ظل الناس يكثرون الحديث لسنوات طويلة عن "الصراع على المواهب". الفكرة التي يقوم عليها ذلك هي أن ذوي المواهب هم عملة نادرة لا بد للشركات من التنافس في سبيل الحصول عليها. ولكن توظيف الأشخاص الموهوبين لا يشكل إلا نصف المعركة. لا بد من العثور على وظائف لهؤلاء الموهوبين يستطيعون أن يقوموا بها بكفاءة حقيقية. إذا وُضِعوا في وظائف غير مناسبة، وأُعطوا مهاما غير مناسبة، فإن الواحد منهم سيكون عبارة عن سدادة مربعة في حفرة دائرية، بصرف النظر عن الطاقات الكامنة فيهم.
هدف هذا الكتاب الجديد، بعنوان "القوة العاملة المتمايزة" هو أن يبين للشركات والمديرين كيفية تخطيط استخدام المواهب بكفاءة. الكتاب من تأليف أساتذة في إدارة الموارد البشرية في جامعة ولاية نيويورك (بيكر) وفي جامعة راتجرز Rutgers (هوسليد وبيتي). وقد سبق أن نشروا عدداً من الكتب حول استراتيجية الموارد البشرية. يجادل المؤلفون بأن توظيف وترقيتهم الأشخاص على أساس الخبرة السابقة والأداء السابق أمر غير كاف.
الوضع الأفضل بالنسبة للشركات هو التخطيط على نحو أكثر متانة، وتحديد الأماكن التي تدعو فيها الحاجة إلى مواهب ومهارات خاصة، ومن ثَم العثور على الأشخاص المناسبين وتدريبهم وتطويرهم للوظائف المناسبة. وهذا ليس بالأمر السريع ولا الهين. يستشهد المؤلفون بأحد كبار التنفيذيين في أحد أقسام شركة آي بي إم، حيث قال إن إعداد موظف لشغل وظيفة مسؤولة في بيئة عمل معقدة يحتاج إلى سنتين.
يبدأ الكتاب من المقدمة التي تنص على أن متطلبات الموارد البشرية لا بد أن تكون تابعة للاستراتيجية. الخطوة الأولى هي تحديد أهداف الشركة والاستراتيجية المناسبة لتحقيق تلك الأهداف. الخطوة التالية هي إعداد "خطة رأس المال البشري" تبين أنواع الأشخاص والمواهب التي يجب أن يكونوا متمتعين بها، حتى يكونوا قادرين على تنفيذ الإستراتيجية.
يوصي المؤلفون بتصنيف جميع وظائف الموظفين في فئات حسب أهميتها للخطة الإستراتيجية. الفئة "أ" هي فئة الموظفين الذين لولاهم سيكون هناك خطر لا يستهان به في أن تصاب الخطة الاستراتيجية العامة للشركة بالاختلال والتعطل. يجب تكريس أقصى الجهود لتوظيف موظفي هذه الفئة والاحتفاظ بهم. موظفو الفئتين "ب" و "ج" مهمون، ولكنهم ليسوا أساسيين للاستراتيجية، وبالتالي يتطلبون قدراً أقل من الاستثمار.
ولكن أهم قضية هي التأكد من أن الشخص المناسب يوضع في المكان المناسب. هنا على ما أظن نقطة ضعف الكتاب. يحتوي الكتاب على مناقشات حول "بناء الهيكل الاستراتيجي للقوة العاملة"، وعلى رسوم ومخططات يدل منظرها على أنها مهمة، ولكن هناك القليل مما يمكن أن يُعتبر نصائح عملية. هذا كتاب يَعِد بمساعدة التنفيذيين على كتابة خطة رأس المال البشري ومن ثم تنفيذها. نفذ المؤلفون ما وعدوا من حيث جانب التخطيط، ولكن الفصول الخاصة بالتنفيذ تتسم بالغموض.
الأثر الرئيس للكتاب هو إثارة الفكرة التي تقول: إن رأس المال البشري بحاجة إلى التخطيط والمعالجة بصورة منهجية. سياسات الموارد البشرية التي تأتي متأخرة بعد الوقت المناسب تعني أن ينتهي المطاف بالشركات باتباع "مبدأ بيتر"، الذي يقول إنه تتم ترقية الموظف إلى مستوى عدم كفاءته، أو ينتهي بها المطاف وهي مليئة بالموظفين المستنسَخين، حيث يتم توظيف كل موظف وتدريبه وفقاً لخطة ثابتة.
التمايز بين الموظفين والاستثمار في الموظفين المهمين يعني أن الموهبة يفترض فيها أن تعمل في المكان الناسب في الوقت المناسب. يمكن لهذا أن يكون له أثر قوي في الشركة. وفقاً لما يقوله المؤلفون، فإن شركة سيرز الأمريكية المتخصصة في تجارة التجزئة، تقيس رأس المال البشري بعناية، وتعتقد أن مستوياتها من رأس المال البشري مسؤولة عن رضا الزبائن وكذلك عن الأداء المالي الإجمالي. بل إنها تعتقد أن منهجها يتمتع بقيمة تنبئية حول الأداء المالي في المستقبل. إذا كان هذا صحيحاً فإنه يعتبر تطوراً ممتازاً، ولكن الكتاب لا يكشف بما فيه الكفاية عن كيفية إجراء القياس أو التحليل الذي يجرى لذلك.
في شركة مايكروسوفت يقدم المؤلفون الحجة حتى بصورة أقوى. فهم يستشهدون بكبير العلماء السابق في الشركة ناثان ميرفولد، حيث يقول: "إن مطوري البرامج الممتازين هم أكثر إنتاجية من مطوري البرامج العاديين ويتفوقون عليهم بعامل مضاعف مقداره ليس عشر مرات، ولا 100 مرة، ولا حتى ألف مرة، وإنما بمقدار عشرة آلاف مرة". ويعلق المؤلفون على ذلك بقولهم: "ليست هناك وظائف كثيرة تُظهِر هذا التنوع الهائل في الأداء الذي ذكرته شركة مايكروسوفت، ولكن الفروق بمقدار 20 أو 50 ضعفاً هي نسبة شائعة، خصوصاً في الوظائف التي تستخدم المعرفة بصورة مكثفة".
إذا صرفنا النظر عن هذين المثالين (من "سيرز" و"مايكروسوفت") فليس هناك عدد كاف من الحالات من الحياة الواقعية. يقول المؤلفون: إن أبحاثهم تستند إلى العمل مع أكثر من ثلاثة آلاف شركة، ويستشهدون بعدد من الحالات التمثيلية، ولكن معظم هذه الحالات تظهر تحت أسماء وهمية للشركات.
ورغم ما قلته أعلاه، فإن حجة المؤلفين هي حجة قوية، وفكرة أن الشركات يمكن أن تستفيد على الأجل الطويل من بذل المزيد من الجهود في إعداد الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة، هذه الفكرة تبدو أنها جاءت في وقتها.
حين نبحث عن السبل التي تُخرجنا من الركود الاقتصادي، يجدر بنا أن نتذكر أن الأشخاص من ذوي الكفاءة والإبداع هم أفضل سلاح تستخدمه الشركات في الصراع، ليس في سبيل المواهب، وإنما في سبيل البقاء.
× القوة العاملة المتمايزة: تحويل الموهبة إلى أثر استراتيجي
تأليف: برايان بيكر ومارك هوسليد ورتشارد بيتي
الناشر: مطبعة كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد
The?Differentiated Workforce: Transforming Talent into Strategic Impact
By Brian Becker, Mark Huselid and Richard Beatty
Harvard Business Press

