الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

يستلم سلاح الجو الملكي البريطاني سرباً جديداً لامعاً من طائرات يوروفايتر، ويحتج كبار القادة في القوات المسلحة بأن الوضع الدفاعي لبريطانيا ما زال محدداً بأطر الحرب الباردة. الأمر مغر أن ينظر المرء إلى ذلك على أنه مجرد نزاع بين خدمات متنافسة. ولو كان الأمر كذلك، فإن هناك المزيد على المحك، أكثر من مجرد متنافسين قدامى وغرور ذاتي.

على أحد الأصعدة، يعكس النزاع نقمة متزايدة، ومبررة، بأن الجنود الذين طلب منهم القتال والموت في أفغانستان تعرضوا للخداع. ويكمن خلف هذا الأمر القلق الأكثر عمقاً من أن الحكومة تبذر مليارات الجنيهات على الأسلحة التي تتجاهل طبيعة الحروب المعاصرة.

حدد الجنرال سير ريتشارد دانات، الأخطار بأوضح لغة عندما تحدث في ذلك اليوم في تشاثام هاوس Chatham House (المعهد الدولي للشؤون الدولية). وفي غضون ساعات من طلب الحكومة طائرات نفاثة أكثر سرعة، حذر رئيس الأركان العامة من إهدار الموارد النادرة على مشاريع هامشية بالنسبة إلى احتياجات القوات المسلحة البريطانية.

لم يقل بالضبط إن طائرات يوروفايتر المكلفة بشكل لا يصدق (ثمن الواحدة منها 70 مليون جنيه استرليني، إضافة إلى ثلاثة أضعاف ذلك المبلغ من أجل الصيانة مدى الحياة)، كانت من بقايا الحرب الباردة. إلا أن ذلك ما كان يعنيه تماماً، وهو محق. فبعد عقدين من سقوط جدار برلين، ما زالت بريطانيا تشتري طائرات مصممة لمواجهة طائرات ميج السوفياتية في أجواء بحر الشمال.

على الرغم من ذلك، لا تتعلق الحجة بالطائرات النفاثة السريعة فحسب، حتى لو كانت تبذير صارخاً تحديداً، بل إنها بشأن طبيعة الاشتباكات التي ستدخل فيها القوات المسلحة خلال العقود المقبلة، وتخصيص الموارد لمواجهة هذه التحديات.

يتفق الجميع تقريباً (رغم أن كبار السياسيين من جميع الأحزاب يرفضون الاعتراف بذلك) على أن نفقات الدفاع تواجه شحاً مكثفاً بعد الانتخابات. وبغض النظر عن طيفها السياسي، فإن الحكومة التالية لن تترك القوات العسكرية دون مساس عندما تجري التخفيضات على مخصصات المدارس والمستشفيات.

إنه أمر عادل بما فيه الكفاية، لكن ما يقلق الجيش، ويجب أن يقلق الجميع ممن لهم مصلحة في أمن البلاد، أن هذه الميزانية المخفضة يعاد تخصيصها إلى مشاريع كبيرة ذات منفعة مشكوك فيها.

وفي حين يحصل سلاح الجو على طائرات يوروفايتر، تم منح سلاح البحرية وعداً بإعطائه حاملتي طائرات كبيرتين، فضلاً عن تبديل غواصاته المحلية المسلحة برؤوس نووية. وإذا أضفنا التكلفة العالية للغاية لطائرات إف 35 جوينت سترايك فايترز F-35 Joint Strike Fighters المصنوعة في الولايات المتحدة، التي سيتم نشرها على الحاملتين، تصل الفاتورة إلى عشرات المليارات من الجنيهات.

إن الجيش يشعر بالغضب فعلياً. وسيضع انسحاب القوات البريطانية من العراق خلال فصل الصيف هذا نهاية لعملية يجاهد حتى أخلص مؤيدي القوات المسلحة في وصفها بأنها ناجحة.

بغض النظر عن الجوانب الصحيحة، أو الخاطئة للقرار المبدئي بالانضمام إلى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، إلا أن النهاية غير المجيدة في البصرة كان سببها إلى حد كبير عدم الرغبة في تخصيص موارد كافية للمهمة. وكان السياسيون أكثر قلقاً لوضع جدول زمني للانسحاب، بدلاً من إعادة السلام إلى جنوب العراق.

يخشى بعض الجنرالات، وهم على حق، من أن يعيد التاريخ نفسه في أفغانستان. وأفضل ما يمكن أن يقال عن أداء الجيش في إقليم هيملند أنه كان صامداً بشجاعة ضد الهجمات الشديدة لطالبان. وكان ذلك الأداء يفتقر إلى الجنود والمعدات للقيام بالمزيد. ومرة أخرى، واجه الانتقادات القاسية من الرفاق الأمريكيين في الجيش.

إن طلب الجنرالات لنحو ألفي جندي إضافي – ما يكفي، حسبما يقال، لتوفير الأمن لعمليات إعادة البناء المدنية المهمة للغاية في هيملند – تم رفضه. ورفضت وزارة المالية، بينما وافق رئيس الوزراء، وذلك ضد نصيحة وزارة الدفاع.

بطريقته الخاصة، كان ذلك قرار سيئاً، مثلما كان القرار بالمضي قدماً في طلب طائرات يوروفايتر. واليوم يتحدثون عن عملية صنع القرارات المدفوعة بالنفعية السياسية، وليس بالحكم الاستراتيجي، وبما هو سهل، وليس بما هو أفضل.

من شأن كل ذلك أن يكون حججاً سيئة لمراجعة السياسة الدفاعية التي تم الوعد بها من جانب كلا الحزبين الرئيسيين بعد الانتخابات التالية. وما لم تكن الحكومة التالية على استعداد لتخفيض مخصصات واحد أو أكثر من المشاريع الفخمة المذكورة أعلاه، فإن سلاح الجو والبحرية سيبتلعان 90 في المائة من ميزانية المعدات خلال 15 عاماً ـ منذ عام 2003 وحتى عام 2018.

يأتي هذا في وقت يعتقد فيه أي استراتيجي دفاعي يمكن أن يجده المرء بأنه إلى الحد الذي يتم وفقه إرسال القوات البريطانية إلى مناطق معادية، فإن العبء سيقع بشدة على كاهل الجيش.

أوضح الجنرال السير ديفيد ريتشاردز، الذي يتولى أواخر هذا الصيف رئاسة الأركان العامة، هذه النقطة على نحو جيد، إذ إن تحليلا منطقيا لصراعات مستقبلية محتملة يشير إلى مشاركة بريطانيا في مسارح للمعارك تقارن بتلك الموجودة في العراق وأفغانستان.

ينبغي إعادة هندسة القوات المسلحة لمواجهة التحديات. الحاجة إلى معدات جديدة تتركز في جهازي الاستخبارات والاتصالات، ووسائل النقل المسلحة، والطائرات بلا طيار، وطائرات الهيلوكبتر، والطائرات الثقيلة. ويحتاج سلاح الجو رغم ذلك، إلى طائرات هجومية، والبحرية إلى سفن – لكن ليس بالأعداد والأنواع التي تم طلبها حالياً.

يقال إن الجنرال ريتشاردز، الذي قاد القوات متعددة الجنسيات في أفغانستان، نظر إلى ذلك على أنه اللحظة التي يجب فيها استبدال "الخيول بالدبابات" – إشارة إلى الصراعات المريرة إبان عشرينيات القرن الماضي من أجل إقناع الجيش بأن حقبة الأحصنة ولت وأعطت المجال للدبابات والطائرات. وهو على حق. فالتهديدات الأشد خطراً على أمن بريطانيا تأتي من الدول الفاشلة، والأعداء من خارج الدولة، مثل القاعدة. وللجيش الحق في أن يطلب تسليحه على نحو ملائم لمواجهة هذه الأخطار.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية