أصبحت شركات الرعاية الصحية الخاصة الكبرى في الهند، أفضل خيار للعدد المتزايد من الأطباء، والممرضين والمساعدين الذين يفكّرون ملياً بالعودة إلى الوطن، بينما تدخل الاقتصادات المتقدمة في كساد عميق.
تخطط مستشفيات أبولو، وهي أكبر مزود رعاية صحية في آسيا، وفورتيس هيلث كير، وهي مجموعة كبيرة أخرى، لتوسعة عملياتهما، وتعيين نحو 30 ألف شخص بحلول عام 2012، وهما على ثقة بالقدرة على تحدي الأزمة المالية.
وكلاهما تقولان إنهما تحاولان جذب المزيد من المغتربين، الذين تمكنوا من الحصول على خبرة كبيرة في الخارج، ومهتمين بالعودة إلى الهند.
وقال كيه برباهاكار رئيس الموارد البشرية في مستشفيات أبولو، لصحيفة فاينانشال تايمز، إنه منذ أن تم تأسيس الشركة في عام 1983، كان جزء من مهمتها الجوهرية هو عكس هجرة الأدمغة، التي شهدت هجرة آلاف الأطباء الهنود إلى الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة.
"وأخيراً، نحن نشهد مئات ومئات من الأطباء الهنود، وموظفي الرعاية الصحية ممن يقدّمون لشغل وظائف في الهند"، كما يقول برباهاكار.
أحد أسباب حدوث ذلك، هو تطور التكنولوجيا والمرافق بصورة جذرية، وإن النموذج الذي تبنيناه مماثل جداً لذلك الموجود في الولايات المتحدة الأمريكية.
"أما النقطة الأساسية الأخرى فهي أن الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا أصيبتا بقسوة بفعل الكساد الاقتصادي، ويرغب العديد من الأطباء وأخصائيو الرعاية الصحية، استغلال فرص عمل جديدة في الهند، حيث تنمو السوق بسرعة كبيرة".
وتُعتبر صناعة الرعاية الصحية واحدة من أكبر القطاعات في الهند، حيث تولّد ما يزيد على 34 مليار دولار من العوائد، أي ما يقارب 6 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تنمو إلى ما يقارب 40 مليار دولار بحلول 2012، وفقاً لما جاء في تقرير صدر عن شركة برايس ووترهاوس كووبرز - PwC، للاستشارات.
"ويشهد قطاع الرعاية الصحية في الهند نمواً أُسياً، ويجذب عدة لاعبين ومستثمرين"، كما يقول كالي براساد، شريك برنامج ممارسة العلوم الصحية – Health Sciences Practice، في شركة إيرنست يونج.
وكان هنالك في عام 2007 نحو 40 ألف طبيب هندي متمرس يعملون في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى أية حال، يتوقع المحللون أن يتراجع العدد خلال فترة الكساد، وبخاصة لأن المرتبات الشهرية في الهند ارتفعت خلال الأعوام القليلة الماضية.
من الممكن أن يحرز أخصائي عناية مركّزة، ملم بكيفية ضبط آلات القلب والرئتين خلال العمليات، نحو 150 ألف روبية (أي 3,00 دولار) شهرياً، أي ما يقارب معدل الناتج المحلي الإجمالي السنوي للفرد في الهند.
وقالت مصادر أبولو لصحيفة فاينانشال تايمز أنها تخطط تعيين نحو 22 ألف شخص، وهم يشملون ما يقارب 4500 طبيب، بعد أن أعلنت هذا العام أنها ستضيف نحو 2000 سرير في أرجاء سلسلة مستشفياتها، وعمليات الرعاية الصحية الخاصة بها.
وقالت مصادر شركة فورتيس التي تتميّز بزيادة حادة في عدد طلبات الوظائف من قبل الهنود المقيمين في الخارج، إنها تسعى إلى مضاعفة عدد الموظفين إلى 14 ألف موظف بحلول عام 2012، كما خططت لتوسعة شبكة مستشفياته لتبلغ 40 وحدة، ومضاعفة السعة السريرية.
"لدينا خطط لمضاعفة عدد الموظفين ليطابق النمو على شكل مراحل"، كما قال بانكاج ميتال نائب رئيس الموارد البشرية في شركة فورتيس.
"وسيكون هذا عبارة عن مزيج من الطاقم الإكلينيكي، والطاقم التمريضي، والمساعدين، وفرق رعاية المرضى ودعمهم في مجالات غير إكلينيكية".
"ونحن نتلقى كماً هائلاً من السير الذاتية، وغيرها من العروض ليس فقط من الجنسية الهندية، من المقيمين في الخارج الذين يريدون أن يعودوا إلى الوطن، ولكن كذلك من جنسيات أجنبية تريد المجيء إلى الهند والعمل لدينا، أو تكون مرافقة لشركة فورتيس".
ازدهار قطاع الرعاية الصحية اندفع بفعل النمو السكاني في الهند، حيث من المتوقع أن يصبح الأكبر في العالم بحلول عام 2030، وإن هنالك ازدياداً في الأمراض المزمنة، وتبنّي الأنظمة الغذائية الغربية، التي تتسم بنسب مرتفعة من الدهون والسكريات، وفقاً لما جاء عن خبراء طبيين في الهند.
وهنالك عامل آخر مهم يساهم في اهتمام شركات الرعاية الصحية بتعيين أطباء هنود، ومساعدين وممرضين يعملون في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وهو نمو قطاع السياحة العلاجية.
من المقدّر للسياحة العلاجية أن تكون قد ولدت نحو 350 مليون دولار في عام 2006/2007، وهي تتميز بالقدرة الكامنة للنمو لتصبح صناعة تُقدّر بملياري دولار بحلول عام 2012، وفقاً لما جاء عن دراسة مشتركة بين ميكنزي للاستشارات، واتحاد الصناعة الهندية – CII.
وفي عام 2007 تمت معالجة نحو 450 ألف سائح علاجي في مستشفيات الهند، بالمقارنة مع 10 ألاف سائح علاجي مع بداية الألفية الجديدة، وفقاً لما جاء عن المحللين.
وتتميز الهند بالقدرة الكامنة لجذب مليون سائح علاجي سنوياً، الأمر الذي يمكن أن يساهم بنحو خمسة مليارات دولار في الاقتصاد، وفقاً لما جاء عن اتحاد الصناعة الهندية.
وقد تم استقطاب آلاف المرضى الأجانب من أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية، بفعل التكاليف المتدنية للرعاية الصحية الهندية، والجودة المرتفعة نسبياً للمرافق، والطاقم الطبي القادر على التحدث باللغة الإنجليزية، ممن قضى أغلبهم وقتاً طويلا في العمل في الدول الغربية.
وبينما تعمل العديد من الشركات الأمريكية على تخفيض تأمين الرعاية الصحية لموظفيها بسبب الأزمة المالية، فإن المزيد من الناس يأخذون في عين الاعتبار، الهند كوُجهة مفضّلة للعلاج. وبالمعدل، فإن استبدال مفصل الورك يمكن أن يكلف نحو ستة آلاف دولار في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تصل تكلفته إلى 4500 دولار في الهند.
على أية حال، وبرغم نمو الصناعة بما يقارب 20 في المائة سنوياً، ووجود احتمال قوي بمزيد من التوسع، فإن الفجوة بين حجم الطلب، وحجم العرض تبقى مذهلة.
وبالتالي، فإن عكس هجرة الأدمغة التي امتصت طاقمنا الحيوي على مدار عقود من الزمن، هي الخطوة الأولى لمنح الهنود النظام الطبي الذي هم بحاجة ماسة إليه.

