الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

في الوقت الذي يجد فيه مالكو وسائل الإعلام أن عوائد الإعلان بمفردها لن تديم شركاتهم، فإنهم يواجهون معركة لإقناع المستهلكين الذين يحملون المحتوى مجاناً، بالدفع مقابل ذلك

كم ستدفع مقابل أن تقرأ هذه الصفحة؟ ينبغي، على الصعيد النظري، أن تكون قيمة نحو ألفي كلمة من أصل قرابة 50 ألف كلمة مطبوعة في نسخة عادية من "فاينانشال تايمز"، نحو 4 في المائة من سعر الغلاف للصحيفة – 10 سنتات أمريكية، أو ½17 سنت يورو، أو ثمانية بنسات.

بالنسبة للقراء المعنيين بشكل خاص في الموضوع، فربما يستحق أكثر من ذلك. وأما بالنسبة للآخرين، رغم عدم اعتراف أي صحفي بذلك، فإن الموضوع لا يستحق أي قيمة.

هناك أسئلة مماثلة يتم طرحها بإلحاح متزايد في مجالس الإدارة عبر صناعة الأخبار، وقطاع الإعلام الأوسع نطاقاً، في الوقت الذي تتحدى فيه الاقتصادات المتأخرة الأساس الذي تم عليه بناء معظم الاستراتيجيات الرقمية لمالكي المحتوى.

منذ أكثر من قرابة عقد من الزمن، كان التقليد السائد للإنترنت هو أن المعلومات تريد أن تكون مجانية. وعلى أية حال، يبدأ الناشرون، وهيئات البث، ومطورو الألعاب على سواء، بالاكتشاف أن الإعلانات فقط لا توفر نموذج العمل الرقمي المستدام الذي كانوا يتوقعونه مقابل المحتوى الخاص بهم الذي تم إنتاجه بتكلفة عالية.

#2#

النتيجة هي أن المستهلكين الذين اعتادوا الحصول على المعلومات مجاناً، على وشك أن يواجهوا المزيد من الرسوم، مقابل الحصول على تلك المعلومات.

لخص خلال هذا الشهر، روبرت موردوخ رئيس مجلس إدارة "نيوز كوربوريشين" News Corporation ، التحول في التفكير، حيث قال: "إننا في خضم مناظرة تاريخية حاسمة حول قيمة المحتوى، ويبدو من الواضح بالنسبة للعديد من الصحف أن النموذج الحالي لا يعمل بطريقة سليمة"، وأعلن عن خطط للبدء في تقاضي رسوم مقابل المحتوى على الإنترنت من صحف الشأن العام، مثل صحيفة "تايمز" Times اللندنية.

أما صحيفة "وول ستريت جورنال" Wall Street Journal ، العنوان الرئيس لمجموعة نيوز كورب، والتي مثل "فاينانشال تايمز" التي تعتبر بين عدد قليل من الصحف التي تركز على قطاع العمل، وتتقاضى فعلياً مقابل الدخول إلى الإنترنت، فإنها أعلنت بعد فترة وجيزة أنها ستدخل فئات أقساط إضافية إلى نموذج الاشتراك الخاص بها، ونظام الدفعات الصغيرة لمحاسبة الزائرين في بعض الأوقات مقابل المقالات المختلفة.

يدرس مالكو الصحف من مجموعة جارديان ميديا جروب Guardian Media Group ، في المملكة المتحدة، إلى صحيفة نيويورك تايمز New York Times، تقاضي الرسوم على الإنترنت مقابل بعض المحتوى الخاص، ولكن الجدل ينتشر إلى خارج نطاق قطاع الطباعة الذي تلقى ضربة قاسية. ويحاول جيف بيوكس، رئيس "تايم وارنر" Time Warner، أن يحشد دعم الصناعة من أجل نظام "تلفزيون في كل مكان"، من شأنه أن يعجل برمجة شبكة الكوابل المتوافرة على الإنترنت مجاناً لأولئك الزبائن فقط الذين دفعوا مقابل الاشتراكات في الكابل. وتجري "والت ديزني" Walt Disney، وهي أول مالكة لشبكة بث تجعل البرامج متاحة مجاناً على الإنترنت، أبحاثاً بشأن الخدمات الرقمية التي تعتمد على الاشتراكات.

