الأحد, 9 أغسطس 2026|24 صَفَر 1448
الاقتصادية

احتجزت السلطات في الصين لمدة أسبوع جميع الركاب الذين وصلوا على نفس الرحلة، التي وصل عليها شخص مكسيكي مصاب بالأنفلونزا. واحتجزت هونغ حوالي 300 شخص في أحد الفنادق، لأن شخصاً مكسيكياً مصاباً نزل فيه. وفي الولايات المتحدة، صدم نائب الرئيس جو بايدين الأمريكيين، عندما ذكر أنه سيطلب من أفراد عائلته أن يتجنبوا الأماكن المغلقة، بما فيها الطائرات وقطارات الأنفاق.

وفي منطقة الشرق الأوسط، برز قرار مصر القاضي بوجوب ذبح جميع الخنازير – لأنه أقرب إلى السخف.

ليس الأمر مقتصراً على عدم وجود علاقة بين الخنازير وإصابة الإنسان به، ولكن المزارعين حول العالم قلقون من أن ينقل الإنسان المرض للخنازير وليس العكس.

وحتى المكسيك التي هي البؤرة التي تفشت فيها سلاسة فيروس اتش ون إن ون H1N1 لم تعلن الحرب على الخنازير. هذا مع الملاحظة أنه لم تسجل إصابة واحدة بالفيروس في مصر.

وفي حين أن بعض وسائل الإعلام المصرية المحلية انتقدت الحملة على الخنازير، إلا أن محرر إحدى الصحف التي تملكها الحكومة كان مرتبكاً، فقد كتب يقول: لو كان ذبح الخنازير هو الحل، فينبغي أن نذبح جميع الناس لأن الفيروس ينتشر من خلالهم.

وتناولت إحدى صديقاتي الموضوع كنوع من التسلية. فقد كتبت في رسالة إلكترونية بعثت لي بها من القاهرة تقول إن مصر عاجزة عن ملاحقة حزب الله، وهي المليشيا اللبنانية التي تتهمها مصر بتدبير هجمات على أراضيها، ولذلك قررت أن تستهدف 250 ألف خنزير، لا حول لها ولا قوة بسبب شعورها بالإحباط.

هناك بالطبع تفسير للموقف المصري رغم أنه ليس له علاقة مباشرة بإنفلونزا الخنازير.

ذلك أن الخنازير ليست لها شعبية في مصر، فالأغلبية المسلمة في البلد تعتبرها نجسة وتحرم تربيتها أو تناولها. ولذلك، تعتبر مزارع الخنازير عملاً يقوم به المسيحيون الأقباط – ولكنه لا يعتبر عملاً صحياً.

ويعيش العاملون في مزارع الخنازير الذين يعملون أيضاً في جمع القمامة، في أحياء فقيرة مكتظة في ضواحي مدينة القاهرة. وقبل ظهور إنفلونزا الخنازير بزمن طويل، اعتبرت الحكومة أن تربية الخنازير تشكل خطراً على الصحة. إلا أنه لم يتم تنفيذ الخطط التي تهدف إلى نقلها بعيداً عن المدن الكبرى.

وما من شك في أن الحكومة المصرية اعتقدت أيضاً أن اتخاذ إجراء صارم، قد يحسن سجلها المؤسي على صعيد الصحة والسلامة، وقد يثبت لمواطنيها أنها تستطيع التعامل مع الحالات الطارئة.

لم يفت على المصريين أن الحكومة ما زالت تكافح لاحتواء انتشار مرض إنفلونزا الطيور (رغم قتل آلاف الطيور). وما زال يتم الإبلاغ عن إصابات بهذا المرض بعد ثلاث سنوات من أول حادثة وفاة به.

ولكن حالات الذعر الصحي ليست الوحيدة التي تدار بشكل سيئ في القاهرة. هناك غضب شعبي مستمر من عدم كفاية ردود الحكومة على الكوارث.

هل تتذكرون وفاة عشرات الأشخاص في انزلاق صخري في أحد الأحياء الفقيرة على طرف مدينة القاهرة في العام الماضي؟ أو الحريق الذي اندلع في مجلس الشورى التابع للبرلمان، الذي يفتقر مبناه إلى نظام السلامة؟.

من المؤسف بالنسبة للقاهرة أن سياسة ذبح الخنازير تمخضت عن عديد من المشكلات، فرغم تأييد زعماء الأقلية القبطية للإجراءات التي اتخذتها الحكومة، إلا أن المزارعين تصادموا مع الشرطة، واعتبروا أن دوافع طائفية تكمن وراء رد الفعل الذي صدر عن الدولة. ذلك أن الذين تتعرض مصادر رزقهم للخطر معظمهم من المسيحيين.

وبطبيعة الحال، فإن المؤتمر الذي عقده الإسلاميون في مصر – وهم الذين يشكلون المعارضة الرئيسية للنظام – حول إنفلونزا الخنازير لم يساعد، حيث أعلنوا فيه أن هذا المرض" أخطر من القنبلة الهيدروجينية".

إلا أن المفارقة هي أن الحكومة أطلقت حملة من دون أن تتوافر لديها الموارد لتنفيذها، إذ يبدو الآن أن عملية ذبح جميع الخنازير يمكن أن تستغرق مدة تصل إلى سنة، في ضوء عدم وجود ما يكفي من المسالخ والثلاجات لتخزين اللحم، حتى يتم بيعه أو التخلص منه بطرق أخرى.

قد ينتهي الأمر بأن يتذكر المصريون الحرب على الخنازير، باعتبارها قراراً لا لزوم له ومصمماً على نحو سيئ، يثبت مرة أخرى عدم كفاءة السلطات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية