بعد قرابة شهرين من قيام بن بيرنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بتمتمة كلمات "بدايات مشجعة" من التعافي، وذلك في مقابلة تلفزيونية، فإن الجدل يستمر في الهيجان بشأن ما إذا كان الاقتصاد العالمي قد بدأ بالاستقرار، وسيبدل الأمور قريباً.
مقارنة ببداية العام – عندما كان الاقتصاد العالمي يتهاوى عن الحافة في تقلص متزامن من السرعة غير المسبوقة – فإن الوضع تحسن بشكل جذري, في حين أن كافة الاقتصادات القيادية في العالم تقريباً ما زالت تتقلص، وبعضها بوتيرة سريعة للغاية، إلا أن البيانات الاقتصادية المستقبلية تشير على الأقل إلى اعتدال في معدل التراجع، وربما أكثر من ذلك بكثير.
إن الآفاق في العديد من مناطق أوروبا – بما فيها المملكة المتحدة وألمانيا- وفي اليابان، لم تتحسن كثيراً، غير أن الآفاق في الولايات المتحدة والصين، أكبر محركين منطقيين للتعافي العالمي، تبدو أفضل.
هناك أربعة تطورات تحديداً تحمل الأمل للمستقبل:
بعض التخفيف في الظروف المالية على الصعيد العالمي، وارتفاع النمو في الصين، وخروج واضح من نقطة الحضيض في المبيعات المحلية وإنشاءات البيوت في الولايات المتحدة، وزيادة منتظمة في الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة.
إن السؤال المطروح هو ما إذا كانت القاعدة المنبسطة للنشاط الاقتصادي الواضح على استعداد للتحرك تمثل الانخفاض الأخير في هذه الدورة الاقتصادية، وما إذا كان ما يطلق عليه "بدايات مشجعة" يمثل بدايات التعافي المستدام.
يبقى لورنس سومرز، المستشار الاقتصادي رفيع المستوى للرئيس الأمريكي باراك أوباما، حذراً. وقال لمحطة فوكس نيوز يوم الأحد 26 نيسان (أبريل): "إن هذا الشعور بالسقوط الحر غير المسيطر عليه الذي كان يسارونا قبل شهر أو شهرين غير موجود في الوقت الحاضر"، لكنه أضاف: "إنه سيكون طريقاً طويلاً للغاية. وستكون هناك خطوات للمضي قدما، كما ستكون هناك خطوات للتراجع إلى الخلف".
في معظم فترات الانكماش، فإن تباطؤ معدل التراجع يؤدي بطبيعة الحال إلى الوصول إلى القاع، ومن ثم تعافٍ، حيث يتوقف المستثمرون، والشركات، والمستهلكون عن القلق بشأن المعركة الاقتصادية الكبرى الحاسمة، ويقنعون أنفسهم بأن التجاوزات الماضية تم حلها، ويبدأون بالشراء، والتعيين، والإنفاق مرة أخرى.
يقول معهد أبحاث الدورة الاقتصادية في نيويورك Economic Cycle Research Institute إن الولايات المتحدة "على حافة دورة معدل نمو صاعد" – تباطؤ في معدل التراجع. ويضيف قائلاً: "طوال السنوات الخمسة والسبعين الماضية، كانت دورات معدل النمو الصاعد خلال كل فترة انكماش تتبع ما بين صفر إلى أربعة أشهر بعد نهاية الانكماش ذاته، دون أية استثناءات".
في حقيقة الأمر، حسبما يعترف معهد أبحاث الدورة الاقتصادية، هناك استثناء واحد: الكساد الكبير في عام 1931. وربما لا يكون هذا الكساد الكبير الثاني، ولكنه ليس أيضاً انكماشاً عادياً، والمقارنات مع عام 1931 قريبة بما يكفي للقلق من أن الانتقال العادي من تراجع متباطئ إلى استقرار وتعافٍ ربما لا يستحكم هذه المرة أيضاً.
سيكون هناك تأرجح مؤقت باتجاه النمو أواخر هذا العام من دورة مخزون كلاسيكية. فشركات التصنيع خفضت الإنتاج بسرعة في الربع الأخير من عام 2008، بحيث إن الإنتاج الآن أدنى من حجم المبيعات. وفي مرحلة ما، ستكون الشركات مقتنعة بأنه لا يوجد لديها مخزون إضافي، وستزيد الإنتاج لمضاهاة المستويات الحالية السائدة من المبيعات. ومن شأن ذلك أن يوفر ربعاً أو ربعين من النمو. والسؤال المطروح هو ماذا سيحصل بعد ذلك.
إن عودة الصين إلى نمط النمو القوي، وتفادي انهيار خاص بها، شرط ضروري للصعود العالمي، ولكنه ليس كافياً. وحيث إن أوروبا واليابان في تراجع سريع، فربما يستغرق الأمر تعافياً أمريكي المنشأ لإحداث تغيير عالمي مبكر. وهذا أمر جدير بالملاحظة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة كانت النقطة المركزية للأزمة، وفي جميع الحالات الماضية، فإن مثل تلك البلدان قامت بتصدير طريق عودتها إلى النمو.
من الممكن تصور ما الذي يمكن أن يحرك تعافي الولايات المتحدة. فالانكماش الشديد في صناعة الإنشاءات في البلاد يتراجع (حتى لو أن أسعار المنازل ما زالت في تراجع)، وبذلك يزيل عبئاً ثقيلاً عن النمو. ويمكن أن تعمل نهاية السقوط الاقتصادي الحر على إطلاق العنان للطلب المقموع في قطاعات مثل قطاع السيارات، حيث تصل المبيعات إلى أدنى من المستوى المطلوب للمحافظة على المخزون الحالي من السيارات. وعلاوة على ذلك، هناك حافز مالي ونقدي هائل يتم ضخه حالياً.
عاد الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي إلى النمو بمعدل سنوي يبلغ 2.2 في المائة في الربع الأول من هذا العام، بعد أن هبط بنحو 4 في المائة سنوياً في كل ربع من الربعين السابقين. وإذا أمكن المحافظة على هذا، فإن التوقعات بشأن التعافي العالمي تبدو جيدة.
على أية حال، يخشى شيرل كينج، الاقتصادي في بنك ميريل لينش، أن "يكون ذلك معجزة لربع واحد فقط". وتم التأكيد على الإنفاق الأعلى بسبب الزيادة لمرة واحدة في دفعات التأمين الاجتماعي، والانخفاضات في الضرائب الشخصية، الأمر الذي زاد من معدل الدخل المعد للإنفاق حتى في الوقت الذي انخفض فيه الدخل المستحق نتيجة فقدان الوظائف الهائل.
بالنظر إلى المستقبل، وحتى مع المزيد من المساعدة من جانب حافز الإعفاءات الضريبية، والحوالات مثل دفعات المنافع، وما لم تتحسن سوق الوظائف في الولايات المتحدة بشكل حاد، فمن الصعب رؤية أين سيجد المستهلكون الأموال لدعم حدوث زيادة مهمة في الإنفاق.
وعلاوة على ذلك، فإن معدلات الادخار في الولايات المتحدة – حالياً بنسبة 4.2 في المائة – يمكن أن ترتفع أكثر إذا حاولت الأسر تعويض الثروة المفقودة. وهذا من الصعب للغاية التنبؤ به. ولكي تستعيد صافي ثروتها التي كانت موجودة في منتصف عام 2007، فإن عليها الادخار أو الكسب من خلال جمع رأس مال يقدر بنحو 12,885 مليار دولار (9,674 مليار يورو، 8,661 مليار جنيه استرليني). ولكن من أجل استعادة صافي الثروة التي كانت موجودة في نهاية عام 2005، فإن ذلك يقتضي نصف ذلك المبلغ فقط – نحو 6,621 مليار دولار. والإطار الزمني الذي يمكن وفقاً له أن يحاولوا استعادة الثروة المفقودة غير مؤكد إلى حد بعيد، وكذلك الأمر النسبة التي يمكن أن تأتي من المزيد من الارتدادات في أسعار المخزون.
يمكن أن يؤدي التشدد في الائتمان إلى قمع أي تعافٍ في الإنفاق، علاوة على ذلك. وقال بيرنانكي في خطاب ألقاه الشهر الماضي: "لن نحصل على تعافٍ مستدام دون استقرار نظامنا المالي، وأسواق الائتمان". ولكنه أضاف: "إننا نحرز تقدماً على هذه الجبهة".
ارتفعت الأسهم بنحو 30 في المائة في مؤشر فاينانشال تايمز العالمي عن مستوياتها المتدنية، كما تراجعت ضغوط بعض مؤشرات أسواق الائتمان، وسبب ذلك جزئياً استجابة لسياسة التدخلات، رغم أن الأسهم ما زالت أدنى مما كانت عليه في الأول من شهر كانون الثاني (يناير)، وتبقى ضغوط مؤشرات أسواق الائتمان عند مستويات عالية.
يعتقد بيرنانكي أن إصلاح النظام المالي هو مفتاح التعافي، حيث إن من شأنه أن ينهي "دوامة التغذية الراجعة" بين الاقتصاد المتقلص والقطاع المالي المتضرر، وتحل مكانها دائرة حميدة من المزيد من الائتمان، وأسعار أصول أعلى، والمزيد من النمو. ولكن بعض صانعي السياسة يخشون من أنه في حين أن الإصلاح المالي أمر ضروري، إلا أنه ربما لا يكون كافياً لتغذية النمو المناسب. وربما لا تستجيب الأسر التي تعاني ميزانيات متضررة، بقوة حتى إزاء التخفيف الجذري في عرض وأسعار الائتمان.
مما لا شك فيه أن مسار الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة يبقى غير مؤكد بعمق. ومن الممكن تماماً أن كل شيء سيعود إلى مكانه، وسيعمل الإصلاح المالي، والائتمان الأرخص ثمناً، وأسعار المخزون الأعلى، والظروف الأفضل في سوق الوظائف، وتحسن الثقة، والإنفاق المستدام، على تعزيز كل منها الآخر في الولايات المتحدة، وعلى الصعيد العالمي. وإذا حدث ذلك، فإن البدايات المشجعة ستزدهر، ويمكن أن تقود الولايات المتحدة – إلى جانب الصين- العالم خروجاً من الانكماش، وإلى تعافٍ مستدام بدءاً من هذا العام.
ولكن من الممكن أيضاً أن تتلاشى البدايات المشجعة بحدوث تقلص أو ركود في طلب القطاع الخاص الأمريكي دون شك، إذا كان هناك المزيد من التدهور المالي، وربما حتى لو كان هناك إصلاح مالي.
إذا كانت تلك هي الحال، فيمكن أن تجد الولايات المتحدة نفسها في حالة من التناظرات المتراخية تشابه تلك الحالة التي عانتها اليابان في منتصف تسعينيات القرن الماضي – غير منهارة، ولكن غير قادرة على إدارة تعافٍ قوي مستدام، وتقتضي وجود حوافز مالية متكررة. وعندئذ سيأتي التعافي العالمي الحقيقي فقط حين يظهر مصدر بديل مناسب من الطلب العالمي، ربما على شكل مزيج ما من الطلب الآسيوي والأوروبي القاري – الأمر الذي يمكن أن يستغرق عدة سنوات.
إن الأمر الذي لا يمكن إنكاره على الرغم من ذلك، هو أنه للمرة الأولى منذ شهور عديدة هنالك الآن بعض المخاطر الإيجابية إزاء التوقعات الاقتصادية، فضلاً عن عديد من المخاطر السلبية المتبقية.