تحاول صناعة الموسيقى، بعد أن انتزعت جزءا فقط من النقود التي خسرتها لصالح القرصنة على الإنترنت من خلال الخدمات القانونية مثل "آي تيونز" iTunes الخاص بشركة أبل Apple ، أن تطور نموذج أقساط مقابل الفيديو الموسيقي. وبدأت شركة يونيفيرسال ميوزك Universal Music ، للتو العمل مع "يوتيوب" YouTube لتأسيس موقع محتوى متخصص في الموسيقى يطلق عليه "فيفوVevo ". وتخطط لإطلاق خدمة مدعومة بالإعلان، ولكن إدجار برونفمن، الرئيس التنفيذي في ورنر ميوزك Warner Music ، حذر هذا الشهر من أن أي موقع مثل هذا سيحتاج إلى "فرص نقدية جدية أعلى من، وتتعدى نطاق الإعلانات" لكي تكون فاعلة.

شجع التوصيل الرقمي على تفكيك حزمة الألبوم الموسيقي، وأتاح للمستهلكين شراء الأغاني والموسيقى المفضلة لديهم فقط. والآن، فإن مالكي وسائل الإعلام الأخرى يواجهون خطر رغبة المستهلكين في الدفع مقابل ما يكافئ الموجود على الإنترنت من قسم الرياضة، أو المواد التي حققت ناجحاً ساحقاً، الأمر الذي جعلهم يصارعون لبيع الأقسام الأقل قيمة من الصحيفة أو برنامج البث.

ستكون الدفعات الصغيرة مجرد جزء صغير فقط من الحل، ولكن حقيقة ملاحقة مثل تلك الأفكار تثبت الحد الذي وفقه يفشل الإعلان على الإنترنت، ونموذج العمل المهيمن حالياً الخاص بمالكي وسائل الإعلام، في أن يحقق ما وعد به.

إن إعادة توزيع المعلنين للميزانيات على بيئة الإنترنت التي تعد باستهداف أفضل للمستهلكين أقنعت مالكي وسائل الإعلام بجعل المحتوى متوافراً على الإنترنت دون أية رسوم، رغم أنهم يعتمدون على كل من الإعلان والرسوم في بيئاتهم التقليدية، مثل الصحف، والمجلات، وقنوات الكابل.

إن النمو المتزايد في الإعلان على الإنترنت شجع عدداً لا يحصى من شركات الإعلام الناشئة والتقليدية على مطاردة نموذج العمل ذاته. غير أن الاعتقاد بأن الإعلان على الإنترنت سينمو بسرعة تكفي لتحقيق جميع خطط العمل التي تستفيد من ذلك كان "هوساً جماعياً في الغالب"، حسبما يقول روب جريمشو، المدير العام للموقع الإلكتروني "فاينانشال تايمز دوت كوم" FT.com.

بدلاً من ذلك، حسبما يقول، فإن العرض يتجاوز الطلب حالياً في قطاع الأنباء، حيث هنالك كميات هائلة من المخزون سيئ التميز، والذي يعمل على دفع المبالغ التي سيدفعها المعلنون إلى الاتجاه المنخفض. وحسبما يقول فإنه "يجب إزالة جزء كبير من مجتمع النشر، وعدم توفيره مجاناً"، والسبب هو أن "الأرقام على جانب الإعلان لا تزداد". ويتم دراسة النموذج المهجن للموقع الإلكتروني للـ"فاينانشال تايمز"، أي السماح برقم معين من الزيارات المجانية إلى الموقع قبل طلب التسجيل، ثم الاشتراك، من جانب بعض الناشرين الآخرين، ولكن لم يتم تقليده بعد.

كان متوسط النمو السنوي التراكمي في الإنفاق على الإعلان عبر الإنترنت نحو 32 في المائة بين عامي 2003 و2008، وفقاً لشركة زينيث أوبتيميديا Zenith Optimedia، ولكنه سيتباطأ إلى 19 في المائة بين عامي 2008 و2011. وفي الأسواق الأكثر نضجاً، مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، فإن النمو في الإعلان على الإنترنت توقف تدريجياً في نهاية العام الماضي، ويمكن أن يتراجع هذا العام، حتى إن موقع "هولو" Hulu، موقع البث التلفزيون والأفلام على الإنترنت سريع النمو، عمل بمشقة لكي يبيع جميع مساحته المخصصة للإعلان هذا العام.

يبقى الإعلان عملاً دورياً، ويعتقد مالكو وسائل الإعلام التقليدية أن من المحتمل أن يحدث المزيد من النمو على الإنترنت عندما تتحسن التوقعات الاقتصادية. ولكنهم خصصوا موارد أكثر من ذي قبل لإجراء تجارب على النماذج الإضافية الرقمية. وإن محاولة التنويع أمر منطقي، حسبما يقول جون تشاتشاس، الرئيس المشارك لممارسة الإعلام في "لازارد" Lazard. وحسبما يقول، فإن صناعة الصحف: "تحتاج إلى تغيير نموذج عوائدها، فضلاً عن نموذج تكاليفها، وأن فرض رسوم مقابل المحتوى يشكل جزءاً من ذلك".

على أية حال، فإن استدامة نماذج عمل موازية ستشكل تحدياً، حسبما يحذر جون كينيدي، رئيس مجلس إدارة، والرئيس التنفيذي لـ"آي إف بي آي" IFPI، اتحاد صناعة الموسيقى. وتعلمت شركات التسجيل من معاركها بشأن المشاركة غير القانونية في الملفات إنك: "لا تستطيع بيع المحتوى مباشرة إذا تم أخذه مجاناً بشكل غير مباشر"، حسبما يقول كيندي. ويضيف: "إنك بحاجة إلى عدد من نماذج العمل الجديدة، ولكن في نهاية اليوم، يتوجب عليك أن تعالج مسألة توفير المحتوى ’مجانا‘".

تقول لورين ريش فاين، وهي محللة سابقة لدى بنك ميريل لينش Merrill Lynch ، وتعمل الآن لدى شركة كونتينت نيكس ميديا ContentNext Media، إنها ترغب في أن تصدق أن تقاضي الرسوم مقابل المحتوى سوف ينجح، ولكنها تشكك في ذلك "بسبب الإدراك بأن ثمة الكثير للغاية مما هو متاح مجاناً على الإنترنت".

يقول ديفيد لانسفيلد، الذي كتب تقرير شركة بي دبليو سي PwC الأخير حول القطاع، إن تفكير مالكي وسائل الإعلام بشأن النماذج الرقمية يتغير، والسبب جزئياً هو الضرر الذي أُنزل بشركاتهم الأساسية نتيجة الهبوط في الإعلان.

بررت شركات عديدة استراتيجياتها لتوفير المحتوى مجاناً على الإنترنت بالتفكير بأن التكلفة سيغطيها العمل خارج نطاق الإنترنت، أو يمكن شطبها بصفتها نفقة تسويق لتأسيس الولاء، حسبما يقول لانسفيلد. ويضيف: "إنه تغيير تام في الثقافة ليصبح نشاطاً عملياً بحد ذاته".

تبقى أكبر الشكوك التي تعوق مالكي وسائل الإعلام، هي القلق من أن الزبائن تعلموا عدم الدفع مقابل المحتوى على الإنترنت.

مثل هذا التغيير من المجاني إلى دفع الرسوم نجح سابقاً، عندما أدخل مشغلو الكابل نموذج الاشتراك على التلفزيون. ولكن دفع الرسوم مقابل مشاهدة التلفزيون انطلق لأنه كان يوفر توسعاً جذرياً في المحتوى المعروض، من أفلام هوليود، إلى بث البرامج الرياضية حياً على الهواء. أما المستهلكون فإنهم مغمورون حالياً بالاختيار بين وسائل الإعلام المتعددة.

إن المشكلة دقيقة تحديداً بالنسبة لصحف الشأن العام. ووجد استطلاع "نيو ميديا ايج" New Media Age الذي أجري خلال هذا أن نسبة 77 في المائة من قراء الإنترنت بانتظام في المملكة المتحدة لم يكونوا على استعداد للدفع مقابل الوصول إلى مواقع الأنباء. ووجد تقرير منفصل أجرته "بي دبليو سي" مع الاتحاد العالمي للصحف WAN أن المستهلكين كانوا أكثر استعداداً للدفع مقابل التغطية المالية أو الرياضية، ولكنهم سيختارون المحتوى المجاني، وليس مواقع الاشتراك "عندما تكون النوعية مماثلة أو كافية لغرضهم."

يجادل لانسفيلد بالقول إن تقاضي الرسوم مقابل المحتوى الإعلامي الاستهلاكي: "يمكن أن ينجح في قطاعات معينة من المحتوى والمستهلكين، ولكن لا يمكن إعادة حزمه، وإعادة توجيهه، ببساطة. ومن أجل جذب الناس نحو عالم دفع الرسوم، يجب أن يكون المحتوى متميزاً وجديداً". ومع ذلك، فإن صناعة المزيد من المحتوى المتميز سيكون أمراً صعباً للشركات التي تعمل في الوقت ذاته على تخفيض التكاليف كرد فعل على العوائد المنخفضة.

إن النجاح الأولي لتطبيقات جهاز الآي فون iPhone الخاص بشركة أبل، وأجهزة القراءة الإلكترونية، مثل جهاز كيندل Kindle الخاص بشركة أمازون، يشير إلى أن بعض المستهلكين يرون المزيد من القيمة في المحتوى الرقمي عندما تصاحبه تقنية جذابة.

تعد التحديات التقنية من بين أكبر العوائق التي تواجه أولئك الذين يبحثون عن نماذج دفع جديدة على الإنترنت، على أية حال، وذلك وفقاً لغريمشو. وعندما أدخل الموقع الإلكتروني للـ"فاينانشال تايمز" نظام الاشتراكات على ما كان سابقاً موقعاً مجانياً في عام 2002، "لم يكن الأمر سهلاً"، كما يتذكر، والسبب جزئياً هو التعقيدات الفنية للمواقع المدفوعة، مثل معالجة الدفعات. والمشكلة الأخرى هي أن محتوى الاشتراك يستثنى في الغالب من محركات البحث مثل "جوجل". ويمكن أن يماثل إدخال عائق الدفع، إزالة صحيفة عن رف الصحف.

تتعرض مواقع الأنباء الرقمية فعلياً إلى هجوم من جانب مالكي المحتوى الذين يبحثون عن مصادر أكثر عمقاً للعوائد من تلك يوفرها زبائنهم. وتم انتهاك حقوق الملكية الفكرية لمبتكري المحتوى بشكل سيئ من جانب شركات الإنترنت الأمريكية، مثلما فعل ذلك القراصنة الصينيون، كما اشتكى موردوخ في هذا الشهر. وحذرت وكالة اسوشيتيد برس Associated Pressمن أنها سوف "تتخذ جميع الإجراءات اللازمة" للملاحقة القانونية للمواقع التي تستخدم محتوى الصحف الأعضاء فيها دون أن تدفع مقابله.

قال تشاتشاس: "من المنطقي أن تحصل الصحف المثقلة بعبء هياكل التكاليف الثابتة، على مكافأة معقولة من مجموعة الأشخاص الذين يحصلون على أجزاء من القصص التي تنشرها لدفع الحركة باتجاه شركاتهم أو مواقعهم الإلكترونية".

بالنسبة إلى الوقت الحالي، فإن الميزة الرئيسة لمالكي المحتوى على المجمعين هي نطاقهم. ومما لا شك فيه في الغالب أن التحرك باتجاه نموذج الدفع سيلغي ذلك، بتخفيض الحركة باتجاه مواقعهم من جانب الزبائن غير الدائمين والمجمعين على سواء.

قال سكوت هيكين – كاندي، المدير العام لصحيفة "نيويورك تايمز"، لقراء الإنترنت في الشهر الماضي: "لا يوجد أدنى شك في أننا نستطيع تحويل موقع صحيفة نيويورك تايمز الإلكتروني NYTimes.com إلى موقع محتوى مدفوع، ولا يوجد أدنى شك بالمثل بأنه سيتلاشى بدرجة كبيرة كموقع للإعلان."

إذا تمت معالجتها بشكل أخرق، فإن المحاولات عندئذ للتحرك من توفير المحتوى مجاناً إلى محتوى مدفوع من شأنها أن تحدث نتائج عكسية تتمثل في تلاشي العوائد.

يحارب مالكو المحتوى ما يطلق عليه كريس أندرسون، مؤلف كتاب بعنوان الذيل الطويل The Long Tail ، "سعراً ثورياً" في كتابه التالي، مجاناً Free ، وستبقى العديد من الأمور – من البحث، إلى المحتوى الذي يولده المستخدم – مجاناً على الإنترنت. وعلى أية حال، فمن المحتمل أن يصبح المحتوى الذي يتم توليده على صعيد مهني متخصص، أكثر ندرة بالنسبة لأولئك غير الراغبين في الدفع مقابله.

وسألت آن مور من "تايم إينك" Time Inc في هذا العام قائلة: "من بدأ هذه الإشاعة بأن المعلومات يجب أن تتاح مجاناً، ولماذا لم نعارض ذلك عندما بدأ في المقام الأول؟".

وفقاً لغريمشو، فإن الإجابة هي أن: "حركة المبشرين بتوفير المعلومات مجاناً أقنعت الجميع أن الإنترنت كان مختلفاً إلى حد ما، وأن أية محاولة لفرض نموذج عمل ما كانت بمثابة تطفل على الحقوق الإنسانية للبشر". وسيعني تغيير هذا المفهوم معارضة ثقافة الإنترنت إلى حد كبير كما نفهمها حالياً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية