لايهم تغيير المواقف، جو بايدن يضع المواقف المهمة في الوضع السليم. وأحيانا يكون نائب الرئيس الأمريكي موضع سخرية لعدم قوله الشيء السليم. بالأمس ألقى خطابا عن إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وحسبما أرى، كان ينطق بكلام ملائم.
وضع بايدن الإطار لتحرك الإدارة الوشيك نحو السلام في الشرق الأوسط. وعنى هذا من بين أمور أخرى، وضع التحدي أمام بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، بعبارات واضحة.
وفي غمرة كثير من الاستحسان العالمي، يستأنف باراك أوباما السعي إلى تسوية شرق أوسطية - اليوم يستقبل نتنياهو في البيت الأبيض، ومن المقرر أن يصل في الأسبوع التالي محمود عباس، الزعيم الفلسطيني، والرئيس المصري حسني مبارك. وسيتحدث أوباما مخاطبا العالمين العربي والإسلامي من منبر في القاهرة. وإذا مضى كل شيء حسب الخطة - وهي "إذا" كبيرة جدا بالنسبة للشرق الأوسط - من الممكن أن يعقد مؤتمر للسلام بعد ذلك.
ولا تفكر الإدارة في عملية مضنية تمتد طوال رئاسة أوباما. والصورة كما رسمتها سوزان رايس، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، هي أن الإدارة تسعى بدلاً من محادثات متطاولة، إلى "نتائج حقيقية".
#2#
وتنوي واشنطن أن تحشد دعما واسعا. ففي الأسبوع الماضي صوتت مع بيان لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة يؤكد من جديد مساندة المجتمع الدولي لحل الدولتين. والبيان صاغته روسيا. وهناك بضعة أشياء يمكن أن تظهر بشكل أكثر وضوحا التخلي عن ازدراء إدارة بوش الحوار الدبلوماسي.
وللهدف نفسه، أشارت رايس إلى أن الولايات المتحدة تريد إعادة بث الحياة في أعمال اللجنة الرباعية، المجموعة التي تتكون من الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبالنظر إلى المنطقة نفسها، أضافت رايس أن الهدف هو دمج المبادرة العربية التي ترعاها السعودية، في العملية.
الزائرون إلى واشنطن التقطوا الإلحاحية والنية للضغط من أجل أوسع اتفاقية ممكنة بين إسرائيل والعالم العربي. والأوروبيون الذين اعتادوا على خيبة الأمل المتكررة خلال رئاسة جورج دبليو بوش، يندر أن يستطيعوا احتواء حماسهم. فقد عاد ديفيد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني، إلى لندن من محادثات أجراها مع هيلاري كلينتون، قائلا إن الإدارة "تقحم نفسها في عملية السلام". وأضاف أن الفلسطينيين المحرومين من دولة هم أقوى عامل تجنيد للتطرف الإسلامي.
وهذا يأخذنا إلى بايدن. فنائب الرئيس ألقى خطابه في مؤتمر السياسة السنوي لمنظمة آيباك، أقوى حركة تصف نفسها بأنها "لوبي أمريكا المؤيد لإسرائيل". وفي ضوء ما كان عليه أن يقوله، كانت تلك إحدى المناسبات التي قد تخطر فيها على الذهن الأسود وأوكار الوحوش.
وما لا يثير الغرابة أن نائب الرئيس قدم لكل شيء بالتأكيد على التزام أمريكا الثابت بأمن إسرائيل وبقائها دولة يهودية ديمقراطية. ولم يكن هناك أي سبب يدعو إلى الشك في ذلك. فلا يمكن لأي إدارة أمريكية أن تترك إسرائيل تحت رحمة أعدائها.
وكان بايدن حريصا أيضا على تأكيد أن السلام ينبغي إقامته وفق تنازلات من جميع الأطراف. فلا يمكن للفلسطينيين أن يصافحوا إسرائيل بالأيدي في الصباح ويطلقوا الصواريخ عليها بعد الظهر. وقال لن يكون هناك أي مجال حر للدول العربية التي تعاقب إسرائيل على تثاقلها في التحرك، بينما تمتنع عن تدابير بناء الثقة التي تعجّل من سير العملية.
لكن كان في قلب الخطاب التحليل الذي لم يقبل به بوش أبدا، وهو أن الأمن لإسرائيل وإقامة دولة للفلسطينين لا يسيران بشكل يتعارض فيه أحدهما مع الآخر. وبدلاً من ذلك، أمن إسرائيل بعيد المدى يعتمد على تعايش سلمي بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وأضاف بايدن بشكل صريح، أن التهديد لإسرائيل والمنطقة الذي تشكله طموحات إيران النووية ليس سببا لتأخير إقامة الدولة الفلسطينية. وعلى عكس ذلك، الصراع بين العرب والإسرائيليين عزز موقف إيران الاستراتيجي. فقد أعطى لإيران "ساحة" تدعم من خلالها الحركات الإرهابية. فكيف يمكن تفسير نفوذ إيران الشيعية المتزايد بين المتطرفين العرب السنة؟
ويقال إن رام إيمانويل، رئيس طاقم البيت الأبيض، الذي يقال إنه أفضل صديق لإسرائيل في الإدارة، أثار النقطة نفسها حول إيران، في اجتماع خاص مع مؤيدي منظمة آيباك. وأوباما قلق حول إسرائيل مثل قلقه حول نوايا إيران، لكن تأخير السلام في فلسطين ليس الرّد على ذلك.
وهذا التحول الحاسم في الدور الأمريكي من مؤيد ثابت إلى صانع سلام إقليمي، يزعج رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد في عدة أمور. فحتى قبل أن يقيم نتنياهو ائتلافه بقيادة الليكود، كانت إسرائيل تبدو بلا أصدقاء، في غمرة ردة الفعل الدولية على حرب غزة.
وازداد القلق نتيجة قرار الإدارة الأمريكية توسيع المفاوضات. فإسرائيل لم ترغب أبدا في فكرة إعطاء المجتمع الدولي كلمة. فهي تريد التعامل مع واشنطن فقط. ومن هنا جاءت ردة فعلها الحادة على حوار مجلس الأمن الدولي. فقد قالت جابريلا شاليف، سفيرة إسرائيل لدى الأمم المتحدة، إن حكومتها لا تعتقد أن مجلس الأمن "يساهم في العملية السياسية في الشرق الأوسط". وربما لم تدرك مدى غرابة هذا الكلام.
إن رفض نتنياهو الموافقة على صيغة الدولتين التي كانت في جوهر المفاوضات السابقة مع الفلسطينيين زاد من الإحساس بالعزلة الإسرائيلية. واختياره لافيجدور ليبرمان، وهو قومي متطرف، وزيرا للخارجية لم يساعد.
وفي الوقت نفسه، كلمات بايدن حول إيران تشكل ضربة استباقية لاستراتيجية نتنياهو المتمثلة في القول إن أي اتفاق مع الفلسطينيين يجب أن يكون مشروطا بحل التهديد الإيراني. وبكلمات دبلوماسي أوروبي، ذلك الثعلب بعينه قد تم قتله الآن.
وتوني بلير، المبعوث الخاص للجنة الرباعية، ربما أطلق رسالة أخرى عندما قدم الأدلة إلى لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ في واشنطن. فقد كانت حكومة نتنياهو تقول إن أي اتفاقية سلام ينبغي أن تنظر أيضا في أدلة بأن الفلسطينيين يملكون القدرة على الحكم الذاتي. وردّ بلير بشكل مقنع بأن السعي إلى تسوية سليمة وجهود بناء القدرة الفلسطينية يجب أن يتما بالضرورة بصورة مترادفة.
ورغم كل هذا، رئيس الوزراء الإسرائيلي يصرّ على أنه يريد السلام. وإذا كان هذا هو الحال، وآمل ذلك، فإن بايدن وفر له اختبارا أخيرا ومهما. وعلى إسرائيل أن تتوقف عن بناء المستوطنات في الضفة الغربية وتفكك البؤر القائمة وتسمح للفلسطينين بحرية أكبر للحركة. نعم، كان خطابا جيدا بالفعل، والآن يجيء دورك يا نتنياهو.


