أعادت جماهير الشعب مانموهان سينج مهندس الإصلاحات الاقتصادية في الهند إلى السلطة بعد أن أكدوا من جديد على ثقتهم في قدراته على معالجة أصعب تحد اقتصادي تواجهه البلاد في السنوات الأخيرة.
وكما أظهرت نتائج الانتخابات الوطنية اليوم كان من الواضح أن سياسات سينج لرفع مستوى الفقراء في المناطق الريفية والإصلاحات الواعدة التي تتخذ "وجها إنسانيا" قد حظيت باستحسان الغالبية العظمى من الشعب. وبحصوله على تفويض معزز حقق سينج التميز حيث سيصبح أول رئيس وزراء بعد جواهرلال نهرو منذ الستينات من القرن الماضي يعاد انتخابه بعد قضائه فترة ولاية كاملة في منصبه. وكان هذا حتى أكثر دلالة بالنظر إلى أن سينج ترأس حكومة ائتلافية مع حلفاء متقلبي المزاج.
وقد قبل سينج تولى أعلى منصب في البلاد عام 2004 عندما فاجأت رئيسة حزب المؤتمر الوطني سونيا غاندي مؤيديها برفضها تولى المنصب ورشحت في المقابل سينج مساعدها الذي يحظى بأكبر قدر من ثقتها . وأصبح سينج الأكاديمي السابق والبيروقراطي أول رئيس وزراء من السيخ في الهند الذي أدار بنجاح حكومة التحالف التقدمي المتحد على مدى خمس سنوات.
وحقق سينج الذي بدأ الإصلاحات الاقتصادية في الهند حينما كان وزيرا للمالية في أوائل التسعينات من القرن الماضي إنجازا كبيرا آخر يضاف لرصيده خلال ولايته الأخيرة ألا وهو التوقيع على اتفاق نووي مدني هام مع الولايات المتحدة الأمريكية. وساعد هذا الاتفاق على إنهاء ثلاثة عقود من العزلة النووية للهند ويسمح للهند باستيراد الوقود التي تشتد الحاجة إليه وكذلك المعرفة التقنية لبرنامجها النووي.
وكانت قناعة سينج بهذا الاتفاق النووي قوية جدا لدرجة أنه عرض حكومته للخطر بعد أن سحب شركائه الشيوعيون المعارضون للاتفاق تأييدهم له. بيد أن حكومة سينج تمكنت من الفوز باقتراح الثقة في البرلمان ووقع على الاتفاقية في الخريف الماضي.
وتضمن برنامج سينج للإصلاح الاقتصادي المتواصل تبسيط الإجراءات الضريبية وخططا تهدف إلى تنمية المناطق الريفية بالهند حيث أن معظم سكان البلاد لا يزالون يعيشون في ظروف صعبة. وقدم سينج حزمة مالية تقدر ب15 مليار دولار لتخفيف عبء الديون للمزارعين الفقراء وشجع واحدا من أكبر نظم الرعاية الاجتماعية في العالم الموجهة للوظائف لسكان الريف.
وقال مسئولون في حزب المؤتمر مطلعون على بواطن الأمور إن سينج لعب دورا أساسيا في وضع بند الحق في الغذاء في برنامج الحزب الانتخابي لعام 2009. وعلى صعيد السياسة الخارجية عزز سينج العلاقات مع الولايات المتحدة وواصل عملية السلام مع باكستان على الرغم من أنها تعثرت بعد هجمات مومباى التي وقعت في نوفمبر الماضي.
وترأس سينج (76 عاما) الذي تعلم في جامعات أكسفورد وكامبريدج في بريطانيا لجنة التخطيط في الهند ومصرفها الاتحادي وعمل مستشارا اقتصاديا للعديد من رؤساء الوزراء وتولى منصب وزير المالية وتقلد مناصب هامة في منظمات دولية منها صندوق النقد الدولي ومصرف التنمية الآسيوي.
وسينج الذي ولد في إحدى قرى ولاية البنجاب في الهند قبل التقسيم لا يمتلك قاعدة سياسية شعبية ولم يفز في انتخابات شعبية وقد رشح نفسه في إحداها لكنه خسر وهو عضو في مجلس الشيوخ أو "راجيا سابها" منذ سنة 1991 ولم يكن مرشحا في الانتخابات الحالية.
ولكن سينغ حظي دائما بثقة رئيسة حزب المؤتمر التي تتمتع بنفوذ رغم أن منتقديه وقادة الأحزاب المعارضة كثيرا ما وصفوا رئيس الوزراء رقيق الصوت بأنه "ضعيف" و "لعبة" بيد غاندي التي تمسك بزمام الأمور. ولكن في بلد تغلغل فيها الفساد على مختلف المستويات في الحكومة فإن أكبر رصيد لسينج يتمثل في صورته كسياسي رزين يشتهر بالعمل الدؤوب.
وعندما قبل سينج ذو الأخلاق الرفيعة منصبه كرئيس للوزراء رأى كثيرون أنه شخصية غير قادرة على اتخاذ قرارات صعبة حيث أنه كان شخصية رقيقة للغاية لحد أنه لا يستطيع التغلب على مصاعب السياسة.
رغم ذلك يرى محللون سياسيون أنه من خلال إظهار الشجاعة خلال الأزمة السياسية حول الصفقة النووية مع أمريكا وقيادة حزبه الآن إلى النصر فإن سينج قد ارتفعت مكانته السياسية وسينظر إليه كرجل دولة. وهناك تحديات أصعب تواجه سينج خلال المرحلة المقبلة في ظل الاضطرابات الاقتصادية التي تشهدها البلاد والتي فقدت خلالها الملايين من الوظائف بعد خمس سنوات من النمو بلغ متوسطه السنوي 8.75 %.
ويتوقع خبراء أن الوضع الاقتصادي في الهند قد يصبح أكثر سوءا خلال الأشهر القادمة في ظل استمرار تأثر البلاد بأسوأ تباطؤ في الاقتصاد العالمي خلال ستة عقود.
وسيتابع الهنود عن كثب تقديم الميزانية العامة المقرر في الشهر المقبل حيث أنها ستكون على رأس أجندة سينج. وتكسب الميزانية أهمية على خلفية التباطؤ في الإنتاج الصناعي والانخفاض الكبير في الصادرات.
وسيضطر سينج أيضا إلى التعامل مع الوضع الخطير للأمن الداخلي بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها الهند من بينها هجمات مومباي التي خلفت ما يزيد على 170 قتيلا فضلا عن عدم الاستقرار في جنوب آسيا. وبما أن التشدد الإسلامي في أفغانستان وباكستان والأزمة السياسية الجارية في نيبال والصراع العرقي لمتمردي نمور التاميل في سريلانكا تهدد بعواقب خطيرة على الهند فإن سينج من المتوقع أيضا أن يعطي أولوية قصوى للوضع في دول الجوار.
