الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

الادعاء بأن الولايات المتحدة على حق دائماً وأنها فاضلة بصورة مستمرة، يمكن أن يكون له وقع جيد داخل الولايات المتحدة، لكنه يميل إلى استعداء الأجانب.

"لن أعتذر أبداً نيابة عن الولايات المتحدة ولا يهمني ما هي الحقائق". كان ذلك بيان الرئيس الأمريكي بوش الأب عام 1988، وهو ليس مجرد سياسة "بوشية" من النوع الذي جعله ابنه من بعده أمراً مشهوراً، بل تلخيص زاخر بالقوة لمدرسة كاملة من التفكير في الولايات المتحدة.

يرى كثير من المحافظين الأمريكيين أن واحدة من الخطايا الشنيعة لمنافسيهم الليبراليين ميلهم للاعتذار نيابة عن بلدهم. وسبق لجين كيرباتريك، المحافظة المولعة بالمواجهة، أن شجبت الليبراليين ووصفتهم بأنهم جمهور من "الذين يلومون أمريكا أولاً".

يشتكي المحافظون الآن بصوت مرتفع من أن واحداً من أولئك الليبراليين الحنونين، رقيقي الحديث الذين يجلدون أنفسهم بالسياط، يجلس الآن في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض ويقلل من شأن نفسه وبلده أمام الأجانب. ويشتكون من أن الرئيس باراك أوباما حوّل نفسه إلى "زعيم المعتذرين العالميين". ويقول رش لمباوغ، عميد إذاعة الحديث المحافظ، بغضب: "حيثما يتوجه أوباما، لا يفعل شيئاً سوى الاعتذار نيابة عن الولايات المتحدة".

ووبخ المعلق السياسي في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، جيمس كيرشك، الرئيس أوباما على "جولته الاعتذارية العالمية الكبرى هذا الربيع". ووفقاً لكيرشك، كل ذلك بدأ حين أعطى الرئيس أوباما مقابلة لفضائية "العربية"، ودعا إلى الاحترام المتبادل بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. وكرر أوباما هذه الخطيئة في خطاب له دعا فيه إلى نزع الأسلحة النووية، حين قال: "الولايات المتحدة، بصفتها الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية، لديها مسؤولية أخلاقية تملي عليها التصرف". وبعد ذلك "زاد الرئيس من اعتذاراته" في تركيا بالحديث عن "الثقة المستنزفة" بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. ولزيادة تكثيف خطاياه، فإن أوباما خلال قمة الأمريكيتين "جلس بهدوء وهو يستمع إلى هجوم شديد على الولايات المتحدة استغرق 50 دقيقة من جانب زعيم نيكاراغوا الشيوعي، وكان متحمساً بصورة مزعجة في مصافحته بسرور زعيم فنزويلا المتسلط، هوجو شافيز".

لا بد أن يكون القارئ المتنبه لاحظ أن كلمة "آسف" لم ترد في أي من الأمثلة التي ساقها كيرشك الغاضب. كما لم يكن من الواضح ماذا كان على أوباما أن يفعله مع رئيس نياكارغوا، دانييل أورتيغا. هل كان عليه أن يطرحه أرضاً؟ وحتى حين كان أوباما معتذراً بصورة غامضة، فإن خصومه غالباً ما نقلوا كلامه خارج السياق. وهكذا يشير كيرشك إلى ملاحظة الرئيس أمام جمهور أوروبي، بقوله "كانت هناك أوقات أظهرت فيها أمريكا العجرفة، كما كانت نابذة لغيرها، بل ساخرة". لكنه يحرص على حذف السطر التالي "لكن في أوروبا حركة معادية للأمريكيين، وهي عارضة في الوقت الراهن، لكن يمكن أن تكون غادرة ومتأصلة كذلك".

بالنسبة إلى كثير من منتقدي أوباما، هذا النوع من التفاصيل يعتبر أمراً ثانوياً، على أية حال. وهم يعتقدون أن الرئيس يقلل من شأن بلده، وأن هذه السياسة ضعيفة وغير وطنية، وأنها خطيرة في نهاية المطاف. ويتخوف الزعيم الجمهوري البارز، نيوت جنجريش، من أن أوباما يرسل الإشارة الخاطئة، ويجادل بأن "المفترسين، والعدوانيين، وكارهي أمريكا، والدكتاتوريين، يبدأون بالضغط حين يحسون بالضعف".

مثل هذا النوع من الجدل ليس غريباً على الولايات المتحدة. وشجب جون هووارد، رئيس الوزراء الأسترالي المحافظ، ما سماه "صورة رباط الذراع الأسود للتاريخ الأسترالي" الذي نظر إلى تاريخ بلاده بأنه "ليس سوى أمر أكثر بقليل من قصة مخزية من الاستعمار، والاستغلال، والعنصرية".

واستغرق الأمر 40 عاماً قبل أن يصبح الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، قادراً على الاعتراف علناً بأن فرنسا في عهد حكومة فيشي تعاونت في المحرقة اليهودية، واعتذر عن ذلك.

يمكن أن يشمخ كثير من المدافعين المتحمسين وطنياً عن الولايات المتحدة، بأنوفهم عن مثل هذه المقارنة. وهم يرون أن البلدان الأخرى تعتذر لأن لديها الكثير مما يوجب الاعتذار. غير أن أمريكا هي، كما كان رونالد ريغان يحب أن يقول "مدينة مشرقة على التل"، وهي البلاد التي أعادت الحرية إلى أوروبا عام 1945، ثم واجهت تهديد الإمبراطورية السوفياتية.

صحيح أن لدى أمريكا الحديثة أموراً تفتخر بها أكثر مما لدى معظم البلدان الأخرى. لكن ربما يكون من السخف بالنسبة إلى أوباما، الذي تنحدر زوجته من طبقة العبيد، أن ينكر أن لدى أمريكا فصولاً مخزية في ماضيها.

إن ما تفكر به أمريكا حول تاريخها الحديث، بصورة خاصة، أمر أبعد من مجرد الاهتمامات الأكاديمية. فالولايات المتحدة هي القوة العظمى العالمية، وما تقوله عن ماضيها يخبرنا بشيء عما ستفعله في المستقبل. ولذلك، حين يقول أوباما إن أمريكا ارتكبت أخطاءً في تعاملها مع أوروبا، أو مع العالم الإسلامي، فإنه يقصد تماماً توجيه إشارة ما.

هذه الإشارة التي يرسلها تعتبر رمزاً للضعف في نظر منتقديه. لكن ليست هناك أي قراءة منصفة لتعليقات أوباما المتعددة تفيد بأنه خجل ببلده، أو أنه ينوي التضحية بالمصالح الأمريكية. ما يفعله هو محاولة تحسين بعض العلاقات المسمومة التي ورثها من الرئيس جورج دبليو بوش من خلال الاعتراف، بلغة رمزية بعض الشيء، بأن الولايات المتحدة، كذلك، يمكن أن ترتكب أخطاء.

وهذا ليس بالأمر غير المعقول بعد غزو العراق، وفضيحة التعذيب. والادعاء بأن الولايات المتحدة على حق دائماً وأنها فاضلة بصورة مستمرة، يمكن أن يكون له وقع جيد داخل الولايات المتحدة، لكنه يميل إلى استعداء الأجانب، وهذا أمر يعمل ضد الأهداف المرجوة منه بكل بساطة.

غير أن الأهم من ذلك هو أن الرغبة في مناقشة تاريخ بلادك بطريقة ناقدة للذات هي علامة على وجود مجتمع مفتوح.

أعاد فلاديمير بوتين كتابة المقررات المدرسية التاريخية لتقديم صورة أكثر إيجابية عن الستالينية. ويقمع الصينيون بغضب أي تحديات للصيغة الرسمية لتاريخ تايوان. أما الديمقراطيات الناضجة، فتقوم بالأمور بصورة مختلفة، ولا تخشى المناقشات المفتوحة.

إن رغبة أوباما في الاعتذار عن أخطاء أمريكا في الماضي علامة قوة، وليست علامة ضعف.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية