان مثيرا للغاية أن نطلع في خطاب أوباما الأول، والمُوجّه لصناع القرار في الوطن العربي والعالم الإسلامي، إضافة طبعا إلى الرأي العام العربي والإسلامي، على إقرار صريح بأن طبيعة العلاقة بين المسلمين والولايات المتحدة الأمريكية تتميّز بـ "وجود توتر شديد في المرحلة الحالية"، وتكمن أهمية هذا الإقرار، كونه صدر عن مسؤول رسمي دون سواه، وليس عن ناشط حقوقي أو فاعل إعلامي يراهن على الاصطياد في الماء العكر لذات العلاقات، وبدهي، أن إقرار أي مسؤول رسمي بهكذا معطى، يُهمد لإقرارات موازية بحتمية تبني خيارات تهدف إلى التصدي لـ "التوتر الشديد" الذي يُميّز هذه العلاقات، ومنا تشديد أوباما على أن "أمريكا والإسلام ليسا في حالة عداء"، داعيا بالمناسبة إلى إنهاء "دوامة التشكيك والخلافات بين الجانبين"، وحتمية "محاربة الصور النمطية ضد الإسلام أينما ظهرت"، والمحاربة الموازية لشتى أنماط التطرف، الإسلامي والغربي على حد سواء، إذا سلّمنا بضرورة "إزالة أسباب التوتر"، والإقرار للرئيس الأمريكي شخصيا.

ولأننا نعيش في حقبة ما بعد صدمة تفجيرات نيويورك وواشنطن، اصطدم المتتبع العربي والمسلم لخطاب أوباما باعتراف هذا الأخير بأن القوة العسكرية لن تكون هي الحل سواء في أفغانستان، أو غيره بخلاف ما كان يُروج في حقبة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، حيث كان خطاب القوة والتدخل العسكري الصارم، مُجمعا عليه في دوائر صناعة القرار الأمريكي، وتحديدا، من قبل رموز تيار "المحافظين الجدد".

المبادرة العربية تنتظر "حماس"

وقد افتتح أوباما تعاطيه مع أوضاع المنطقة، بزيارته للمملكة العربية السعودية، وتأكيده على بدء زيارته من مهد الإسلام كما جاء في تصريحات أوباما، لم يكن مستجدا بالمرة، إقرار هذا الأخير بأن "علاقة أمريكا القوية بإسرائيل غير قابلة للانكسار"، أو الإقرار الآخر بأن "حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للإنكار"، ولكن كان مفاجئا للمتتبعين الجديد في لهجة الرئيس الأمريكي بخصوص التعاطي مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، عندما اعتبر أنها "تحظى بدعم من الشعب"، لولا أنها مطالبة بأن "تضع حدا للعنف وتحترم الاتفاقيات السابقة وتعترف بحق إسرائيل في الوجود".

وواضح أن الموقف الأمريكي الجديد من حركة "حماس" يُعد رسالة موجهة إلى جماعة خالد مشعل وإسماعيل هنية من جهة، وقيادات حركة "فتح" من جهة، إضافة إلى صناع القرار في المنطقة.

فحركة "حماس" معنية بشكل كبير بهذا الاعتراف، من خلال إقرار الإدارة الأمريكية بالشعبية التي تحظى بها لدى ساكنة الضفة والقطاع، بعد الانخراط في العمل السياسي الشرعي، وكون هذا الانخراط يتطلب الحسم في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.

ومن هنا أحقية حديث أوباما عن المبادرة بأنها بداية مهمة "لكنها ليست نهاية مسؤوليات الدول العربية"، مضيفا أنه "على إسرائيل أن ترقى لتضمن للفلسطينيين أمنهم".

أما الجانب الآخر في التطور النوعي للتعاطي مع حركة "حماس"، فيهم التعاطي الأمريكي المؤسساتي إجمالا مع الحركات الإسلامي، ويبدو أن صناع القرار الجدد في الإدارة الأمريكية ينتصرون لإطروحات فاعلين أكاديميين أمريكيين يروجون لخيار تشجيع الحركات الإسلامية المعتدلة في استحقاقات الحرب المفتوحة ضد الحركات الإسلامية "الجهادية"، ونخص بالذكر ما صدر عن الباحث نوح فيلدمان، أو جوزن أسبوزيتو، ومن هنا، نقرأ دلالات تعليق صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور"، من أن "مفتاح نجاح مهمة أوباما في القاهرة يكمن في تقديمه الشكر والامتنان لمن وصفتهم بالمعتدلين المسلمين الذين يقفون في وجه المتشددين"، مضيفة أن "الشعور بالامتنان جزء من الممارسات الإسلامية سواء في الصلاة اليومية أو الصوم في رمضان"، وأنه "من شأن ذلك أن يمهد الطريق أمام أوباما للحوار مع الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة، لكسب احترام جديد للولايات المتحدة".

"أمريكا الإسلامية"

سبقت زيارة باراك أوباما منطقة الشرق الأوسط (السعودية ومصر) ضجة مثيرة لم تحظى بمتابعة إعلامية متوازنة في المنابر العربية، وتتعلق بوصف الرئيس الأمريكي بلده أنه أحد "أكبر الدول الإسلامية"، وأن "بلاده يجب ألا تحاول فرض قيمها على العالم"، بالرغم من أن الحكومة الأمريكية لا تحصي سكانها على أساس الدين، وكون التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة يناهز خمسة ملايين نسمة، (وهو ما يضعها في المرتبة الخامسة والثلاثين بين نحو 150 بلدا يوجد بها مواطنون مسلمون)، وهي التصريحات التي استفزت الأقلام الأمريكية المحسوبة على تيار "المحافظين الجدد"، حيث وصف الباحث في معهد "أمريكان إنتربرايز" (أبرز المعاهد الأمريكية الموالية "للمحافظين الجدد") مايكل روبن قول أوباما بأن بلاده إحدى أكبر الدولة الإسلامية بأنه "عار عن الصحة"، مضيفا أنه "حتى لو سلمنا بالأرقام المبالغ فيها التي تنشرها المنظمات الدعوية الإسلامية عن عدد المسلمين في أمريكا، فإن هذا العدد سيظل أقلية صغيرة للغاية في هذا البلد".

ولعل المفارقة أن نصطدم بتعاطي عديد من الأمريكيين المسلمين مع الولايات المتحدة على أنها دولة "إسلامية"، وفي أحيان كثيرة، وقد يبدو هذا أمرا يدعو للدهشة إن لم يكن ساذجا بالنسبة لعديد من الأمريكيين، وللمسلمين خارج أمريكا، لكنه قائم على حجة أن الدستور الأمريكي ونظام الحكم يؤيدان المبادئ الجوهرية للشريعة الإسلامية، وقد لاحظ الباحث المصري/ الأمريكي فيصل عبد الرؤوف، في كتابه "رؤية إسلامية جديدة للغرب والمسلمين" (2008)، أن الأمريكيين المؤسسين قصدوا أن "تكون أمريكا مجتمعا دينيا ودولة دينية، مجتمعا تنبع أخلاقه من العقائد الدينية، ولم يقصدوا أن يكون الرئيس والعاملون في الحكومة ملحدين، أو غير مؤمنين بدين، أو ألا يتردد الرئيس على الكنيسة أو الكنيس اليهودي أو المسجد أو المعبد"، وكل هذا يتماشى مع الشريعة الإسلامية على نحو يبعث على البهجة والمفارقة في آن.

وبالنتيجة، نحن إزاء خطاب أمريكي جديد، في تناوله وتعاطيه مع قضايا عربية وإسلامية آنية واستراتيجية، للغرب الأمريكي والشرق العربي الإسلامي على حد سواء، ومن المتوقع أن تكون الأسابيع القليلة المقبلة أولى محطات التطبيقات العملية لما جاء في محاضرة باراك حسين أوباما.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية