"ينبغي أن يكون لديك جلد سميك كي تعمل في التمويل الإسلامي في الولايات المتحدة. بعض العملاء سيجدون فيه أمراً منفراً وينسحبون".
حتى عهد قريب كانت لندن متقدمة بدرجة مريحة في السباق كي تصبح المركز الغربي لصناعة التمويل الإسلامي، وذلك في سعيها لاستقطاب ثروة الخليج النفطية إلى المملكة المتحدة. فقد كانت تفاخر بأن لديها أكبر الممولين، وأنظمة متقدمة، وحكومة تؤيد هذا القطاع.
وحظي القطاع بدعم جوردون براون، وزيرا للخزانة ورئيسا للوزراء. وعدلت وزارة الخزانة القوانين الضريبية التي كانت تشكل عائقاً أمام المعاملات المعقدة المتوافقة مع الأحكام الشرعية. ونتيجة لكل هذا، يوجد في المملكة المتحدة خمسة بنوك إسلامية مرخصة – البنوك الإسلامية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي.
وأقرت بورصة لندن إدراج 17 من الصكوك، أو السندات الإسلامية، بلغت قيمتها ستة مليارات جنيه استرليني، منذ أول إصدار قامت به "تبريد"، وهي شركة إماراتية تعمل في مجال التبريد، في 2006.
لكن تم تأجيل خطة المملكة المتحدة لتكون أول دولة غربية تصدر صكوكاً سيادية إلى أجل غير مسمى. واتخذ قرار التأجيل في تشرين الثاني (نوفمبر)، عندما قررت وزارة المالية في ظل الركود العميق الذي كانت تواجهه، أن إصدار هذه الصكوك لن "يعطي قيمة للأموال".
ويقول محمد أمين، المدير البريطاني لإدارة التمويل الإسلامي في برايس ووترهاوس كوبر: "كان ذلك خيبة أمل كبيرة. العديدون اعتبروا هذا إشارة – وهذا غير صحيح في رأيي – على أن حكومة المملكة المتحدة فقدت اهتمامها بهذا الموضوع".
ورغم أن المملكة المتحدة ما زالت تحتل المقام الأول في مجال التمويل الإسلامي في الغرب، إلا أن دورها الطليعي في تراجع في وقت يظهر فيه منافسوها في فرنسا والولايات المتحدة اهتماماً أكبر بهذه الصناعة. فقد ضاعفت باريس، انطلاقاً من حرصها على أن تضاهي لندن كمركز مالي، جهودها في الآونة الأخيرة لجذب الأعمال في هذا القطاع.
وعدلت فرنسا بعض القوانين في شباط (فبراير) الماضي، ومن المتوقع أن ترخص لأول بنك إسلامي فيها في تموز (يوليو)، كما يقول جيل سانت مارك، الشريك في شركة Gide Loyrette Nouel للمحاماة، والذي يعمل على الطلب الخاص بالترخيص للبنك المذكور.
ويقول سانت مارك الذي يمثل مستثمرين كويتيين وقطريين تقدموا بطلب لإنشاء البنك: "هذه خطوات رئيسية للانطلاقة الحقيقية للتمويل الإسلامي في فرنسا". ويضيف: "لندن في الطليعة حتى الآن، لكن خلال الأشهر الثمانية الماضية أدخلنا التدابير نفسها التي اتخذتها لندن في ثلاث سنوات".
وتحرم الشريعة الإسلامية الفائدة الربوية على أساس أن المال وحده لا يجب أن يولد الربح. ولذلك الاستثمار المتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية كثيراً ما يستخدم العديد من عمليات البيع والشراء لتوليد زيادة مساوية للفائدة، يمكن أن تكون خاضعة للضريبة في كل مرحلة.
ويشهد هذا القطاع نمواً أيضاً في الولايات المتحدة. وتطرق البنوك متوسطة الحجم هناك باب قاعدة عملاء عريضة من المسلمين الأمريكيين يقدر عددهم بـ 2.4 مليون شخص، وفقاً لمركز بيو للأبحاث، وهو مؤسسة فكرية.
ومن السهل نسبياً التعامل مع القوانين الضريبية الأمريكية، لكن التناقض في المواقف تجاه العالم الإسلامي منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) يشكل عائقاً، حسب الممولين. غير أن مجيء الرئيس باراك أوباما غيّر هذا الوضع. فقد تعهد لدى توليه منصبه في كانون الثاني (يناير) بأن يمد يده إلى العالم العربي.
ويقول يوسف ديلورينزو، وهو فقيه إسلامي مقره في الولايات المتحدة، وعمل خارجها مع بنكي مورجان ستانلي وسوسيتيه جنرال: "إنني متفائل بشأن الكيفية التي سيدعم بها أوباما الجالية المسلمة والتمويل الإسلامي. متفائل بحذر". ويضيف: "في ظل الإدارة السابقة لم يكن هناك تفاؤل، ولذلك هذه خطوة كبيرة".
ويتوقع بنك الجامعة University Bank أن تنتج وحدة التمويل الإسلامي التابعة له أكثر من 18 في المائة من الإيرادات هذا العام، ارتفاعاً من 8 في المائة العام الماضي. ويدير البنك أصولاً وقروضاً إسلامية قيمتها 75 مليون دولار من مجمل أصوله وقروضه البالغة 3.5 مليار دولار.
وفي آذار (مارس) الماضي أعلن بنك جايدانس ريزيدنشيال Guidance Residential الذي يعتبر أكبر بنك للرهن العقاري الإسلامي بالكامل، عن زيادة عدد العقود التي أبرمها في الربع الأول بنسبة 62 في المائة. ويعد هذا أفضل أداء له منذ فتح أبوابه عام 2002.
وبدورها تبدي الشركات الشرق أوسطية اهتماماً بهذا الموضوع. فمنذ عام 2004 أسس بيت الاستثمار الخليجي الكويتي فرعين تابعين له يعملان وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية، يركزان على الاستثمار العقاري وعلى شركات الأسهم الخاصة.
وبحسب ديلورينزو: "نما التمويل الإسلامي هنا فعلاً في بضع سنوات، وهو نمو لم يقترب من أعلى مستوياته. فما زالت هناك إمكانيات ضخمة غير مطروقة للتأمين الإسلامي والمشتقات الإسلامية".
لكن من غير المرجح أن تتفوق نيويورك على لندن كمركز للمصرفية الاستثمارية الإسلامية، إلا إذا انخرطت الشركات الكبرى في هذا المجال. مع العلم أن البنوك الاستثمارية الأمريكية الكبرى تعمل بكثافة في مجال التمويل الإسلامي، لكن في مواقع أخرى. فقد أنجز بنك سيتي جروب للاستثمار الإسلامي الذي يوجد مقره الرئيسي في البحرين، معاملات إسلامية تزيد قيمتها على سبعة مليارات دولار في السنوات الخمس الماضية.
ولدى بنك جولدمان ساكس أيضاً فروع ناجحة تعمل وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط. ولا توجد لدى هذه البنوك الأمريكية خطط في الوقت الراهن لتقديم منتجات إسلامية في الولايات المتحدة، متذرعة بصغر حجم السوق المحلية.
ويقول مصرفيون آخرون إن الشركات الكبرى تخشى من أن تلصق بها ما سمتها وصمة عار على الصعيد الثقافي. ويتذكر ستيفن رانزيني، رئيس بنك الجامعة، أنه عندما بدأ بتقديم قروض رهن إسلامية عام 2003، قام عدد من عملائه غير المسلمين بإغلاق حساباتهم لديه.
ويقول: "ينبغي أن يكون لديك جلد سميك كي تعمل في التمويل الإسلامي في الولايات المتحدة. بعض العملاء سيجدون فيه أمراً منفراً وينسحبون. وسيعود هذا بخسائر كبيرة على البنوك الكبرى".

