إنه شيء مخيب للآمال أن تضع الحكومة الأمريكية استراتيجية لساحة معركة بينما تدرك أن النتيجة الاستراتيجية تتقرر في ساحة معركة أخرى. وإعادة الانتشار الحالية في أفغانستان تتم مع منطلق أن باكستان تهم أكثر. والتغير الأكثر أهمية في تفكير واشنطن وحلفائها في السنة الماضية يجيء من إدراك أنهم يخوضون الحرب الخاطئة، أو على الأقل يقومون باستعراض جانبي.
كان هدف الغزو الأمريكي عام 2001 حرمان الإرهابيين المتمركزين في أفغانستان من ملاذ. لكن القاعدة في الوقت الحاضر لا تلعب إلا دوراً هامشياً في ذلك البلد، بينما تترسخ جذورها في باكستان. والقوات الغربية تجد نفسها منهمكة في حملة غير محددة المعالم لإضفاء الاستقرار على المجتمع الأفغاني القبلي، بينما لا تستطيع استخدام الجنود عبر الحدود، حيث يُكن معظم الباكستانيين عداء شديداً للولايات المتحدة.
وهذه ليست ورطة يحتمل أن تشجع صنع سياسات مرضية. فالبريطانيون يبذلون أقصى جهدهم لوضع استراتيجية مشتركة مع الولايات المتحدة. ويشكل الحفاظ على الحلف الأطلسي، كما هو الحال دائماً، أقصى هدف لحكومة براون. وإدارة أوباما ممتنة جداً للدعم البريطاني الذي أصبح مهما بصورة خاصة مع تزايد الظروف في أفغانستان سوءاً.
لكن التوترات والاختلافات لا مهرب منها. فهيبة الجيش البريطاني في المقام الأول عانت بشدة مما يعتبره الجيش الأمريكي هزيمة بريطانية في جنوب العراق. والاحتفال الذي جرى في الشهر الماضي بفك الاشتباك المبجل في القاعدة البريطانية في البصرة، ينبغي ألا يطمس حقيقة الاعتقاد بأن بريطانيا فشلت هناك.
وفي أفغانستان يوجه البريطانيون والأمريكيون انتقادات شديدة لأداء جيش كل منهما. ويعتقد بعض الجنود الأمريكيين أن البريطانيين في هيلمند أصبحوا حذرين يتحاشون وقوع الخسائر بينهم، ويتعاملون مع الأفغان ببلادة. وبدورهم ويعتقد البريطانيون أن الأمريكيين لا يكترثون أبداً بإلحاق "أضرار غير مباشرة" بالمدنيين، خصوصاً خلال الغارات الجوية.
ويتساءلون ما إذا كانت ضربات صواريخ هيلفاير ضد طالبان وقادة القاعدة داخل باكستان تبرر الضرر السياسي الذي تسببه، من خلال إثارة الغضب الباكستاني الشعبي. ويتشككون فيما إذا كان عنصرا رئيسيا من عناصر السياسة الأمريكية، وهو التوسع الطموح للجيش الأفغاني، يمكن أن ينجح. وهم يرون أن جمهرة الضباط الأفغان الموثوقين والمنظمات غير الحكومية قد تم استنزافهم فعلاً.
والزيادة البالغة 21 ألف جندي أمريكي تتم قبل تحديد الأهداف والعمليات المترابطة، فهل الهدف تمكين حكومة الرئيس حامد كرزاي المركزية المتداعية والفاسدة في كابول، من بسط نفوذها في كل أنحاء البلاد؟ أم هل يتعين على الحلفاء أن يتبنوا ويدعموا أمراء الحرب المحليين وزعماء القبائل، إذا نبذوا التمرد وتخلوا عن تقديم الدعم للقاعدة؟
لقد هيمن على سياسات إدارة بوش اعتقاد غير ناضج بأن الديمقراطية في حد ذاتها تعد بنتائج مرضية للمجتمعات المسلمة. وتتفق لندن وواشنطن حالياً على أن هذا كان وهماً سخيفاً، لكن الحكومات الغربية تجد من الصعب جداً أن تحدد بديلاً مقبولاً للديمقراطية أو تعديلاً لها.
ولا يرمي أي من هذا للإيحاء بأن الأمريكيين أو البريطانيين يريدون أن يحزموا حقائبهم في أفغانستان. على عكس ذلك هناك اتفاق على أن إعادة حكم طالبان هناك سيعجّل بانفجار باكستان. لكن الذين يشتركون منا في هذا الرأي تنتابهم المخاوف من أن القوات الأمريكية والبريطانية تقاتل دعماً لكيان أفغاني سياسي غير مستدام.
إن حماس الحلفاء "لوضع وجه أفغاني على الحملة" لا بد أنه في محله، لكن أين الأفغان غير الفاسدين والقادرين إدارياً على جعل هذا الأمر يحدث؟ تتفق واشنطن ولندن على أن "إنقاذ" أفغانستان يستدعي التزاماً على المدى البعيد، يمكن أن تثبت صعوبته مع ذبول الحماس المحلي للحرب.
وما لم يتحقق بعض التقدم الواضح خلال سنتين مثلاً، فإن كل الرهانات تسقط. فهناك عدد كاف من الأفغان يشاهدون "سي إن إن" و"الجزيرة" ليكونوا صورتهم الخاصة بهم، أيا كانت الرسالة البريطانية والأمريكية على الأرض.
وبالنسبة للثقة، فإن الأمريكيين والبريطانيين يطرحون الأسئلة السليمة في نهاية الأمر. ففي واشنطن هناك إدراك لضرورة التعامل مع المنطقة ككل. وانعكس ذلك في الاجتماع المشترك الذي عقده الرئيس باراك أوباما في الأسبوع الماضي مع الزعيمين الباكستاني والأفغاني. وحين تنتهي الانتخابات الهندية سيتناول الدبلوماسيون الأمريكيون ما يدركون أنه عامل مهم في المعادلة، وهو المواجهة المسلحة الهندية مع باكستان. وعندما يتخلى الجيش الباكستاني عن الهاجس الذي يسيطر عليه، وهو الحدود الكشميرية، يمكن له أن يتصدى بشكل مقنع للتمرد الذي تشهده البلاد. لكن معرفة هذه الحقيقة أسهل بكثير من تغييرها.
إن أوضح ملمح للحرب الأفغانية في الأشهر المقبلة يتمثل في أنها ستصبح، حسب الجنود الأمريكيين الطائشين: أمريكية فقط. فالأمريكيون يرون أن الناتو يفتقر إلى الوسائل والرغبة في إدراك ما يحدث. وأهم أولوية لواشنطن هي أن تقرر بالضبط ما يأمل جنودها في إنجازه، وليس تحديد ما يريدون، عندما يخوضون المعارك.
ـــــــــــــ
