الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

"أول علاج شاف لأمة تدار بصورة سيئة هو تضخم العملة، والثاني الحرب. الاثنان يجلبان رخاء مؤقتا، والاثنان يجلبان دمارا دائما. لكن الاثنان هما الملجأ للفرص السياسية والاقتصادية".

إيرنست همنغواي "ملاحظات على الحرب التالية: رسالة استوائية خطيرة"، 1935.

ما أسمعه مراراً وتكراراً من المصرفيين والاقتصاديين أن الطريق الوحيد لإنهاء أزمتنا المالية هو التضخم. وتقوم حجتهم على أن التضخم المرتفع يمكن أن يخفض المستوى الفعلي للدين، الأمر الذي يتيح للأسر المدينة والبنوك التخلص من مديونيتها بصورة أسرع وبألم أقل.

لتحقيق الزيادة المرغوبة في التضخم، ينبغي للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إما أن يعلن هدفاً للتضخم، وإما يبقي، بباسطة، على أسعار الفائدة عند نقطة الصفر حين يبدأ التعافي. وبذلك تصبح أسعار الفائدة الحقيقية سالبة بقوة. ودعاة مثل هذه الاستراتيجية ليسوا أكاديميين هامشيين ومعتوهين، بل يضمون بعض أكبر الاقتصاديين الأمريكيين أثراً.

تبرز أربعة أسئلة فورية من هذه الاعتبارات: هل يمكن فعل ذلك؟ هل يمكن تجنب ذلك؟ هل يمكن القيام بذلك بتكلفة اقتصادية معقولة؟ وهل يجب أن يتم ذلك؟

طبيعي أن ذلك ممكن، لكن فقط حين يكون الالتزام بتضخم أعلى ذو صدقية. فالتضخم ليس مصباحاً ضوئياً يستطيع البنك أن يضيئه، أو يطفئه. إنه يعمل من خلال التوقعات. فإذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيحدد هدفاً تضخمياً طويل الأجل بنسبة 6 في المائة، مثلا، فإنني متأكد من أنه سيحقق ذلك الهدف في النهاية. ربما لا يجد الناس والأسواق أن ذلك الهدف ذو صدقية في البداية، لكن إذا كانت سياسات البنك المركزي متسقة، فإن التوقعات ستتكيف في خاتمة المطاف. ففي النهاية سيطالب العمال بزيادات سنوية في أجورهم بنسبة أقلها 6 في المائة، ومن جانبها ستعمل الشركات جاهدة على زيادة أسعارها بالنسبة ذاتها.

لكن إذا كان بنكا مركزيا ما سيعلن مسبقاً أنه يستهدف معدل تضخم يبلغ 6 في المائة في عامي 2010 و2011، ثم 2 في المائة بعد ذلك، فمن المحتمل الاّ تنجح هذه الخطة. ونحن نعرف أن السياسة النقدية تؤثر في التضخم ضمن فترات تأخير طويلة ومتغيرة. ومثل هذه الدرجة من الضبط الدقيق للأمور لا تنجح من الناحية العملية. وإنني أخمن أن على المرء أن يلتزم لفترة أطول بكثير بمعدل مرتفع من التضخم حتى يمكن أن يكون مثل هذا التحول في السياسات ذا صدقية. وأظن أنه كلما طالت المسافة بين الهدف الجديد والهدف الحالي يتعين أن يكون الالتزام أطول زمناً.

هل يمكن عكس ذلك بعد أن يكون قد تحقق؟ الإجابة مرة أخرى، نعم. وهنا أيضاً يجب أن يكون الالتزام ذا صدقية. لكن المشكلة تكمن في هذا الشأن بالذات. فإذا كان البنك المركزي نزيهاً منذ البداية، بحيث أعلن مقدماً أنه سيعكس سياسته في نهاية الأمر، فمن المحتمل ألا يحقق هدفه في التوصل إلى تضخم أعلى في المقام الأول. أما إذا لم يكن البنك المركزي نزيهاً، فمن الممكن أن يحقق هدفه. لكنه سيفقد الصدقية بمجرد أن يقرر عكس سياسته. ولذلك أي صدقية جديدة يجب أن يتم اكتسابها من خلال إجراءات سياسة جديدة. ويمكن أن يتضمن ذلك أسعار فائدة اسمية تزيد كثيراً على 6 في المائة لفترة طويلة من عدم الراحة.

ما الذي يمكن أن يحدث في تلك الحالة؟ أستطيع أن أفكر بسناريوهين اثنين. أفضل نتيجة يمكن أن تكون انكماشاً عميقاً. ويمكن لفترة عامين من التضخم المرتفع باعتدال تخفيض القيمة الفعلية للدين بما يقارب 10 في المائة. لكن هناك كذلك جانبا سلبيا. فالمنفعة يمكن أن تقل، أو تختفي بسبب أسعار الفائدة الأعلى على القروض، وارتفاع معدل العجز عن الوفاء بالالتزامات، وزيادة إضافية في الديون السيئة. وسيفاجئني الأمر بشدة إذا كانت حصيلة هذه العوامل إيجابية.

على أية حال، ليس هذا السيناريو الأقوى احتمالاً. ويمكن لسياسة زيادة التضخم، إذا نجحت، أن تطلق مشاكل خطيرة في أسواق السندات. فالتضخم هو نقل للثروة من الدائنين إلى المدينين، ولا سيما من الصين إلى الولايات المتحدة. ومن شأن زيادة التضخم في الولايات المتحدة جعل المستثمرين العالميين ينسحبون من أسواق السندات الأمريكية. وسوف يؤدي ذلك إلى إطلاق شرارة انهيار في القيمة الفعلية لسعر صرف الدولار، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من الضغوط التضخمية.

وفقاً لمثل هذا السيناريو لن يكون من السهل إبقاء التضخم قريباً من هدف الـ 6 في المائة الافتراضي. ويمكن أن تكون النتيجة دائرة مفرغة يوجه في ظلها معدل تضخم مبالغ فيه مزيدا من الضغوط إلى أسواق السندات وسعر صرف العملة. وستكون المحصلة أسوأ مما هي في المثال السابق. وربما يضطر البنك المركزي في النهاية إلى زيادة أسعار الفائدة الاسمية بشدة لاستعادة الاستقرار. ويمكن أن ينتهي به الأمر تماماً عكس ما يأمل فيه مؤيدو التضخم المرتفع. ولن تكون أسعار الفائدة الفعلية سلبية بصورة رئيسية، وإنما مرتفعة بحدة.

هل يجب فعل ذلك؟ إن هدفاً تضخمياً ذا صدقية بنسبة 2 أو 3 في المائة، على أن يتم الإبقاء عليه لفترة طويلة من الزمن، أمر مفيد. لكنني أشك في أن هدفاً تضخمياً بنسبة 6 في المائة يمكن أن يكون صادقاً، ومستداماً في الوقت ذاته. وأياً كان إغراؤها، فإنها سياسة "أفقِر جارك"، إلى أن يتم تقليدها في أماكن أخرى، وتصبح النظرة إليها كذلك من جانب كثير من البلدان في العالم. وستنتج عنها مجموعة كاملة جديدة من الخاسرين، داخل الولايات المتحدة وخارجها، بكل ما في ذلك من مضامين غير مرغوبة سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً، ومالياً. وربما تعمل كذلك على تغذية المناقشات المندفعة بشدة بالفعل، حول الوفاة الحتمية للأوراق النقدية التي تصدرها الحكومات دون تغطية.

إن تحفيز التضخم استراتيجية قذرة، تتسم بالعجلة في إصلاح الأمور، كما هو شأن كثير مما يحدث من صفقات إنقاذ البنوك الجارية في الوقت الراهن. وكما قال همنغواي، الأمر ربما يبدو جيداً لبعض الوقت، لكنه لن يحل أي مشكلة، بل يتسبب في مشاكل جديدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية